مصر وإعادة تدوير المتاح الثقافي

حاتم الجوهرى
2019 / 6 / 14


عدة إشارات في الفترة الماضية يجب ألا تمر مرور الكرام؛ بدأت منذ فترة بظهور قيادة سابقة لإحدى هيئات مؤسسة الثقافة المصرية الرسمية بقناة تليفزيونية معروفة، وبدا اللقاء كأن الرجل وفي ظل الفراغ الثقافي الذي تعاني منه المؤسسة حاليا يطرح نفسه كاحتمالية للمرحلة، مستعرضا تصوره لعدة فعاليات ثقافية ومبديا ملاحظاته عليها كذلك، ثم في حلقة تالية ظهر من يحسبون على المؤسسة الحالية فيما يشبه المناظرة غير المعلنة، ومؤخرا تم الإعلان عن قيام مؤسسة ثقافية شاملة غير حكومية تحت إدارة د.فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق، وليس ببعيد عن الموضوع انتهاء ملتقى القاهرة الدولي للرواية مؤخرا بالأفكار القديمة والأسماء نفسها التي تدور في الفلك القديم.

عجز الأبنية المستقلة
قد يقول البعض أن مشكلة مصر الحقيقية تكمن في عجز أبنيتها الاجتماعية المستقلة (خارج المؤسسة الرسمية)؛ عن إنتاج تمثلات ومشاريع ثقافية/حضارية جادة ومتكاملة تصلح للنهضة الحقيقية للبلاد بعيدا عن الجدل الأيديولجي التقليدي، بما يجعل هناك مشكلة في طرح مشروع حضاري ثقافي، بديلا عن المشروع النمطي لدور الثقافة كفعل هامشي لا يعبر عن حاضنته التاريخية ومستودع هويتها، وهو التصور السائد مؤسسيا منذ تسعينيات القرن الماضي.
إذن كيف يمكن الولوج للمستقبل المغاير والطموح لمصر دون رؤية تحدد الوجهة الحضارية البلاد؛ وفي الوقت نفسه تتسابق الأبنية القديمة المشكلة للمشروع الثقافي السائد منذ التسعينيات على إعادة تدوير أنفسهم، ومحاولة الظهور في المشهد كمرشحين محتملين للعودة لإدارة المشهد الثقافي، خلفا لما يمكن تسميته بالمرحلة البينية في الثقافة المصرية التي تلت ثورة 25 يناير 2011.

رجال المرحلة البينية
المهم أن عجز رجال المرحلة البينية في الثقافة المصرية، وعجز جماعات المعارضة الثقافية المفترضة عن تقديم بديل ومشروع متكامل، يمكن له المحاججة على الأرض بهدوء ووعي معبرا عن مستودع هوية البلاد ومستقبلها، جعل مجموعات المصالح القديمة في مؤسسة الثقافة المصرية تعود مجددا، لتحاول أن تقدم للمشهد أحد وجوهها وتعيد تدويره، مقدما رؤية ما لإدارة الثقافة المصرية ومؤسستها تبدو وكأنها متماسكة، في حين في واقع الأمر هى عودة للخلف واجترار الأنماط الثقافية نفسها، التي عجزت عن التعبير عن استعادة الذات وطموحها وهويتها لدى الشعب المصري.
بالفعل بالمقارنة بين رجال المرحلة البينية فيما بعد 25 يناير، ورجال الحرس القديم فيما قبل 25 يناير، تكون الغلبة للقدرات الإدارية للحرس القديم لكن ذلك ياتي في طور إعادة التدوير والحركة محلك سر، وأما السمات أو الاشتراطات التي تم وضعها لمن يتم تصعيده من رجال المرحلة البينية، فلقد تم انتقائهم في الحقيقة بعناية شديدة لتصل بهم عربة الثقافة للمحطة الحالية.

التصفية أو الطرح البديل
حاليا نحن بالقرب من محطة العجز وغياب القدرة على الإدارة في ظل أنهم قاموا بتهميش كافة التصورات/الأفراد الممكن أن تفضي حتى لتطوير الحراك بشكل تكتيكي لحفظ ماء الوجه، ويبدو كذلك أن رجال الحرس القديم كانوا شديدي الذكاء لاختيار الأفراد التي وضعوها في المرحلة البينية، بحيث يحترق بهم الطريق وتقف إمكانياتهم الذاتية عاجزة عن التعامل مع الأمر، وكذلك كانوا حريصين على الاستناد لضعف خبرة رجال المرحلة البينية ورعونتهم في مجال العمل العام، في حرق جسور التواصل بينهم وبين القادرين على التغيير والدفع بالعربة للأمام ولو بشكل تكتيكي داخل السياق القديم.
ولكن أي دور للثقافة تطمح له مصر في ظل إعادة تدوير مخلفات الثقافة التسعينية ورجالها، ذلك المشروع الثقافي الذي أنتج العجز والاستلاب للآخر والانسلاخ عن الذات، وقدم المعرفة والدراسات الإنسانية في شكل تصورات جزئية منفصلة عن سياقها الاجتماعي، تبدو متعالية وغير معنية بواقعها اليومي وأزماته، كما أنها خلقت مفرزة تنتقي أسوأ ما في المجتمع من عناصر ذاتية هشة تفتقد للحلم والطموح والولاء لروح هذا الوطن ومستودع هويته..
تبدو المسألة بوضوح أنه بنهاية المرحلة البينية الحالية ورجالها ستصل عربة الثقافة في المؤسسة المصرية لمحطتها الأخيرة الأقرب للتصفية والانفضاض والتفكك، أو سيكون لزاما ظهور البديل الوطني الحقيقي القادر على تقديم دور الثقافة كمحرك للنهضة ومنتج لسيناريوهاتها، وباعث للروح في الشارع المصري من خلال التمفصل حول حلم الشعب المصري بالتغيير، وتجاوز تناقضات اللحظة الراهنة عبر خطاب جديد وآمل.

المعرفة كرافعة حضارية
إذا لم يبرهن أهل العلم والثقافة في مصر على قدرتهم على طرح مشروع بديل ثقافي، قادر على النهضة بالبلاد وإعادة تشكيل ملامح شخصيتها القومية ومنح أبنيتها الصلبة روحها الناعمة، فيحق لشبكات المصالح القديمة أن تنتهز الفرصة إذن وتتجمع حول بعضها محاولة إعادة تدوير نفسها مجددا داخل المشهد.
إذا لم يقدم أهل العلم والمعرفة تصورا ثقافيا لدور الثقافة المحوري والوظيفي كرافعة حضارية، تتمثل في سيناريوهات وبدائل على المستوى الأكاديمي والجماهيري، وعلى مستوى إدارة السياسة الخارجية والداخلية يصلح للتطبيق أمام الإدارة السياسية للبلاد، ليقيم الحجة أولا وأخيرا، بأن هناك مشروعات وطنية بديلة عن ثقافة المهرجانات والضجيج الإعلامي المنفصل عن حاضنته التاريخية والوطنية، إذا لم يقدم أهل العلم والمعرفة تصورات بديلة تتجاوز أفق المصلحة الشخصية الضيق، وتقدم نموذجا صلبا للتمسك بالمبدأ والمشروع في مواجهة دعاة الانتهازية وإعادة تدوير الذات، والدور الوظيفي للثقافة كحلية هامشية في مشهد يحلم بالنهضة، فلا نلوم أحدا سوى أنفسنا، لأننا حتى لم نقدم البديل القابل للتطبيق للإدارة السياسية، لنقيم عليها الحجة ونضعها أمام مسئوليتها التاريخية في الاختيار من متعدد.

الحضارة كمعادلة ثقافية تقوم على الموقف من الذات
الحضارة في أحد جوانبها هي معادلة ثقافية تقوم على الموقف من الذات؛ إما الاعتداد بها أو الخروج عليها، والمشروع التسعيني ورجاله سواء من الحرس القديم أو من رجال المرحلة البينية، يعبرون عن تصورات الانسلاخ عن الذات والاستلاب للآخر بحجة رطانات التنوير والحداثة، في حين أن الأزمة الحضارية التي ضربت مصر والبلاد العربية منذ مطلع القرن الماضي، تكمن في اعتماد التناقض والصراع بين اليساريين والحداثة وأطروحات القومية او الاشتراكية أو حتى الماركسية، وبين اليمينيين وتيارات الإسلام السياسي والتراث الديني والاجتماعي.
وأول خطوة في أى مشروع ثقافي جاد لنهضة مصر والبلاد العربية، يجب أن يعتمد لحظة مفصلية تتجاوز هؤلاء وأولئك من خلال تحديث سياق الذات وأبنيته، لا من خلال الاستلاب للآخر ونصوص الحداثة المقدسة، اول خطوة حقيقة في ثقافة المستقبل لمشروع مصرى حقيقي، تكمن في إزاحة كل النخب الثقافية التي تنتمي لتناقض اليسار/ اليمين، من أجل تأسيس خطاب معرفي وأيديولوجي وثقافي وسياسي مصري جديد، يؤدي للنهضة واستشراف مستقبلها.

الكتلة الحرجة وإدارة التناقضات
مصر في حاجة للخروج من تناقض الماضي، كل مشكلات مصر الآنية مردها لإدارة التناقضات وتشكيل الأطراف التي يذهب بعضها قوة بعضه، هناك كتلة جامعة/ كتلة حرجة في أى مجتمع تعبر عن اختياراته الرئيسية المكونة لمستودع هويته، وكذلك هناك نماذج انتهازية متكيفة مع أى نمط سياسي/ ثقافي يمكن استقطابها له، مصر في حاجة لتجاوز النماذج الانتهازية رجال كل العصور، والاستناد لنماذج إنسانية جادة تعبر بصدق عن انتمائها لمستودع هوية البلاد وروحه، نماذج تعبر عن الكتلة الجامعة.
على البلاد أن تتحرك قليلا خارج رجال الحرس القديم وخارج رجال المرحلة البينية، ذلك إذا أرادت مشتغلين بالثقافة/الحضارة حقا، يملكون القدرة على تقديم سيناريوهات حضارية لمستقبل البلاد داخليا وخارجيا، وليسوا مجرد وزن ميت، وكذلك على رجال العلم والمعرفة المستقلين الخروج من حالة الكمون والعجز والقهر، والسعي لتقديم تصورات جادة لمشاريع ثقافية بديلة ومتجذرة حول مستودع هويتها، في مواجهة إعادة تدوير مخلفات المشروع الثقافي التسعيني ونخبه سواء من الحرس القديم أو اختيارتهم لرجال المرحلة البينية أو غيرهما..
ذلك إن أرادت مصر النجاة والبحث عمن يرصف لها الطريق للمستقبل ويستشرف احتمالات نهضته.