القسم الرابع .. ثلاثة إسلامات*

جعفر المظفر
2019 / 6 / 15

القسم الرابع .. ثلاثة إسلامات*
جعفر المظفر
في الحالتين التركية والإيرانية, الدولتان على صلة بتجارب تاريخية كبيرة بالمقياس الإمبراطوري. الأتراك من ناحيتهم, وخاصة إسلامهم السياسي على علاقة روحية بتجربة الإمبراطورية العثمانية ومن حقهم أن يعتبروا أنفسهم أصحاب العلاقة الأقوى بتلك التجربة, وهم هنا إسلاميون وقوميون في ذات اللحظة, وقادرون بالدرجة الأولى على تفعيل العلاقة ما بين الذاتي والموضوعي, اي ما بين ذات الحزب والذات الوطنية للدولة.
الإيرانيون كذلك يشعرون بكل تأكيد بأنهم الأقرب سياسيا وحتى فكريا من موضوعة الأمة أو الإمبراطورية, الصفوية منها أو تلك السابقة على الإسلام, والإيرانيون الإسلاميون هنا, كما هم الإتراك, إسلاميون وقوميون في نفس الوقت.
على الجانب العربي لا يملك اي قطر الآن أفضلية علاقة بالدولة العربية القديمة.
حتى السوريون أو العراقيون فهم لا يملكون مقومات إدعاء القربى مع التجارب القومية العربية السابقة كالأموية والعباسية. على النقيض حزب الدعوة وبقية الشلة السياسية الشيعية العراقية يعتبرون الإمبراطورية العباسية معادية لعقيدة ونهج آل البيت. قطع رأس تمثال أبي جعفر المنصور مؤسس مدينة بغداد, وربما محاولة تغيير إسم شارع الرشيد وغيرها هي حالات تعبر عن هذه الكراهية المتأصلة.
حينما تمكن أية الله الخميني من تصدر حركة تغيير النظام الشاهنشاهي فقد وضع لنفسه مهمة تغيير طبيعة النظام وليس مهمة القضاء على الدولة الإيرانية. لقد كان الصراع بينه وبين الشاه قد جرى من داخل ساحة تلك الدولة الإيرانية لا من خارجها, أما جوهر الصراع فقد كان يدور حول إسقاط نظام الشاه وليس حول إسقاط الدولة الإيرانية..
الحركات السورية الإسلامية التي تتبع المذاهب الأربعة, غير متحمسة أو غير متشجعة على الإنتساب للدولة الأموية والإعتداد بها. بل ان الإمام (أبو حنيفة), وهو الإمام السني الأكثر أتباعا في مشرقنا العربي, يعتبر معاديا للتجربة الأموية (وقف مع ثورة الإمام زيد بن علي في زمن الأمويين ومع ثورة الإمام محمد النفس الزكية في زمن العباسسين، وكان يجهر بمخالفة المنصور الذي حبسه إلى أن توفي في بغداد سنة 150 هـ)
أما العامة من السنة فيعتبرون الجرائم التي أرتكبت من قبل الدولة الأموية ضد آل البيت مدعاة للإشمئزاز والإدانة لتاريخ الدولة الأموية ذاتها بما يجعل مهمة تفعيل عملية الإنتساب السياسي لها أمرا ضعيف الإحتمال وغير منتج بالمرة.
إن هذه الصلة السلبية, أو على الأقل غير القابلة للتفعيل بين الحركات الإسلامية العربية, بشقيها الشيعي والسني, مع الأمم العربية السابقة, يخفف إلى حد كبير, بل ويعدم كل فرص التفعيل الإيجابي ما بين التاريخي والمستقبلي.
إن التفتيش عن تجربة إسلامية سياسية عربية ذات إنتساب قومي عروبي, سيبقى يصب هنا في الحاجة إلى أن يمتلك إسلام من هذا النوع مقومات أن لا يقع في أسر التبعيات وليس لهدف أن يمتلك خصوصيات السيرورة القومية.
لكن إنتقال الحكم الإسلامي إلى العثمانيين, وفي مقابله قيام حكم إيراني صفوي ذا تطلعات إمبراطورية في ظل تمزق وتخلف عربي إستمر لسبعة قرون تلاه تأسيس دول عربية صغيرة ومتفرقة تابعة بعد الحرب العالمية الأولى قد أدى من جانبه إلى خلق فرص لإستمرار كيانيين تركيين وإيرانيين قويين ومتماسكين على صعيد جغرافي وإجتماعي في مقابل دول عربية صغيرة ومبعثرة تكاد بالكاد أن تعثر على هوياتها السياسية.
أما على صعيد الداخل العربي فقد أدت الصراعات المذهبية إلى طغيان الهويات الثانوية ومنها الطائفية على هوية الدولة الوطنية, بحيث صار بالإمكان تقسيم "مجتمعات" هذه الدول حسب هوياتها الطائفية "بخاصة دول المشرق العربي" وتشجيع إصطفافاتها الإقليمية على إصطفافاتها الوطنية "وبخاصة في العراق ولبنان", وقد تبع الإسلام السياسي العربي خارطة التشرذم الجغرافي والمذهبي فأنتج حالته المنقسمة وحتى المتقاتلة مع بعضها.
في الوقت نفسه كان الظرف الموضوعي المتماسك, التركي والإيراني, قد كفل تجديدا للحالة الإسلامية المتماسكة في كلا البلدين, لكنه كفل أيضا وجودهما كخصمين متنازعين على مناطق النفوذ الإقليمية الأمر الذي أدى إلى تحريك المحيط الإقليمي بإتجاهات طائفية متصارعة, حتى إذا ما حل عام الثورة الإسلامية ضد الشاه في إيران فقد رأينا كيف تم إستقبال تلك الثورة عربيا.
في العراق الملاصق لم يصمد التماسك الوطني طويلا, إذ سرعان ما أسرع الإسلام الشيعي المتمثل بشكل أساسي بحزب الدعوة للإصطفاف مع الإسلام الشيعي الإيراني في حين بدأ الإسلام السني, الذي أظهر في بداية الأمر تعاطفا مع الخمينية, إلى الإبتعاد تدريجيا عنها وصولا إلى الضدية البينية.
سريعا توزع الموقف السياسي الإقليمي على ثلاثة جبهات إقليمية. الإسلام السياسي الإيراني مقابل نده التركي, وهما حالتان تمتلكان خصوصية التماسك التاريخي القومي والمذهبي مقابل إسلامات عربية متشرذمة مذهبيا وجغرافيا ميالة إلى الخصومة المذهبية المدعومة بتاريخ حافل من النزاعات والحروب.
أما المسألة الأهم الواجب التوقف أمامها فهي ان الإسلام العربي تاريخيا هو إسلام تتنازعه المذاهب والمدارس الفقهية المتنازعة والمتناسلة. في المقابل لم يشهد الإسلام التركي والإيراني هذا النوع من النزاعات, فالحالة القومية والوطنية, التركية والإيرانية سبقت الحالة الإسلامية ووضعتها في خدمتها, وبمعزل عن التشتت والمواجهات المذهبية إستطاع إسلام الدولة أن يتناغم ويتجانس ويتفاعل مع الحالة القومية المتغلبة في كل من البلدين, التركي والإيراني, في حين إحتلت الحركات الإسلامية العربية موقع الخصومة مع الحالة الوطنية أو القومية وموقع التابع لأحد البلدين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كنت قد كتبت الجزء الثالث من هذه الدراسة تحت عنوان (القسم الثالث والأخير), لكني حينما وقفت أمام الإهتمام الذي حظيت بها إضافة لمراجعتي بعضا من أوراقي الأخيرة الخاصة بهذا الشان, والتي لم تنشر بعد, إكتشفت أن قرار غلق هذه الموضوعة على أقسامها الثلاثة السابقة لم يكن قرارا سليما, بل لعلي بت على قناعة أن هذه الدراسة البحثية المتخصصة بهذا الأمر المهم والشائك يجب ان تبقى مفتوحة لكي تستوعب المزيد من الأفكار.