في السودان، قطبان متصارعان لا ثالث لهما !

عبدالله صالح
2019 / 6 / 12

الحراك الجماهيري الواسع والشامل في السودان بدأ يأخذ منحى آخر ، فبعد المذبحة المروعة التي ارتكبتها السلطة العسكرية نهار يوم الاثنين المصادف 3 / 6 / 2019 بحق المعتصمين أمام مبنى القيادة العسكرية في الخرطوم والتي أدت الى مقتل أكثر من 100 شخص وجرح المئات، توضحت الصورة أكثر فأكثر لذا فان الحاجة انتفت لخلط الأوراق كي يتم معرفة كل طرف من هذه المعادلة والموقع الذي هو فيه .
يبدوا ان احدى نتائج " قمم مكة الثلاث " التي دعت الى عقدها السعودية ، بالإضافة الى حث المجرم ترامب لاستخدام القوة ضد ايران ، هي الطبطبة على اكتاف رئيس المجلس العسكري في السودان عبدالفتاح البرهان والشد من أزره وحثه على السيطرة والهيمنة على السلطة بشتى الوسائل ومنها استخدام ابشع أنواع وسائل العنف بحق من يتجرأ على المطالبة بابسط الحقوق الا وهي ( دولة مدنية ) . عودة البرهان الى السودان بعد الاستقواء بالقوى الرجعية في المنطقة أدت به الى اطلاق يد المجرم محمد حمدان دقلو الملقب بـ ( حميدتي ) قائد ميليشات الجنجويد الملطخة ايادهم بدماء الأبرياء في دارفور ليعيث في الخرطوم فسادا ويمارس هوايته القذرة في قتل واغتصاب وحرق خيم الاعتصام ورمي الجثث في نهر النيل. بالإضافة الى ذلك فقد جنّد المجلس العسكرى جيشا من المرتزقة الإعلاميين ليتحدثوا ويكتبوا عبر المنابر الإعلامية متهمين قوى الحرية والتغيير بـ " العمالة " للأجنبي ! وتوريط البلد في حرب أهلية !
التدخلات في الشأن السوداني بدأت منذ اليوم الأول لانطلاق هذا الحراك ويتسع مداها يوما بعد يوم ، فبعد التدخل الواضح والصريح للأنظمة العربية الرجعية في هذا الشأن والصمت المطبق لما يسمى بـ " الجامعة العربية " والتي هي بالأساس ليست سوى وسيلة بيد الرجعية العربية لتبرير وتمرير مخططاتها بالحد من انتشار " وباء " الثورة ضد حكامها، بدأ التدخل الدولي يكشف عن نفسه ، روسيا والصين وقفتا بوجه قرار لمجلس الامن يطالب بوقف اعمال القتل الأخيرة ومحاسبة المتورطين فيها ، ثم جاء موقف الاتحاد الافريقي الذي يعتبر لصالح الحراك ، الى حدما ، وذلك بتجميد عضوية السودان فيه الى أن يتم تسليم السلطة لحكومة مدنية ، وأخيرا وليس آخرا جاء الموقف الأمريكي بتعيين مبعوث خاص الى السودان والمطالبة بتسليم السلطة الى حكومة مدنية ومحاسبة قتلة المعتصمين .
هذه التدخلات تشير بوضوح الى مدى قلق القوى الرجعية مجتمعة على ما يحدث هناك وخشية تولي القوى الراديكالية لمقاليد السلطة وسريان " عدوى " الثورة في المنطقة ! خصوصا بعد ظهور العديد من الأوجه المشرقة لهذه الثورة وفي مقدمتها المشاركة الفعالة للمرأة في القيادة وصنع القرار وهو ما يعتبر دليلاً واضحاً لا لبس فيه عن التراجع المفروض على قوى الإسلام السياسي عن الساحة وكون هذا الحراك هو ضربة قوية توجه الى هذا التيار منهجيا وسياسيا.
لقد أصبحت الصورة في المشهد السوداني أكثر وضوحا ،هناك قطبان لا ثالث لهما ، قطب الثورة وقطب الثورة المضادة ، حتى الانتهازيين ممن يدعون " الوسطية "، يقفون بخجل مع الثورة المضادة من اجل الحصول على بعض من وفُتات موائد العسكر ومنهم حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي على سبيل المثال !
ما يمكن أن يتم الانتباه له والحذر منه هو عودة هذا الحراك الجماهيري الواسع الى داخل الأطر الدينية والقومية وحتى الوطنية وعدم انطلاقه نحو اطاره الحقيقي، أي الاطار الطبقي الداعي بحق الى تأسيس دولة العدالة والمساواة ، دولة تضمن استمرار السير وفق النهج الثوري، دولة تكفل الحرية والمساواة للجميع على حد سواء بغض النظر عن أية انتماءات أخرى ، إن الاكتفاء بشعار ( الدولة المدنية ) ، رغم أهميته في هذا الظرف ، دون تعريف ماهية هذه الدولة ، يَضفي الضبابية على هذا المشهد وربما يوفر الأرضية مجددا لعودة القوى الرجعية وقوى الثورة المضادة من هذه الباب، ولكن بلباس آخر هذه المرة. ان ديمومة تطوير مفهوم هذه الدولة وفرض محتواها الطبقي الإنساني مرهون بتولي قيادتها من قبل العمال والكادحين الذين لا مصلحة تربطهم بالقوى البرجوازية بمختلف تلاوينها. لابد للثوار أن يضعوا نصب أعينهم حقيقة كون نجاح هذا الحراك وهذه الثورة لا يتوقف عند حدود السودان فقط بل وتمتد آثاره لتشمل المنطقة ككل، نظرا للأهمية الجيوسياسية التي يتمتع بها السودان وهنا تكمن مخاوف القوى الرجعية من نجاح وانتصار هذه الثورة.
ان النجاح المنقطع النظير الذي حققه العصيان المدني الشامل والكامل في أيامه الثلاثة ( 9، 10 ، 11 / 6 / 2019 ) لهو جرس انذار للمجلس العسكري ومن يقف خلفه من القوى الرجعية بان قطار الثورة سائر والوصول الى المحطة النهائية كفيل بمثابرة الثوار وعزيمة وإصرار العمال والكادحين ، الشابات والشباب وتبنيهم لهذا الأسلوب من النضال ، في الظرف الراهن على الأقل، من أجل إيجاد مجتمع حر يكفل الحياة الكريمة للكل على حد سواء بعيد عن سطوة العسكر ومن خلفهم الإسلاميين من الاخوان والقوميين وغيرهم من القوى الرجعية والقوى الانتهازية .

12 / 6 / 2019