الجذور الدينية للفلسفة المادية

عباس علي العلي
2019 / 6 / 18

الجذور الدينية للفلسفة المادية

بعد هذا السرد الطويل وتتبع المادية بمعظم صورها المؤثرة في الفكر الغربي وتتبع إرهاصاتها التكوينية ومن ثم كيفية بسط قواعدها وقوانينها, لابد أن نسجل نقطة في غاية الأهمية لها علاقة بالكشف عن جوهر التفكير المادي ألا وهي أن المادية ليست كل الشعارات التي تقدس الجوهر المادي للعلاقات الأجتماعية وتقدم دوره الفاعل في تحديد مسارات وتوجهات حركة التأريخ, بل المادية التي نفسهما هو كل لجوء فكري خارج نطاق الفهم الحقيقي للوجود جوهر أو ماهية فكل فصل بين الأثنين هو تفكير مادي حتى لو تعلق بأعلى درجات المثالية انتسابا.
المادية في الخلاصة كل توجه يضع الوجود في مواجهة الماهية سواء بتقديم هذه على تلك أو بتأخيرها ثم يبني أسس الصراع بينهما ليغير حقيقة الصراع من صراع بين الشر والخير, بين الإنسان وقيده الإيماني وبين الشيطان وقياسه المادي, فلا وجود حقيقة لصراع بين الماهية والوجود لأن ذلك يعني صراحة صراع بين الذات الجوهرية والخارج المحسوس, وهو صراع وهمي على أي حال, فلا يمكن للعقل أن يقبل هذا الصراع لأنه هو أصلا ماهية ووجود,
فهل نشهد صراعا بين العقل كجوهر وبين وجوده الخارجي؟, وهل نظن أن الشيطان، يختبئ في جوهر العقل أم يتستر في وجوده الخارجي؟, الصراع لا يحتدم إلا بين نقيضين مختلفين تكوينا ومؤدى, صراع بين المقدمات ينتج منه نتائج تفسر معنى سيرورة الحدث وترسم الخطوة التالية, فهو صراع ساحته الزمن التأريخي من وجود آدم على الأرض وسيطرة الهاجس الزمني علية كلما مضى جزء منه ليتجه إلى اللاشيئية الحتمية, فالحتمية التأريخية هي تقود التأريخ وتكتب سيرورة الحدث, لأن نهاية هذه السيرورة نهاية التأريخ وهي نهاية الوجود الماهوي والحسي معا.
نهاية التأريخ هي أعلان وفاة العقل ليحل محله اللا شيئية التي تنهي الوجود الحسي كله, والعقل مرتبط بوجوده وظيفيا مع الوجود الحسي, فهي حتمية منطقية يسلم بها العقل ويقبل اشتراطاتها, وهذا ما لا تقبله المادية فتضع نفسها في موقف مخالف لمنطق العقل ومنطق الوجود المولود من اللاشيئية ويسير إليها بخطى حثيثة لا انفكاك من هذا المسير, فالوجود المادي يرفض أيضا قوانين المادية ويرفض تقديس الوجود بلا ماهية.
إن الثنائية الشيئية والتي هي من خصائص الوجود المادي تنفي أمكانية بقاء المادة أزلية لأن الصراع بين طرفي الشيئية لا بد أن ينتهي بنتيجة حاسمة تزيل أحد النقيضين بنفس الحتمية التأريخية وإلا أستمر الصراع إلى ما لا نهاية له ليكون عبثا وجوديا لا طائل ولا معنى له, وحتى المعرفة الإنسانية التي هي نتيجة من نتائج الصراع الشيئي بين النقائض تنبئ بزوال الصراع وانتهاءه وفق محصلة لا بد لها أن تكون, فالعقل والمعرفة وقانون الوجود الشيئي ناهيك عن الوعد الإيماني, كلاها تشير إلى السيرورة نحو الأقرار التسليمي بنهاية لصراع بين الخير والشر, بين مؤديات الغرور والزيف الشيطاني وبين أنتصار أرادة الوجود كما أراد الصانع لهذا الوجود على قواعده السننية.
إن المادية الحقيقية التي تركن إلى تقديم الصراع على أنه صراع ذاتي محض بين الوجود كحس وماهية بين المقدمات الفردية المنفصلة عن قانون الشيئية الثنائية سوف تنهار عندما ينكشف الزيف التحريفي الذي قاده الشيطان الممثل لعنصر الشر ورسخه الفكر الذي قاد إلية وتمنهج عليه التحريف التوارأنجيلي بنزول عيسى عليه السلام مخلصا العالم من ما تم تحريفه وليعلن أن قيم الشيطان زائفة وأن ما أنتجه من خداع قد وصل نهايته الحتمية, فيلجأ الشيطان إلى الانتحار أو يقتل السيد المسيح ليبقى طرف في النزاع هو المسيطر على القاعدة الوجودية التي يمثلها الإنسان.
لو قتل الشيطان سيدنا المسيح سيجد الشيطان من يناصره على تحريف المحرف وبذلك ينشي قواعد جديدة للصراع بوجود موضوع أخر للصراع وهذا هو عبثي بحد ذاته ولا يمكن التسليم به, فلابد من انتحار الشيطان في النهاية لأن أنتصار السيد المسيح يعني أنتصار للوحدة بين الماهية والوجود أنتصار للعقل الصالح والنفس الزكية أنتصار لأراده الله في خلقه, ليتخلص العقل من ذنبه الأزلي ليعلن سرمدية الخير وزوال علة الصراع, وهذا هو نهاية التأريخ{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ }الأنعام158.
إن المادية التي ظهرت أول ما ظهرت كفكر فلسفي كان يبرر للخطيئة الإسرائيلية برفض كل ما هو غيبي مشككا بكل قواعد الإيمان بالله, سرعان ما تجذر في المنظومة المعرفية الأوربية وأصبحت هي الأتجاة الرئيسي في كل ابحاثها يتلقفها الفلاسفة والمفكرون كل ينظر من زاوية أحادية تتعلق أصلا بنفس الرؤية التي مارسها بني إسرائيل مع القواعد الإيمانية التي جاء بها موسى عليه السلام والأنبياء والرسل, وجعلوا من أنفسهم خصوما لله وللخير{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ}البقرة87.
العقيدة الإسرائيلية مع هذا الكم الوافر من الأنبياء والرسل لا زالت متمسكة بماديتها الملحدة ولو أدعوا الإيمان إلا قليلا منهم, ولكن الغالب الأعم من الجهود الفكرية والتي تظهر بين الحين والأخر على شكل نظريات فكرية كانت دائما تأتي كرد فعل لرسالة أو نبوة إصلاحية, فالفلسفة بكافة أتجاهاتها كانت دوما وليدة تبرير السلوك الإسرائيلي بطرح الرؤية المادية المناقضة لرسالة السماء.
من المؤكد الذي نجزم به أن كل نظرية فكرية أو فلسفية كانت لها توجهات مادية معلنة أو مبطنة بشعار المثالية والعقلانية والعلمانية هي في الجوهر دعوى حسية انفعالية تقصد مواجهة الفرض الإيماني الفوقي الذي يأتي من السماء, محاولة أنتزاع الشرعية منها تحت غطاء فلسفي يتستر مثلا بتمجيد العقل مقابل الوحي أو من خلال الفصل بين الماهية والوجود أو التفريق بين الوعي وحقيقة الوجود أو العلمانية التي أطلقها القوميون أنتصارا للدم والعنصر على إنسانية الدين وهي الأخطر الأعظم فكريا بتأثيراتها القوية التي جعلت من الدين علاقة فردية بين الإنسان وربه وانتزاع أو محاولة تبطيل التأثير الروحي للرب على مجريات حركة التأريخ.
إن الأصابع الإسرائيلية لها بصمات وأثار فاعلة في مجرى التأريخ الفكري وهي التي تقود الصراع مع أرادة الرب بتعدد الفرضيات والافتراضات لتجعل من الفكر مشغول دوما بصراعه مع ذاته من خلال أشغال العقل وتغريبه عن مكونه وصانعه وفرض أسس صراع وهمي بينه وبين الله, هذه الأصابع التي حاولت في كل الرسالات التي جاءت بعد موسى عليه السلام لم تنجو منها حتى الديانة الإسلامية الخاتمة ولولا القطع بحفظ القرآن من عبثهم لكان التحريف والتزوير دخل في كل حرف من القرآن.
ولكن أمام هذا القطع والعجر المتأتي عنه دخلت الإسرائيلية التحريفية للفكر الإسلامي بعناصر منها تحت غطاء الإيمان بالإسلام فأدخلت وحرفت مما يمكن التحريف به بوضع الأفكار الإسرائيلية وزرعها في الفهم الجمعي للمسلمين ومن خلال الدخول المباشر على خط التفسير والتأويل الذي وجد فيه الإسرائيليون مرتعا خصبا لنشر إلحاديتهم المادية, أو من خلال أفتراض وجود صراع ديني بين الأديان وتصوير هذا الصراع بأنه صراع وجودي يتعلق بحقهم في أن يفعلوا ما يشاؤوا لأنهم أبناء الله وأحباءه{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }البقرة120.
إن العالم اليوم ما هو إلا في الحقيقة إلا دولة إسرائيل الكبرى التي شتته ومزقته وأفرغت كل القواعد الإيمانية من محتواها لتجعل من اليهودية الإسرائيلية وليست اليهودية التوراتية الحقة هي العنصر المتحكم في الصراع الوجودي والتحكم بسيرورة حركة التأريخ, في الوقت الذي تشتد القبضة الإسرائيلية على العالم تنمو في النفوس البشرية التي فيها بقايا من تأثيرات الإيمان الرباني الحقيقي.
إن محاولة الانفلات ومن ثم الانقلاب على هذه السلطة العالمية التي لا بد لها أن تنهار يوما ما بجهود الناس الذين لا يفرقون بين الله والوجود الذاتي للكون ويعتزون بهذه العلاقة ويسلمون بها يقينيا للتسع قاعدتهم فينهار الشيطان مخذولا مهزوما لينتحر وتنتحر معه كل الأفكار المادية ليكشف التأريخ عن وجهه الحقيقي بانتصار أرادة الله ليصل الوجود إلى النهاية فيعلن الله موت التأريخ والعقل والوجود معا{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ }الأنبياء18.