حول قِبطية چورج سيدهم!

فاطمة ناعوت
2019 / 6 / 16

الحقيقة أن الفنان "جورج سيدهم" ليس فقط محظوظًا بزوجة استثنائية "ثمنُها يفوقُ اللآلئَ"، بل محظوظٌ كذلك بمحبة الناس، مثلما نحن محظوظون بوجوده في حياتنا. فهو يقفُ على تاريخ كوميديّ ودرامي ومسرحيّ شاهق، حصدَ به قلوبَ الجماهير. ولهذا يقيمُ له المُحبّون والأصدقاءُ عدّة حفلاتٍ لعيد ميلاده كلَّ عام، حُبًّا لشخصه واحترامًا لتاريخه المشرّف، وتقديرًا لزوجته الفريدة التي أهدته سنواتِ عمرها لرعايته في مرضه الصعب الذي أقعده منذ حوالي ربع قرن من الزمان. وتفي كلِّ حفل تشاركُ دوائرُ مختلفةٌ من الأصدقاء والأقرباء. على أنَّ حفل عيد ميلاده الأسبوع الماضي، الذي تشرَّفتُ بحضوره، نال حظًّا أوفرَ من التغطية الإعلامية، فأثار بعضَ اللغط والضجَّة، حين ظنّ الناسُ أنه عيد الميلاد الوحيد، فانتقدَ بعضُ الكتّاب والإعلاميين غيابَ هذا، وغياب تلك.
أما الزميل الأستاذ "سليمان جودة"، فقد كتب في جريدة "المصري اليوم" مقالاً عنوانه: “جورج ليس قبطيًّا"! وفي المقال انتقد بقسوة غياب "المسلمين" عن الحفل، باعتبار أن "جميعَ" من شاركوا في عيد ميلاده كانوا "مسيحيين"! مُتجاهلاً وجودي ضمن المشاركين، رغم انتشار صوري مع جورج وزوجته وجميع من شاركوا في الحفل، في الصحف والمواقع والصفحات. والحقيقة أن تجاهله وجودي "كمسلمة" في الحفل ليس هو المشكلة الوحيدة في المقال. المشكلة الأكبر هي أن الزميل العزيز قد "صنّفَ الناسَ عَقَديًّا"، وهو ما نكافحُه نحن التنويريين! فتنميطُ الناسِ وتقسيمهم وفقَ العقيدة، هو أحدُ معاول الفاشية الدينية التي تهدم المجتمعات، والتي نحاربها نحن الشارع الثقافي، ومن ضمننا الزميل العزيز "سليمان جودة"!
ولكن أخطرَ ما ورد بمقال الأستاذ جودة، هو عنوان المقال ذاته، في الحقيقة. “جورج ليس قبطيًّا"! والكاتبُ يريد أن يقول إن الفنانَ الحقيقيَّ أكبرُ من التصنيف الطائفي؛ حيث أن "جورج سيدهم" يتجاوزُ كونه قبطيًّا إلى كونه مصريًّا؛ لأنه فنانٌ كبير. وهذا حقٌّ. لكن المشكلة أن الكاتبَ حين أراد أن ينفي عن الفنان المحدوديةَ العقدية والتصنيفَ الطائفي، وقع بدوره في التصنيف الطائفي؛ حين أقرَّ بأن حضورَ الحفل مسيحييون جميعُهم؛ بدلًا من أن يقول إنهم أصدقاءُ "مصريون" مُحبّون لفنّ فنان جميل، دون النظر إلى عقائدهم. ففعل الأستاذُ "سليمان جودة" ما انتقده في الآخرين!
أما الإشكاليةُ الأخطر في عنوان المقال فهي استخدامه لكلمة (قبطي) في غير معناها الصحيح. فالجميعُ بات يعلمُ الآن أن (قبطيَّ) تعني (مصريّ). والكلمةُ تحويرٌ لعبارة باللغة المصرية القديمة هي: (ها كا بتاح)، أي (منزل روح الإله بتاح). بتاح هو واهبُ الحياة، في الأدبيات المصرية القديمة، ومنزله: مصرُ. وتطورت الكلمة إلى هكبتا- كبت- -قَبَط- ثم إيخبتوس- إيجبتوس (بدخول الإغريق مصر)، ومنها جاءت كلمة إيچبت Egypt مصر. فالقبطيةُ إذن (عِرقٌ) وليست (عقيدة). وبهذا يكون "جورج سيدهم" (قبطيًّا) لأنه مصريٌّ. مثلما الأستاذ "سليمان جودة" (قبطيٌّ) لأنه (مصريٌّ) أيضًا. فجميعُنا، نحن المصريين، (أقباطٌ) بحكم العِرق والچين والسلالة والميلاد والانتماء، وإن اختلفت عقائدُنا. وبالتأكيد يعلم الأستاذ "سليمان جودة" كلَّ ما سبق، لكنه استخدم المعنى (الاصطلاحيّ) للكلمة كما هو الدارج. وهو ما نحاول تصحيحَه في مفهوم العامة؛ لكي نُسمّيَ الأشياءَ بأسمائها الصحيحة. والحقيقةُ أنني هاتفتُ الأستاذ "سليمان جودة" فور قراءتي لمقاله، ولفتُّ نظرَه إلى وجودي في حفل عيد الميلاد، ووعد بتدارك الأمر والتنويه عن ذلك، لكنه نسي فيما يبدو.
كلَّ عام وجميع (الأقباط) في كل العالم، مسيحيين ومسلمين، بكل خير. كل عام وجورج سيدهم جميلٌ، نجتمعُ حول محبته على شرف زوجته الجميلة د. ليندا مكرم. وكالعادة: “الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”
***