الإنسان بين العقلانية التأريخية وصدام المادية التأريخية

عباس علي العلي
2019 / 6 / 18

الإنسان بين العقلانية التأريخية وصدام المادية التأريخية


على الرغم من تصادم العقلانية التأريخية مع المادية الجدلية في أوربا الحديثة العلمانية نرى أن المبررات التي تنتج في النهاية من كلا النظريتين تصب في مصب واحد هو الأبتعاد عن الأخذ بالحقيقة التأريخية الشاملة التي لا ترى انفكاك بين الماهيات المثالية والوجود المادي, وما يمثل ذلك من صراع حدوثي بين الشر والخير, فالتأريخ في حقيقته هو تتبع سير حدوثية الصراع وتتبع مساراته لقراءة القادم مستندة إلى معطيات الصراع ذاته.
فحتى العقلانية التأريخية التي تستند على تركيـــز في فهمــــها لتطــــور الإنسانية على العامــل العقــلي أي على تطور الأفكار ولا يكاد تولي العامل الاجتماعـــي والاقتصادي والتقني أهميـــة تذكر بل يصل بسبــب ضمور العامل الاجتماعي في فهمها إلى حد تبـرير استعمار الدول الأوربية الحديثـــة الشعوب التقليدية ما قبل الرأسمالية, فهذا ارنسـت رينان (1823 -1892) التاريخي العقلاني يكتب عن معاداة للنظرة التاريخية المادية,(إن أمة لا تستعمر غيرها محكوم عليها نهائيا بالسير نحو الاشتراكية ونحو حرب الأغنياء والفقراء ولذلك فان فتح جنس راق بلدا يسكنه جنس منحط بغية الاستقرار فيه وحكمه ليس فيـه ما يدعو إلى الانزعاج ) ,إن بريطانيا تمارس هذا النوع من الاستعمار في الهند بما يعود بالخير كله على الهند وعلى الإنسانية بصفـة عامة وعلى وجودها ذاتها, فبقدر ما يجب استنكار الفتوحات بيـن الأجناس المتساويـة فإن بعث الأجناس الراقية الحياة في الأجناس المنحطة أو الهجينة يدخل ضمن تدبير العنايـة للإنسانية.
أس هذا الفهم العقلاني للتأريخ يستند في أسسه أيضا إلى العرقية الجنسية التي قدسها الفكر الإسرائيلي وصاغها على مر التأريخ نظرته للأخر على أساسه وهي نظرة معادية للإنسانية التي تتخلص بشعار حقيقي (كلكم من آدم وآدم من تراب),فليس بمقدور العقل أن يفرض بذاتيته الإنسانية هذا التفريق بين الماهيات على أساس مخالف لطبيعته الواحدة, وبالتالي فرض شروط وجودية خارج نطاق قيمة العقل الطبيعة لما يرى في أفقه المطلق, هنا نرى أن العقلية التأريخية لم تفارق أسسها التكوينية التي صاغها الفكر الإسرائيلي كمنهج بعدما كانت إلى ما قبله طبيعة بشرية تلقائية تتحكم بها النوازع الشيطانية, لكن الفكر الإنساني أعطها أطار شرعي وقانوني تقديسي لا زال سيفا مسلطا على رقاب الشعوب تحت يافطة معاداة السامية.
إن كانت المادية التأريخية انحازت إلى جانب قوة الأقتصاد ودور علاقات العمل في تفسير التأريخ وكانت في ذلك تمثل النظرة الناقصة للحقيقية, فالتأريخية العقلانية تمثل الوجه الشرير للعقل فكل النظريات الأوربية التي تستمد مناخاتها الفكرية من الفهم التوراتي الإنجيلي المحرف تنتج في النهاية قياسات مادية بحته لفهم حركة التأريخ بعيدا عن أدراك السنن الإلهية التي تمثل فهم الله للتأريخ كونه صراع بين طرفي نقيض كل منها يريد فرض شروطه على الوجه الاعتقادي بغض النظر عن الصحية أو الصلاحية{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}آل عمران140.
إن النظريات الغربية نتاج أوربـي, كما إن الامبريالية سـواء أكانت ملكية أم جمهورية أم اشتراكية أم شيوعيـة لا تستلهم العقائـد ولا تعتقد بقيمة أثرية لوجدها, فالظاهر العقـدي ليس من مبـرر له غير التغطيـة على عمليـة النهب شأنـهـا في ذلـك شـأن الخابية التي تخبــئ تحتها الفـخ, فسياستهـا المستندة إلى مركبات مـؤقـتـة والى مصالـح دائـمة هي سيـاسـة واحدة ثابتـة يمكن أن تفتش عن جذرها في الفكر التورأنجلي المحرف.
لقد فسر هيجل مثلا التأريخ عقلانيا وليس عقليا كما يظن الكثيرون فهو الذي أسس الجدل المنطقي القائم على العقلانية منتقدا منطق أرسطو وناقما على كانط الذي يرى فيه أنه أخذ الفكر أبعد ما يمكن في تفسير الحدوثية الوجودية بمعزل عن الحس والتجربة الحسية, فيما يرى هيجل أن الفكر لا يمكن له أن يبني توجهاته وبلعب دورها من غير تحسس تلمسي للعلاقات الأجتماعية والمادية للوجود.
هيجل أراد تفسير التاريخ تفسير عقلاني ,ووفق الديالكتيك انتهى إلى فكره رائده فحواها((أن تاريخ البشر منذ فجر الإنسانية هو صراع من اجل فهم العالم والوجود فهم عقلي, فالتاريخ يريد أن يفهمهُ الإنسان بواسطة عقله, ولكن العقل كما الاشياء الأخرى يخضع لصيرورة الزمان و بالتالي العقل الإنساني يتطور مع الزمان بفعل هذه الصيرورة, حتى يصل إلى مرحلة الكمال البشري, وبالتالي إذا وصل العقل إلى مرحلة الكمال العقلي وقتها فقط يستطيع الإنسان الاعتماد على العقل)).
ومن هُنا اخضع هيجل العقل بواسطة الديالكتيك إلى صيرورة الزمان, متناسيا هو أيضا أن العقل ليس بذلك السلطان القادر على التحكم بمجريات التأريخ بذاتية مطلقة فالذي يريد يفهم حدوثية شيء لا بد له أن يفهم أولا علية الحدوث وقبلها علية الوجود, والعقل بتكوينه المحدود لا يمكن أن يصل للكمالية الإنسانية لحقيقة بسيطة إن الإنسان لا يكتمل إلا أذا اتسق عقله مع فهمه لعلية وجودة, علية الوعي وعلة الماهية وهذا محال علية لأن ذلك يستوجب أول شيء فهم نفسه كإنسان مخلوق لغاية هذه الغاية قد لا تبدو متاحة بالعقل المجرد لأدراكها ما لم يتم التواصل بين العقل ومصدر الخلق هذا التواصل لا بد أن يقود للإيمان بالخالق بالوحي بالغيب.
فهو أي هيجل يرى أن عقل الإنسان كان بدائي ثم تطور و جعل الإنسان يرتدّي ملابس, ثم العقل تطور ليصنع الانسان السلاح, ثم تطور عقل الانسان و أسس مجتمع يعيش فيه, ثم تطور عقل الانسان وبدأ في التفلسف, ثم تطور عقل الانسان واجتهد في تفسير بعض الاشياء الطبيعية, وهكذا دواليك حتى يصل العقل الى مرحلة الكمال العقلي التي بدورها تكون هي المرحلة الأخيرة لتطور العقل فهذه المرحلة هي الكمال العقلي مثلما ان الدائرة هي مرحلة الكمال الهندسّي, وهذا ما قاد فوكوياما بناء على فلسفة هيجل إلى توقّع نهاية التاريخ كون العقل و صل للكمال.
لقد تجاهل هيجل الكثير من الحقائق التي سطرها العقيد الديني والتي يؤمن بها العقل البشري بالضرورة أذا أراد الكمالية منها مثلا لم يكن الإنسان قادرا أن يتوصل إلى اختراع اللباس اولا لولا تعريته من الله نتيجة الخطيئة التي أرتكبها بفعل إبليس في الجنة, فكان بحثه عن التستر من الفضيحة هو الهدف الأول لأبداع اللباس{فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}طه121 .
هذا حدث في مرحلة اللا تأريخ في الجنة فلما نزل آدم ضل يبحث عن تغطية العورة والتستر لا بحثا عن جمالية أو استجابة لشروطها إلى أن تعلم بالوحي كيف يصنع لباسا ولبوس يقي البأس الذاتي والخارجي وهو ما يمثل تدخل فوقي ليس للعقل دور مبدع أبدا{فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}طه121,وحتى دور العقل في البناء الأجتماعي بنواته الأسرة لم يكن أبداعا عقليا مطلقا ولكن تنفيذا للإرادة الإلهية{خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ... ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} الزمر6,هذا الجعل التكويني تطور بتدخل إلهي أخر ليربط الوجود الذاتي بين النفس وزوجها وهو مما يخرج عن أبداع العقل{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}الروم21.
عقلانية هيجل بنيت على مغالطة تأريخية جانبت حقيقة قيمة العقل وقدرته الماهية في الأبداع, فهو بالتالي بعقلانيته يتحكم للمادية, يتحكم إلى الفهم التوارأنجيلي الذي يفهم الوجود الغيبي الفوقي أيضا بنفس المقياس المادي الوجودي البشري{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} التوبة30.
العقل الذي يعتقد مع إيمانه بالعلم الرباني الذي ينفي أمكانية أن يكون لله أبن, يراه ينحاز بغباوة منه لذلك المنفي طبيعيا وعلميا ويسلم به فهو لا يمكن أن يكون كاملا ولا يصل إلى مرحلة الكمال ما لم ينزع عنه القياس المادي الأحادي البشري الذاتي ويتخلص من تلك الإسقاطات لمصلحة تعقل النقل وفق نفس القواعد الحسية الصحيحة التي تقود إلى التسليم اليقيني بالإمكانية أو نفيها عن الحدث.