كميل أبو حنيش وكعك العيد

رائد الحواري
2019 / 6 / 13

كميل أبو حنيش وكعك العيد
أحيانا نحتاج إلى راحة/استراحة، لكي نتقدم بصورة سليمة وقوية إلى الأمام، فكثرة مشاغل الحياة تجعل من الاستراحة ضرورة لا بد مهنا، شاءت الظروف أن يكون بداية (العمل) بمقالة "كعك العيد على بوابة السجن"، كنت قد قرأت مجموعة قصصية بهذا الاسم منذ زمن بعيد، وها هو "كميل أبو حنيش" يذكرني بها لكن بطريقة واسلوب جديد، في مقالته يتحدث عن زيارة صديقه الدكتور "حسن" وما واكبها من مشاعر إنسانية (تشتت) بين الاهتمام بصديقه "حسن" أم بشقيقه "فؤاد": "كانت تساورني تلك اللحظة مشاعر الخجل فكيف سيكون بوسعك أن تكون مرتاحاً في زيارة الأهل بينما يمضي رجلٌ عدة ساعات في قاعة الانتظار" الكاتب "كميل أبو حنيش" في هذا المقطع يؤكد على أنه ما زال مترع بالإنسانية بكل ما فيها، ولم ينل السجن ولا السجان منها قيد أنملة، فإحساسه المرهف ما زال متقدا ومتوهجا، ينير الدرب أمامه، فالإنسانية هي العمود الفقري والمركز الذي يستند إليه الأديب، ليبقى حاضرا كإنسان قل أن يكون أديبا..
ويحدثنا عن الهدية التي أعدتها "سميرة، أم ديمة" زوجة الدكتور "حسن" والمتمثلة بكعك العيد: "لقد أعدت لك سميرة كعكاً بيتياً وأرسلته معي كهديةٍ للعيد". :وهنا يصعد الأديب درجة أخرى ترفع مكانته إنسانيا، يعبر عن هذه المشاعر بقوله:

"أثارت عبارته أحاسيساً مدفونةً في أعماقي، إذ كيف بمقدورك أن تشرح عن قيمة هذه اللفتة الرائعة وهي تنبض في الفؤاد، فطوال سنوات أسرك السبعة عشر لم يتذكرك أو يخصك أحد بهدية مماثلة" التواصل بين الأديب ومن هم في الخارج هو المثير والمدهش، فكلاهما يهتم بالآخر، ويفعل ـ قدر المساحة الممنوحة ـ ما يسعد ويفرح الطرف المقابل، وهنا يدخلنا الأديب إلى من يقف حائلا دون التواصل الطبيعي بين الفلسطينيين، وحتى التواصل بين إنسان أدين (بجرم) وبين أهله وأصدقائه، فالمنوعات والمحظورات لا تعد ولا تحصى: "أما الوجه الآخر والأجمل لهذه الحكاية هو أن السيدة سميرة لا تعلم أنه من غير المسموح به إدخال مثل هذه الهداية إلى السجن، أما ما هو مسموح بإدخاله فيقتصر على الثياب والكتب بشرط إدخالها من خلال الأهل أثناء الزيارة" إذن هناك حاجز يحول دون اتمام واكمال التواصل الطبيعي بين (السجين) وأهله/أصدقائه، فما هي طبيعة هذا الحاجز، ومما يتشكل، وما هي طريقة عمله؟: "لم يساورني شك بإمكانية السماح بإدخالها لأن ذلك يعني تغيير في الإجراءات والسياسات، الأمر الذي يحتاج إلى قرارات عليا، قد تصل إلى وزير الأمن الداخلي في ظل بيروقراطية جافة وطويلة وعنصرية، لا تفهم لغة المشاعر الإنسانية، ويصبح أفراد هذه البيروقراطية مجرد براغٍ في آلة صماء" الملفت للنظر أن البشر من الطرف الآخر/الاحتلال يتحولون إلى آلات، فلم يعد يربطهم بالإنسانية شيء ـ إذا ما استثنينا الشكل/الهيئة، وما دونه أمسوا ماكنات تعمل بطريقة آلية، وتستجيب فقط لما تأمر به من المُشغل، يوضح لنا الأديب هذا الأمر بقوله: "لا تفهم لغة المشاعر الإنسانية، ويصبح أفراد هذه البيروقراطية مجرد براغٍ في آلة صماء" المفارقة بين الفلسطينيين أنهم يتوقدون إنسانية، فها هو الدكتور "حسن" يأتي من (فج عميق) يتحمل تبعيات السفر، واجراءات التفتيش الدقيقة والانتظار الطويل، لمجرد أن يزور صديق لا يعرف هيئته ولا شكله، فقط يعرفه من خلال ما يكتبه من شعر وروايات ومقالات، فتكونت بينهما علاقة إنسانية تطورت بأن تعمل "سميرة" زوجة الدكتور كعكا للأديب، بينما السجان الذي يعيش مع (السجين) ويرى ويسمع أجراس الإنسانية التي تقرع يوميا داخل السجن يبقى "صما بكما عميا" وهنا تكمن المفارقة بين الفلسطيني وبين الاحتلال، السجان.
ويختم الأديب مقالته رابطا حالته وحالة اصدقائه وأهله من جهة، وبين وحالة السجن والسجان والنظام الرسمي العربي من جهة أخرى: " وكانت سلة الكعك رسالة احتجاج ومظاهرة على بوابة السجن أربكت السجان أكثر مما تربكه المدافع العربية، احتاج إلى أن يلجأ إلى مستشاره القضائي كي يمده بفتوى تسمح بدخول الفرح " وبهذا يكون "كميل أبو حنيش" قد اكمل الصورة، صورة الأسير الفلسطيني وصورة الأهل والأصدقاء، وصورة السجان والاحتلال.