طاووسُ الشرقِ الساحر

فاطمة ناعوت
2019 / 6 / 19



قبل أعوام دقَّ هاتفي من رقم فرنسي. وهالني أن أسمع صوت الموسيقار "محمد عبد الوهاب"، بنبرته العميقة الرصين، يقول: “بونسوار فاطمة هانم!" انتفضتُ وخفقَ قلبي بعنف، وأنا أسمعُ الصوتَ الذي لا تُخطئه أُذنٌ تربّتْ وكبرت على موسيقى عبد الوهاب وأغانيه! هل يهاتفني ذلك الشاهقُ من العالم الآخر؟! أم أنّ في كوكبنا حنجرتين ثمينتين تحملان تلك النبرةَ الفريدة التي لا تُشبه إلا نفسها؟! ارتبكت الكلماتُ على لساني ولم أدرِ بمَ أجيبُ. فصمتُّ. والصمتُ، كما تعلمون، في حرم الجمالِ جمالٌ! استأنف الصوتُ قائلا: "أشكركِ على المقالات الجميلة عن أبي. كلماتك تدلُّ على أنكِ من دراويشه!” وذيّلَ كلامه بضحكة الموسيقار الشهيرة. هنا أدركتُ أن الچينومَ البشريَّ أحيانًا يكون كريمًا؛ فيمنحُنا جزءًا مما فقدنا، حين يكون المفقودُ هائلاً، لا يُعوَّض. كان المتحدثُ هو المهندس المعماري "محمد محمد عبد الوهاب"، نجلُ الموسيقار الكبير، الذي يعيش في مدينة "كان" الفرنسية.
في ألمانيا التي تعرفُ قيمةَ الموسيقى، أطلقوا لقب "هرم" على ثلاثة من عباقرة الموسيقى الألمان، تبدأ أسماؤهم بحرف B هم: (بيتهوفن- باخ- برامز) (Three B Pyramids). وإن كان الألمان قد استعاروا منّا رمزية (الهرم)، فنحن أولى أن نطلق لقب: (أهرامات الموسيقى)، على: عبد الوهاب، السنباطي، بليغ حمدي، الموجي.
في صالوني الشهري الجميل، الذي يستضيفُ كلَّ شهر قامةً شاهقة من قامات مصر الفكرية، الفنية، العلمية، الوطنية، كان ضيفُ الشرف، لشهر مايو، هو الموسيقار العالمي "محمد عبد الوهاب” الذي حضرَ شخصيًّا في صورة نجله الذي جاء إلى القاهرة لتشريف صالوني، في المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية. واكتشف جمهورُ الصالون الحاشد، أن التشابه بين الأب والابن، ليس فقط في نبرة الصوت، بل في الشكل والهيئة وحتى أسلوب الجلوس والأداء الحركي. شيء معجزٌ ملغزٌ، وجميل. حين سمعَ الجمهورُ ضيفَنا العزيز يقول: "مساء الخير" ضجّ المسرحُ بالهتاف والتصفيق يطالبونه بالحديث، حتى يستعيدوا نوستالجيا الأب الأسطوري، في صورة الابن الجميل.
وكان ضيف الشرف الآخر هو المايسترو الجميل "سليم سحاب" الذي فنّد ملامح عبقرية عبد الوهاب، التي صنعت لنا تلك المعجزة الموسيقية الخالدة.
حمل صالونُ هذا الشهر عنوان: "طاووسُ الشرقِ الساحر". واندهش بعضُ الناس من كلمة "طاووس"، لما تحمل من سمات نرجسية سلبية، رفض "دراويش" عبد الوهاب، أن ألصقها بمحبوبهم الكبير. ولكنني أؤمن أن كلَّ فنان "حقيقي" يحمل قدرًا من النرجسية. بعضُهم "يتماكرُ"، ويحاولُ إخفاءها، والبعضُ يكون أكثر صدقًا وجسارة، فلا يعبأ بإخفائها. ومنهم محمد عبد الوهاب. ولماذا الاستثنائيون في هذا العالم "طواويسُ" معتدة بفرادتها؟
اِقرأوا هذه الكلمات: "محمد عبد الوهاب فنانٌ عبقريٌّ، لو أنَّ اللهَ خلقَه في أيِّ عصر، أو أيّ مكانٍ، لكان مخلوقًا فذًّا. يؤمنُ بأن مكانَه الطبيعيّ بين صفوف الزعماء. استطاعَ بفضل فنّه أنْ يكتبَ اسمَه بحروفٍ كبيرة في التاريخ."
هذا الرأيُ، الصحيح، ليس من كلماتي. ولا هي كلمات ناقدٍ موسيقيّ واعٍ. وليس تعريفًا من موسوعة عن قامةٍ مصريةٍ رفيعة. إنما كتبَ تلك الكلمات “طاووسٌ” جميل يعرف قدر نفسه اسمه: "محمد عبد الوهاب". وكانت مجلة "الكواكب" قد طلبت منه عام 1950 كتابة شهادة عن نفسه، صدّرتْ بها د. "رتيبة الحفني" كتابَها: "عبد الوهاب، حياتُه وفنُّه".
كلُّ مبدعٍ عظيم يحملُ قدرًا من النرجسية تجعلُه يصنعُ المدهشَ والاستثنائيَّ من صنوف الفنون. طاووسيةُ الفنّان ملمحٌ طفوليٌّ نبيل، يجعله يرى نفسَه مختلفًا وجميلا، جديرًا بصناعة الجمال. ولو قَبِلَ أن يرى نفسَه عاديًّا، لقَبِل، بالتالي، أن يصنع "العاديَّ المعتاد". وهذا أحدُ أسبابِ انهيار الجمال في مصر الآن. عاديون يقدمون لنا العاديَّ فنقبلُه باعتباره فنًّا! لكن الفنانَ "الطاووس" يرى نفسَه جميلا، ويعيشُ في رعبٍ دائم على هذا الجمال؛ ويخشى زوالَه، فيأبى إلا أن يُقدّمَ المدهشَ الممتاز. لهذا نقبلُ تلك الطاووسية من المبدع، لأنها أداةُ إبداعِه، ومن ثم سببُ مُتعتنا.
لذلك أحببنا نرجسيةَ "محمود درويش" حينما يختالُ ويتدلّلُ على الصحافة والمعجبي. وأحببنا طاووسيةَ "أحمد عبد المعطي حجازي" وهو يلقي قصائدَه مثل مايسترو؛ عصاهُ يدُه؛ تُطوِّعُ الحرفَ نَبْرًا وقَطْعًا وحركةً وسُكونًا وإدغامًا وإشباعًا، فيخرجُ الحرفُ مشحونًا بالغناء. ولهذا نُردِّدُ باسمين قول المتنبي، عن نفسه، لسيف الدولة: "سيعلمُ الجمعُ مِمَن ضمَّ مجلِسُنا/ بأنني خيرُ مَنْ تسعى به قدمُ/ أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبيْ/ وأسمعتْ كلماتيْ من به صَمَمُ." نحبُّ طاووسيةَ عبد الوهاب الجميلةَ، لأنه ملأ حياتَنا موسيقى وعذوبة.
وأما ضيفُ صالوني هذا الشهر (السبت 29 يونيو)، فسوف يكون الرمز الوطنيّ النبيل "قداسة البابا تواضروس" تقديرًا لدوره الوطنيّ المشهود في إعلاء اسم مصر أمام العالم والحفاظ على وحدة صفّها في لحظات دقيقة من تاريخ الوطن. “الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”
***