أسئلة بدون جواب شجاع.....

عباس علي العلي
2019 / 6 / 15

أسئلة بدون جواب شجاع.....


في العاشر من حزيران عام 2014 سجل التاريخ انتكاسة حضارية كبرى ومنعطف غير جزء كبير من وجه العالم المعاصر، وستتردد أصداء ما حدث ليس في فلك الزمن الحاضر بل ربما يمتد لعشرات السنين القادمة، ليس لأنه حدث استثنائي فقط ولكنه بما أفرز من صور كارثية تتعلق بعنصر الدين والعقيدة ومدى تفاعلهما تحت ظروف ومعطيات ومقدمات لا يمكن تجاهلها أو التقليل من قوة الصدمة التي أحدثها ظهور التطرف الإسلامي بصورته المعلنة، الكراهية والعنف ورفض قبول الأخر والعودة بالحياة جبرا إلى صورة ماضوية قاتمة، نالت من كرامة الدين ومفاهيمه وتعاطي الناس معه على أنه الجانب الروحي الذي يقتضي أصلا الرحمة والتسامح والإصلاح الدنيوي بمفهومه الشامل.
وأيضا يخطئ من يظن أن الواقع الإسلامي كان مهيأ بالقوة أن يفرز مثل هذه الحالة لأننا أصلا مشبعين بجو الرفض وجو الانعزال الحضاري، مهما كانت الأسباب التي ساهمت بدفع هذا المشهد المأساوي للواجهة علينا أن نتذكر أن هناك عوامل وأدوات ونظريات وأفكار عملت خلال سنين طويله من خلال التسلل للعقل الديني الإسلامي ليكون على استعداد لتقبل هذا الواقع الذي أريد له وبه أن يعطي مثالا على أن الدين ليس أكثر من مجموعة أفكار يمكن أن تتحول لبركان تدمير للمجتمع، وليس بعيدا عن نظرية المؤامرة فقد أجتهدت جهات وأفكار على طرح ممارسات في الغالب لا تنادي بالمطلوب ولكنها ومن خلال فشلها المتوقع سوف تجعل من الشعوب باحثة عن نقيضها لتتلمس الحل، هكذا تمت صياغة الفكرة وعممتها على الكثير من الزوايا الأجتماعية ومن خلال أليات وأدوات غير صالحة الهدف منها الحصول على النتيجة المتوخاة منها وهو إفلاس زمني حضاري للتجربة السياسية والاجتماعية في المجتمع الإسلامي.
المجتمع الإسلامي ككل المجتمعات التي عانت من تغيب قسري لوعيها نتيجة تراكم وطغيان التسلط الديكتاتوري على مقدراتها تحت عناوين وشعارات، كانت على أستعداد نفسي وفكري أن تتقبل أي شكل من أشكال التحول الذي يناهض السلطة وقمعها وتطرفها في قمع الشعب ومصادرة قراره، لا سيما تلك الشعارات التي تمس الجانب الروحي للشخصية الفردية وخاصة الدين منفعلا برؤية ذاتية أنانية، لذا حينما شعرت الشعوب الإسلامية أن هناك أرتخاء وتململ في صفوف قوة السلطة سارعت نحو هذه الأفكار الروحية لتنهل منها ليس الأكثر جدارة بالأخذ لبناء مستقبلها، بل انحازت إلى الجوانب الأنتقامية التي تحاول بها أجهض مشروع السلطة، ويمنحها القوة المسلحة بالقداسة والتعظيم المزيف الذي روعي فيه تقديم الفعل المناهض الهدمي بدل نظرية البناء على ما تبقى من أسس صحيحة.
هكذا وجد الشباب المسلم في الفكر الديني العنيف والمتطرف قوته الكامنة لمحاربة السلطة ومن يعتقدون أنه سبب في الوصول بالحال إلى ما هو عليه، ولادة داعش ومن قبلها القاعدة ومن قبلها جماعة التكفير والهجرة وكل الحركات العنفية في المجتمعات الإسلامية ولدت من شعارات محاربة الطغيان والقضاء عليه، حتى تحولت فكرة الحرب والمحاربة والقوة القاهرة إلى نغمة قرأ فيها الإسلامي كل الفكر الديني وكأن العنف والقهر هو منهج الدين ومنهج الحياة، لذا فالعقلي الديني لهؤلاء لا يتعب نفسه في البحث عن التي هي أحسن بل عن التي هي أقوى وأسرع وأشد، فتحولت الذائقة القرائية للمتلقي من وضعية السلم والدعوة للسلام والإصلاح والمؤاخاة بين الناس إلى النقيض المتطرف في فهمه للقوة ومصادرها وكيفية إدارتها لتحقيق الغرض المناسب من أستخدامها زمنا وحالا ومكانا.
ومن المخطئ أيضا من يبرئ جهة أو طرف إسلامي من مسؤولية التطرف وإشاعته، بل أن وجود الطوائف والمذاهب الدينية هي الحاضنة الأساس ومكان تفريخ لكل الأفكار المتطرفة والعنفية، لا توجد بين أدبيات الأفكار المذهبية الدينية الإسلامية بعموميتها حس وسطي عقلاني متسامح يدعو للتعايش على فكرة واحدة هي أننا جميعا مسلمون نعبد الله وإن أختلفت قراءاتنا لما بين أيدينا من تعاليم ومنهج، الكل بلا أستثناء يدعي الوصال الحقيقي مع الله ويرمي بتهمة الكفر والشرك والظلال والتحريف والتزوير على المختلف الأخر، هذه الحالية لا يمكن معها وبها أن نسير أمنين في وسط طريق مزروع بالألغام الفكرية والعقائدية التي قامت عليها المذاهب، حتى وصل الأمر بالمسلمين أنهم تقاسموا أرث الله ورسوله بينهم، لك هذا ولي هذا وعليك أن لا تتعدى على ما لي ولكن من حقي أتعدى على ما لك، ولدت هذه الأفكار الظلامية في عقول الفقهاء والمجتهدين والقادة الفكريين العقائديين لتتحول كمسرح وملعب كبير إلى عقول العامة من الناس، مسنودة بالكثير من النصوص والقراءات المسمومة الكاذبة والمحرفة والمزورة التي تساند هذا وتعادي ذاك.
هذا الكلام لا يعني أن الدين الإسلامي هو بذات الوصف الأنف ولا يعني أننا ندين الفكر الديني بعموميته، ولكن حينما يتجزأ الدين كفكرة بين فرقاء وأحزاب قائمة على مبدأ الإزاحة والتنافس والصراع يختفي المبدأ الأساس الجامع أو ضياع خط الشروع الأول الذي أنطلق منه الدين، وتتحول النقاط الهامشية التي أختارها الفرقاء كمحدد ابتدائي وإن تعارض مع أصل الفكرة وجذورها، فحينما يعلن الفرد أنه من الطائفة الفلانية ومن الحزب الفلاني من الصيغة المحددة فهو يعلن بصراحة انفصاله وأبتعاده عن الدين الإسلامي وأختياره الجزئية الفردية مع أحترامنا لحق التنوع بدلا من العنوان الأشمل، الإسلام كدين يؤمن بحق القراءة الأخرى بميزانها العقلي ولكن لا يؤمن بالأختلاف الاعتباطي الذي يجعل من الواحد الجامع عامل تفريق وهدم لقوة المجتمع الإنساني العاقل والمعرفي، الأختلاف في القراءة رحمة عند الإسلام طالما أنها لا تهتك حراما ولا تحرم حلالا متفقا عليه بعلاته، أما شؤون الحياة ومداراتها والنظر فيها كمواضيع خصوصية تتعلق بأدوات الإنسان فهي في حل من تحديدها وتقيدها بقوانين قطعية مطلقة لا تقبل النقاش أو التساؤل والبحث عنها.
بعد هذا التقديم الموجز هل يمكننا أن نثير مجموعة أسئلة في وجه من حملوا لواء العنف والتطرف والإرهاب الفكري السلبي والإيجابي بمعنى الفعلي المجسد، أول تلك الأسئلة التي نثيرها بعد أن شخصنا الخلل في إيجاد عوامل الرفض والأقصاء والكراهية بين المسلمين، هل من فقيه أو مجتهد أو مفكر إسلامي قادر على أن ينتزع نفسه من هذه المنظومة الصانعة والمبررة والداعمة لما ذكرنا؟ وهل بإمكان المؤسسات الرئيسية في المذاهب والطوائف تملك القوة والقدرة على التراجع عن مواقفها في دعم الفئوية والعودة إلى ساحة الدين الواحد؟ وأيضا هل ينجح أفراد أو بعض المجموعات لو تبنت الخطاب الوحدوي الإسلامي في إقناع عشرات الملايين من أتباع المذاهب والملل والأحزاب الدينية أن مشروع الوحدة والتوحد هو مشروع الله ورسوله وما خلا ذلك فهو البهتان المبين، بل هل تقبل لمؤسسات الرأسية والقيادات المذهبية أن ترى المشروع التوحيدي يحضر بقوة في وعي العقل المسلم؟ هذه بعض الأسئلة التي تحتاج إلى شجاعة إيمانية حقيقية قبل الرد عليها أو حتى مناقشة أساسياتها التي تلتصق بالإيمان أصلا ولا تنفي ولا تعارض في حق التنوع والأختلاف طالما أن هذا التنوع والأختلاف سيكون مصدر قوة وإثراء للفكر الديني دون تزمت ولا قدسية له في وجه المبدأ الأول وهو أن الدين رحمة وإصلاح وتطور.