الأسطورة والرواية التاريخية والنص الديني _ قراءة ثانية لرواية المرحوم الشهيد د علاء مشذوب (آدم سامي مور).

عباس علي العلي
2019 / 6 / 16

الأسطورة والرواية التاريخية والنص الديني

البداية من حيث ينتهي صديقي الدكتور علاء المشذوب في روايته الرائعة آدم سامي مور حيث وجد أن التاريخ بحاجة لإزاحة المزيح من الركام الذي شوه الصورة النهائية التي وصلتنا عن حقيقة الله والدين والإنسان ,وإن الأسطورة الغيبية التي نتداولها اليوم ماهي إلا بقايا حكاية ذات واقع حدثت بتمامها ذات يوم , المشكلة التي عانى منها صديقي الدكتور المشذوب لا تتعلق بأصل الفكرة ولا بجوهر الاعتقاد بوجود رب حقيقي أو تصور إنساني وجد الإنسان نفسه أما حالة خلق وحدوث بدي لا مجال للهروب منه أما للضرورة لمواجهة فكرة الخوف أو حتى فكرة البقاء أو لترتيب تفسير مقنع لتساؤلاته الملحة لماذا وكيف ومتى وأين , فأبدع ربا له وأظهر لنفسه دين ألتزم به هو أولا كي يقنع سواه بأن يكون قانونه على الأخر البعد أو المنافس ,ثم جرى التسليم بالواقع الجديد مع رسوخ فكرة العجز عن التفسير الكامل للأسئلة الكونية التي ما زالت لليوم تقرع رأسه بدون جواب .
في قراءتي الخاصة أنا وقد أكون على غير صواب في الكشف أو الأكتشاف أنا ما وجده الدكتور المشذوب لا يتعدى إثارة المزيد من الأسئلة وهذه هي وظيفة الفكر والمعرفة , ليس المهم أن تجيب الآن بل فكر أولا بمزيد من التساؤلات وبمزيد من البحث , النبش في المتراكم المعرفي التاريخي سيضعك على أعتاب أبواب متتالية كلها تؤدي لنتيجة واحدة ,أنها أيضا تؤدي إلى أبواب أوسع واحتمال وصولك للفضاء التام الذي يمنحك القدرة على رؤية الحقيقة كاملة ما زال الطريق له بعيدا وبعيد جدا ,إذا علينا أن نحاول تفكيك الأسئلة وفرز الإجابات وإعادة ترتيب المشهد بالكامل ,ربط الأحداث بقوانين العلة وتعاليل السبب ,المهم أن لا نقف عند حدود المعقول فأحيانا كل مظاهر العقل التي نتعبدها ونؤمن بها هي أصلا ظواهر مجنونة ومزيفة ولا تقول كامل ما يعرف بالحقيقة.
الأسطورة مفهوم غائم عائم له دلالات وليس له معنى كامل كما في التأريخ مثلا ,فهي تعرف من دلالاتها على أنها ما وصل من فكرة يختلط فيها الواقع مع الخيال وأحيانا هي التأريخ المتخيل لواقع حدث , وأحيانا أحداث سردها التأريخ دون دليل مادي على وقوعها , والغالب ما يؤمن به الأسطوريين إنها حكايات ما قبل التاريخ أو هي التأريخ طفلا يحبو , المهم فيها عنصران الأول الماضي والأخر حدث بلا حدود مميزه قد ينطبق على أكثر من واقعة أو أكثر من واقع , أسطورة الخلق واحدة من الأساطير الأولى التي كتبها التأريخ بعد أن عاشت في ذاكرة الإنسان نتيجة التساؤلات التي ما أنفك يثيرها في كل مرة عندما يجلس مع عقله , النتيجة لدينا عشرات بل مئات الأساطير المتنوعة فيها التأريخ المجهول للجواب وفيها تبرير الخوف وتعليل الوجود ولكن المختلف هو البيئة والقراءة ثم أخيرا ما يريد أن يتبناه الإنسان في النهاية , الشيء المميز في الأساطير أنها تدور في عالم الرب والخلق وعلاقة التحت بالفوق المتصور ليس إلا, هل يعني هذا أن الدين أسطورة أم الأسطورة هي جزء من الدين الذي نؤمن به , الجواب نعم في الحالين , الدين أسطورها ابتدعها الإنسان ولكن ليس من فراغ بل من بعد ما خلق الرب وخلق الفارق بين الفوق والتحت أبتدع فكرة الدين من الخوف والرغبة , فصار كل ما هو أسطوري تأريخي معلقا بالحدث الصاعد والنازل بين الخالق والمخلوق بعد أن أقنع نفسه بقلب المعادلة التي أوجدها هو بكل حرية وجرأة .
حين تكون الأسطورة حدث معاد ومسوق بموجب نظرة خاصة تفقده جدية الشكل والحدود يتحول هذا الحدث من مجرد فعل مادي إلى زوايا وإطار فكرة منصوبة على جدران التأريخ لتشير إلى معنى عام ,معنى لا يهتم للمفردة بقدر ما يهتم بالصورة التي سيتركها في وعي المتلقي ,بعض الأساطير أوغلت في ترميز المفردات وبالغت بالصورة وكأنها هي العنوان الأهم في الأسطورة ومنها قضية الخلق والعلاقة بين الخالق والمخلوق حتى وكأن الصورة هي المطلوبة والمفردة غاية في البساطة, الله الرب الآلهة كلها مفردات تتداخل ولكنها في النهاية تشير وتحدد للمتلقي معنى القوة والقدرة البطش القهر الصلابة البعد اللا نهائية في الموضوع , هكذا صنع خالق الأسطورة وناقلها قضية تضييع المفردة بحجب الغيب اللا محدد واللا معقول ,عكس ما تفعل الرواية التاريخية التي تلتق مع الأسطورة بالزمن ولكنها تختلف معها بالتحديد , الرواية تهتم بالمفردة والوصف وتبالغ بمتابعة الحدث وربط أجزاءه مع بعض, لأن التاريخي مطالب أولا بالدقة ومحاكم بالنص .
الأسطوري أكثر حرية في التصوير وأستحضار الأفكار من الخيال الخصب لكن التأريخي أكثر حرية في توجيه المتلقي للفكرة ويسوق لها ويسوقها بما يعتقد أنها يجب أن تكون كذا وليس المهم أن تكون كيف كانت بالأصل ,الأسطوري والتاريخي يصنعان توجه ويسعيان لإعادة رسم العالم من خلال القدرة على تحريك الحدث من زمانه ومكانه وأحيانا من شخوصه الأصلية وهذا ما أكده الدكتور علاء المشذوب في اكتشافاته التي رافق فيها رحلة البحث عن الحقيقية بين أدراج مدينة سكنها التاريخ وغطاها التراب لأكثر من خمسة ألاف سنه , أكتشف المشذوب أن بعض أفكار الدين وبعض تفاصيل التاريخ وبعض أسرار الأسطورة فضحت كذبها, لأنها لم تحدث واقعا أو لم تحدث فعلا كما ورد وكما تقول تفاصيل الحدث المكتشف .
يبقى في البحث موضوع النص الديني الذي سكت عن قضيتين مهمتين للقاري الفاحص مثل الدكتور المشذوب وهما مصدر الخبر في النص والذي جاء في بعضه مطابقا للأسطورة وإن سرد كرواية تأريخية وخاصة قضية الخلق مثلا وقصة الطوفان وحياة موسى النبي التي هي جزء من واقع مكتشف حادث بالفعل ولكن بشخوص بشرية وبرؤية إنسانية ليس لها صلة كما يتوقع بالله الذي يمجده النص الديني وينسب له الخوارق والفعل اللا مبرر واللا منطقي أحيانا في حين أن الفعل التاريخي المكتسب يتسلسل بالحدث ويربط أركانه وكأنه يحدث بالإرادة البشرية ولا علاقة لها بالخوف والرغبة المبرر الرئيس لنشوء الأديان كما يقول مؤرخي علم الدين والعقيدة , علا المشذوب ينفي الصلة التي يتبناه النص الديني مع الحدث ويعتبر ما جاء فيه أعادة لصياغة الأسطورة برواية تأريخية تتلبس بها المقدس بالمزيف باللا واقعي لنصل لفكرة تجسيد الخوف والرغبة مجددا وإعادة توسيع المساحة المفترضة بين الفوق والتحت فقط .
إذن النص الديني رواية تأريخية أخرى كتبها أو كتبت لأجل شخص أخر وإن كان من جاء به يريد أن يعيد توجيه الفكرة لمجال أكثر بعدا من المجال الذي يستهدفه التاريخي وهو غالبا ما يدور حول تمجيد الإنسان القوي صاحب الإرادة ,أما النص الديني فقد سرق من الأسطورة شكلها الغيبي اللا واقعي ومن التاريخي المنهج والنتيجة وبالتالي كلما في النص الديني هو قراءة كهنوتية مصلحيه تبعد الإنسان عن محاولة تكرار الأسئلة الكونية التي أرقته من أول يوم وعى فيه أن هذا الوجود ليس عبثيا بل منتظم ومسير وفق قوانين تتحكم فيه , النص الديني يريد أن يغلق كل الأبواب التي تفتح بالتوالي للفضاء الواسع الخالي من الحجب ليضعك في أطار من الأجوبة الغير حاسمة لكنها محاطة بهالة من التقديس المانع للعبور فوق خطوطها الحمر .
هل نجح الدكتور علاء المشذوب في رواية آدم سامي مور أن يجرنا جميعا أو على الأقل المشككين بالنص الديني والناكرين له إلى زاوية الكفر بالنصوص التاريخية التي تكبل العقل بسلاسل من أحداث غيبية منسوبة لفاعل غائب ولغرض مؤجل غير موثوق بالدلائل على حصوله أو مبرر بما يكفي لحصوله ,أم أنه أعاد للعقل الإنساني الأعتبار العملي بدفعه لما هو ابعد من المعقول التقليدي الذي يخشى حتى الأقتراب من المقدسات الدينية وليس محاولة عبورها فعلا وتشجيعه على هتك أستار قد تخفي خلفها كذبة كونية كبرى بمسمى مرعب ومخيف وخلفه عذاب ونار وألم وضياع وخسارة للوجود , أشك أن ما فعله الدكتور المشذوب سيفشل في ذلك وتصبح الرواية مجرد حلم سكران خال من هدف مراد طالما أنه لا يتبنى الطرح هذا من خلال الإنكار القولي فقط, بل أن محاولته هذه تؤسس لمشروع تحرير العقل الإنساني من دائرة الخوف المغلقة بأقفال وهمية تحجب عنه رؤية الحدث بواقعية سينمائية أساسها أثار الحدث ومسرحه وشخوصه دون أن نفصل بين الافتراض بما يخالفه والافتراض بعدم واقعية الرواية التاريخية التي نقلها النص بروح الأسطورة .