المذهببة في الاسلام وتأثيراتها السياسية، وتعاطي الدولة المغربية مع الامتداد الشيعي من خلال العلاقات المغربية الايرانية .

البرني نبيل
2019 / 6 / 12

إن قراءة الوضعية الإقليمية للمغرب بعد نهاية الحرب الباردة، ودراسة المؤثرات العامة في سلوكه الخارجي إزاء العالم الإسلامي، وفق تصور استراتيجي يهدف إلى دعم وتأكيد هذه العلاقة عن طريق كل الإمكانيات المحتملة، فالعديد من المعطيات الذاتية والموضوعية حتمت على المغرب بعد الاستقلال من الوجهة الإستراتيجية والجيوسياسية تبني خيارات ونهج سياسات متفاعلة مع البيئة الداخلية وتحولات المنطقة. بات واضح أن الانخراط في العالم الإسلامي بصفة عامة، كان وما يزال محور اهتمامات الدبلوماسية المغربية في العالم الإسلامي والعالم بصفة عامة، تظل خاضعة ومرتبطة بمحددات سياسية واقتصادية وتنموية ... ومما لا شك فيه أن التوجهات السياسية لكل دولة تنبثق من مجموع تصوراتها، وإدراكاتها وقيمها بما لا ينفصل عن كيان وذات المجتمع وروحه ومحركاته التي تمتد عبر المظهر المادي المجرد إلى المقومات المعنوية فيه، فسلوك الدولة في حركة علاقاتها الخارجية، يصدر عن قرار والقرار سلوك سياسي يرتبط بصور وإدراك صانع القرار.
فبالرغم من التباعد الجغرافي بين المغرب وإيران، إلا أن العلاقات بين الطرفين ليست وليدة اليوم، بل لها جذور تاريخية تعود إلى فترة القرن السادس عشر، واستمرت العلاقات بين الجانبين في الحقبة المعاصرة، وتميزت الروابط بين الطرفين بكونها متدبدة بين التوافق والتقارب وبين القطيعة والتباعد، ارتباطا بمحددات داخلية وخارجية تخضع لها هذه العلاقة. ويعتبر التوتر والحذر السمة الرئيسية والمتحكمة في طبيعة العلاقة بين المغرب وإيران وما يجب أن تقوم عليه، ذلك يمكن تفسيره بأكتر من عنصر بداية بالاختلاف الصارخ في طبيعة نظام الحكم بين البلدين، إلى جانب الطابع الإديولوجي المختلف إلى حد التناقض في كلا النظامين السياسيين، ما يؤدي إلى بروز أجندات متعارضة لا تخدم المصالح المشتركة للدولتين، علاوة على وجود قضايا داخلية حاضرة وبقوة في تسطير وتوجيه السياسة الخارجية لكل طرف من الأطراف على حد سواء اتجاه بعضهم البعض. تأتي على رأسها قضية الصحراء والوحدة الترابية من الجانب المغربي ومسألة الجزر المتنازع عليها مع الإمارات بالنسبة لإيران( طنب الكبرى وطنب الصغرى)، إلى جانب المحدد المذهبي بالتناقض الموجود بين السني والشيعي الذي يحضر بقوة كمحدد لمسار العلاقات بين المغرب وإيران.
أصبح موضوع العلاقة بين السنة والشيعة يحض بالكثير من الدلالات بعدما كان محصورا ببعض الخلافات الفقهية والعقائدية. لقد تجلت البداية الحقيقية لحضور الحساسية المذهبية بين السنة والشيعة، بعد الغزو الأمريكي للعراق ونجاحه في استعانته قبل الاحتلال وبعده ببعض الرموز الدينية الشيعية ودفعها إلى مقدمة المشهد العراقي في ظل تحجيم دور السنة في المشهد السياسي لهذا البلد.
تمثل إيران قطبا رئيسيا للمذهب الشيعي في العالم. بينما يعد المغرب نموذجا للإسلام المعتدل السني القائم على المذهب المالكي والبعيد كل البعد عن الخلافات المذهبية، ولم تخل العلاقة بين البلدين عبر التاريخ من تقاطعات وخلافات سياسية على المستويين الإقليمي والدولي، إذ شكل تنامي الدور الإيراني إقليميا في كل من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تحديا حقيقيا للدول العربية، بما فيها المغرب خصوصا أن مشروع الإحياء الإمبراطوري يركز في محدداته الخارجية اتجاه منطقة المغرب الكبير، على المزاوجة بين القوتين الناعمة والصلبة، لاختراق المنطقة وتعزيز الدور الإيراني فيها، لفك عزلته في محيطه الخليجي، بأدوات تتجلى في استغلال المال والدعم التقني والسياسي لبعض دول المنطقة للتأثير فيها ونشر التشيع عبر الملحقات الثقافية الإيرانية في المنطقة .
تسبب المد الشيعي في المغرب في توتر العلاقات المغربية الإيرانية، إذ أقدمت السلطات الإيرانية على خلق بعض المؤسسات التعليمية الخاصة لنشر التشيع في صفوف الأطفال في المغرب، ما يبرز الصراع الكبير بين المذهبين في المنطقة، كما سبق للمغرب أن أكد تهديد وحدته المذهبية من قبل إيران رغم أنه خلال عهدي الملك الحسن الثاني والملك محمد السادس ثم استدعاء بعض علماء الدين الإيرانيين للمشاركة في الدروس الحسنية خلال شهر رمضان مع وجود بعض الاتفاقات ذات الطابع الثقافي بين البلدين.
استمر الملف الشيعي يراوح المجال الثقافي والنظام السياسي المغربي مند حكومة التناوب 1998، وما رافقها من انفتاح سياسي على جميع الأصعدة، دون إغفال حقيقة الانتشار الشيعي في المغرب الذي قاده بعض الأفراد المغاربة في بعض المدن المغربية، ويمكن اعتبار ذلك أمر طبيعي في ظل سرعة انتقال الأفكار وتبادلها وتلاقحها الذي لا يقبل الحصر والتنميط، نجح المد الشيعي في التغلغل داخل المجتمع المغربي السني المالكي نتيجة نجاحه في توظيف كامل طاقاته المذهبية وجدب فئات تعيش ظروف خاصة اكتر قابلية للاستقطاب اكتر من غيرها، منذ فترة يصعب تحديدها بالشكل الدقيق، إذ أن الظاهرة سجلت حضورا سوسيولوجيا للتشيع في المغرب قبل الثورة الإسلامية في إيران بمدة طويلة.
كما أن المنابر الإعلامية الشيعية تصور المغرب على أنه ذا تدين شيعي في العمق. هكذا يعتقد إدريس هاني المثقف المنسوب إلى المذهب المعروف في مقال له بعنوان " التشيع مكون سوسيو- ثقافي في المغرب" نشره في موقع هسبيرس، أن تاريخ المغرب أسهم في تكوين هوية مغربية مركبة، فبقدر ما اتسع المغرب للتسنن اتسع كذلك للتشيع، ويؤكد أنه قدر التسنن المغربي أن يعبر عن نفسه شيعيا، ويتجلى هذا الأمر بشكل واضح في نظره إلى الخصوصية الدستورية المغربية ويقول " لا أحد ينفي استنادها إلى الإسلام السني، غير أنها تعبر عن نفسها شيعية من الناحية الشكلية". وفي العمق يعتقد أن التشيع حاضر بوصفه احتياط قد يتم اللجوء إليه متى لم يعد باستطاعة الإسلام السني أن يقود بدوره ويفي بالغرض، فداخل الإسلام السني يصبح للتعبيرية الشيعية خصوصية وظيفية محضة.
فهكذا كانت ولا زالت العلاقات المغربية الإيرانية تتراوح بين المد والجزر ارتباطا بالقضايا العالقة والاختلافات المذهبية والإديولوجية السياسية والثقافية بين البلدين، وبالتالي تراوح العلاقة بين الطرفين بين القطيعة من جهة والتوافق التكتيكي من جهة أخرى.