الخواجه بيجو و بن داعش

اسامه شوقي البيومي
2019 / 6 / 18

يري الأستاذ عباس محمود العقاد فى مقالته "رساله الأدب" أن هناك من الأعمال ما يكون بتكرار مألوف جرت به العادة مثل المحاماة حيث يغني محامي قدير عن محامي أخر قدير وأن هناك من الأعمال ما لا يكون ألا بأبتكار مخلوق مثل الفنون فلا يغني فنان قدير عن فنان أخر قدير. ولأن الفن لا يكون ألا بالأبتكار والأبداع ، الذى يستلزم الأختلاف ، فلا يتأتي ذلك ألا بالحريه والديموقراطيه. لذلك نجد الفنون تنتعش وتزدهر في المجتمعات الحرة وأجواء الديموقراطيه وتخبو فى المجتمعات المستعبدة بأفكار ظلاميه وتنطقئ مع الأنظمه الديكتاتوريه. من أجل هذا كانت رساله الأديب بوجه خاص والفنان بوجه عام هي الدفاع عن قيم الحريه والجمال والخير والعدل لأنها المعطيات اللازمه لمهنته والمقومات الضروريه لأعماله. وكلما أستطاع الفنان أبراز تلك الغايه فى أعماله بطريقه غير مباشرة و ليست متكلفه كلما كانت رسالته أقوي أثرا وأصدق أحساسا. ولا شك أن الفانتازيا الساخرة كانت ولا تزال من أشهر تلك الأساليب التي يلجئ أليها الأديب لنشر أدبه والفنان لعرض فنه بسبب بساطتها وجوها الأسطورى و قدرتها علي أستيعاب الرمزيه التي قد تجنبهم المسأله القانونيه وبطش السلطات.
فجميعنا يتذكر المشهد الكوميدي للخواجه بيجو أو الفنان فؤاد راتب فى فيلم مستشفي المجانين وهو يملي علي أسماعيل ياسين خطاب لأخيه يخبره فيه أن الحمار حرن فى منتصف الطريق ورفض متابعه السير رغم قوله للحمار (.....!!) تلك الكلمه الصوتيه المشهورة فى الريف المصري والني عجز أسماعيل ياسين وكذلك حماه عبد الفتاح القصري عن كتابتها مما دفعهم الى الأستنجاد بالمجمع اللغوى. نستطيع أستدعاء هذا المشهد في سياق طرح سارتر لفكرة النقد التفكيكي للتصوص النثريه والذى قدمه فى كتابه "محاورات " علي هيئه أسئله عن ماهيه الأدب واللغه وعلاقتهم بالأدراك والتطور الأنساني ، مستعرضا أراء المدارس الفلسفيه المختلفه عن المعرفه والوعي .
فهدف النقد التفكيكي هو الوصول للمعاني الأساسيه علي شكل تقسير منطقي للنص بغض النظر عن إيحاءات البلاغه والأستعارات الجماليه. لكن هذا صعب لأن المنطق وليد الجدل الذى هو نتاج البلاغه والتي تكمن فى الأسطورة والخيال ، فالإيحاء غالبا ما يدخل كنسيج حيوي في النصوص النثريه من خلال الأمثله والتشبيه حتي لو كان النص منطقيا تخدمه اللغه ولا يخدمها كالشعر. وقي الوقت ذاته فأن النقاد لايستخدمون رموزا كيميائيه أومعادلات رياضيه لوصف تفسيرهم و أفكارهم حول النص النثري مما يجعل من نقدهم عمل نثري أخر له شخصيه مستقله لا تقل أهميه عن شخصيه العمل الأصلي. أننا بدون أن نشعر قد نجد أنفسنا فى وضعيه تكرار التناقضات المفضي الي العبثيه وأيضا للتطور كما يري سارتر . ومن ناحيه أخري فأن الفلاسفه والأكاديميين غالبا ما يستخدمون تركيبات لغويه متعاليه وقوالب تعبيريه جافه لصب أفكارهم النقديه مما يجعلها غير مفهومه بالنسبه للقارئ العادي الذي سيفضل الراديكاليه فى تفسير وتؤويل النصوص ، لا سيما الدينيه ، لأنها تدعو للروتين الذى يحمل في طياته خمولا عقليا مريحا بغض النظر عن عدم المنطقيه أو الفهم الصحيح. أننا من خلال النظرة القلقه والمتعاليه قد ندفع بهؤلاء القراء الي الأستسلام للراديكاليه الدينيه المتجمدة والمتطرفه فى أحيان. أنه ليس نجاح التطرف بقدر ما هو فشل المفكرين والكتاب فى أختيار القوالب المناسبه لتقديم أفكارهم للجمهور والتي من أهمها النقد الأجتماعي الساخر والعميق فى أن .
مثال هذا النقد البسيط بسخريته والعميق بمفهومه كالذى قدمه عبد الفتاح القصري عندما أستنجد بعرض المجمع اللغوي فى المشهد الكوميدي , كدلاله تهكميه علي أغفال كهنه اللغه لهذا النسق الصوتي مشهور حتي عند الحمير، وكيف أنهم لم يلتقتوا لذلك قبل أن يلاحظه هذا الأعجمي . فقد كان موقف الخواجه بيجو أشبه ما يكون بموقف الناقد التفكيكي الذى يريد أيصال معني محدد فى خطابه لأخيه بأستخدام هذا النسق الصوتي الخاص ، رغم كونه منتشر ، فلا يجد له رمزا فى اللغه العربيه كما أنه لا يري أمكانيه أستبداله برمز أخر أو كلمه مكافئه. لكن لأن الأشكال الفلسفي يتم عرضه قى صورة كوميديه جذابه ومغهومه لبسطاء الناس والصغار أيضا فأنهم يستطيعون من خلاله الأنفلات من براثن قدسيه مزعومه للغه . كما أن طاقه الضحك الأيجابيه المتولدة قد تدفع البعض ممن لديهم قضل من حب أستطلاع الي البحث و دراسه تطور اللغات ككائن حي سعيا وراء حل علمي لتلك الأحجيه .
لقد توصل علماء الفينوميتولوجيا أو تطور الكائنات الحيه الي عدد من أنساق الأصوات الأساسيه التي تشكل النظام الصوتي لكل اللغات ، كما أنهم أكتشفوا أن لكل صوت من تلك الأنساق فكر لا شعوري و معني جماعي خاص مما يعني وحدة فى الترتيب و الشفره الدماغيه الأوليه ومراكز التحكم عند الأنسان. وقد يشترك الأنسان قى هذا مع كائنات حيه أخري لكنه يظل ، كما يقول الوجوديون ، مختلف لأنه قابل للتطور والأرتقاء المعرفي من خلال أبتكار تركيبات صوتيه مختلفه للتعبير عن أفكار ومدركات شتى من هذا النسق الأساسي المبرمج فى الدماغ . وما الحروف الهجائيه ألا رموز لبعض تلك الأنساق الصوتيه ومن تركيباتها تكون الكلمات.
وأنطلاقا من هذة المعلومه العلميه وفوه دفع الضحك وحب المغامره ، يمكننا تخيل أمتداد فكاهي لخطاب الخواجه بيجو يقوم فيه بأختراع رمز أو حرف رقم 29 في الهجائيه العربيه ألا وهو (ك2ق) ليعبر به عن هذا النسق الصوتي الذي نقوله للحمير عندما تحرن ولا يمكن أستعاضته بتركيب بديل لأنه ذو معني خاص بيننا وبين الحمير. ويري الدكتور شديد أن هذا أنجاز عظيم فيصرح لبيجو بالخروج من المستتشفي. وبينما يروج الخواجه لحرفه الهجائي الجديد بين الناس يرميه كهنه المجمع اللغوي بالجهل والألحاد كما يصطدم بخلافه بن داعش التي تكفرة وتبيح دمه لأنها تعتبر اللغه العربيه، لغه الملائكه وأهل الجنه ، مقدسه وفوق النقصان . فلا يجد الخواجه بيجو مخرجا سوي العوده لمستشفي المجانين كملاذ يأمن فيه علي حياته وحرفه الجديد المبتكر.