-فرانز ليست- حياة الفنان خليل الهنداوي

رائد الحواري
2019 / 6 / 15

"فرانز ليست"
حياة الفنان
خليل الهنداوي
الأهم في العمل الأدبي أن يمنحنا المتعة، بصرف النظر عن أية مسائل أخرى، فعندما يكون الخط مريح للقراءة، وتكون اللغة جميلة وأدبية، وطريقة التقديم سلسة، بالتأكيد سنشعر بالراحة، هذا الكتاب من سلسة اقرأ التي اصدرتها مصر أيام (الثورة الثقافية)، أيام كان الكتاب متاح للكل، بسعره وبسهولة الحصول عليه، فقد كان يوزع على كافة الدول العربية، دون أي حواجز أو اعاقات.
جميل أن نقرأ قصة واقعية عن فنان عيش حياة القصص والروايات، "فرانز ليست" موسيقار عاش كما أراد، فكانت المتعة والحرية هي بوصاته نحو المستقبل، يتعرف على "الكونتس داجولت" الارستقراطية المتزوجة ويقع في حبها رغم انها متزوجة وأم لثلاثة أبناء، فتأخذه العاطفة إلى أن يحدثها عن مشاعره تجاهها بقوله: "دعيني أذرف الدمع على ركبتيك، إن رأسي يكاد يشتعل، ما أحوجني إلى يدك تمر على جبيني، وتغوص في شعري"ض45، لكن المجتمع والتفاوت الاجتماعي بينهما يجعله يحبس اندفاعه، لكنه في داخله ما زال يميل وبقوة إليها: "حتى هنا .. أجد فلبي محطما، ورأسي مثقلا بالاضطراب، والوحدة تضجرني" ص49، وهنا يعود إلى محبوبته والتي تبادره الحب، بقولها: "أنك هبطت على كملاك الرحمة لتضيء عزلتي الجافة، ليتني أقدر أن أحيا معك بعيدا عن هذه المجتمعات المزدحمة منفلتا ممن هذه القيود، ... فإنني سأحبك كما تحب امرأة لم يمسها شفتان، وستكون طاهرة نقية كالنسيم الذي يهب على ذرى الجبال الشاهقة، ويكفي أن يدنوا مني فمك هذا حتى اهتز كالشجرة التي تعبث بها الريح"ص51، الجميل في هذا المقطع أننا نجد فيه لغة الأنثى الصافية، فهناك "لم تمسها شفتان، حتى أهتز كالشحرة" فهذا الوصف هو وصف أنثوي، وجاءت ليؤكد على حقيقة الأحدث وواقيتها، تقرر أن تترك البذخ والرفاهية التي تعيشها، وتفر مع حبيبها مبتعدة عن باريس إلى الريف، وهناك يلتقي الحبيبان ويعيشان حياة الحرية والمتعة.
الفنان المتقلب والمضطرب لا يستقر في مكان محدد، ولا يكتفي بعلاقة واحدة، فيأخذه الفن إلى مدن أخرى، تاركا محبوبته، وهنا تأخذ العلاقة بينهما في التقهقر: "إنه لا يملك إلا قوة الانبساط والتفتح، أما قوة الانضمام فهي نقيضه، إنه يطيع كل غرائزه التي تناديه، وكل الدوافع المتناقضة التي تدعوه" ص62، يذهب إلى أكثر من مدينة في أوروبا، ويبرز فيها كموسيقار ومعلم وملهم للموسيقى، ومع حبه للفن إلا أنه كان يعتبر الموسيقى حالة إنسانية سامية، لا يجوز التقليل من مكانتها، فعندما ذهب إلى انجلترا وكانت "فقيرة بروحها الموسيقية" ص72، ولم يحضر حفل سوى ستة من المستمعين، خاطبهم: قائلا: "إن الموسيقى هنا تضمحل، هذا فراغ وخلاء، اسمحوا لي أن اترككم، وأن تستردوا دراهمكم، على أن تكونوا الليلة ضيوفي في نزلي، وهناك سأعزف لكم ما يلذ لكم" ص 72، مثل هذا الموقف يؤكد على تعاطي "فرانز ليست" للموسيقى على أنها شيء مقدس، لا يجوز أن يقلل من شأنه، وهناك موقف آخر يحسب لهذا الفنا، والذي جاء عندما عزف أمام القيصر الروسي، لكن القيصر أخذ يتحدث مجاوره، فأوقف العزف، وعندما اندهش الحضور، سأله القيصر عن سبب توقف العزف فأجاب: "إذا تكلم القصير وجب على الآخرين أن يسكتوا" ص82، وكانت هذه الإجابة رغم (الدبلوماسية) موجعة للقصير، إلا أنها تؤكد على أن "فرانز ليست" كان مبدئي وصادق مع الفن الذي يتعامل به.
بعد أن ينهي علاقته السابقة ب"مارية" يقيم علاقة مع الأميرة الروسية "كارولين" والتي يعيش معها حياة متجددة كالتي عاشها مع "مارية" وينتهي حياته بعد أن يتجاوز السبعين عاما، تاركا أرثا موسيقيا وحياة مثلى لكل من يريد أن يكون مستقلا وحرا عن محيطه.
الكتاب من منشورات دار المعارف، مصر، كتاب اقرأ (82) الطبعة الثانية.