غرائب اللا معقول في الواقع العراقي... من الفاعل ومن المفعول؟. الحلقة الثانية الصرخة.

عباس علي العلي
2019 / 6 / 9

غرائب اللا معقول في الواقع العراقي... من الفاعل ومن المفعول؟. الحلقة الثانية الصرخة.

وأنا أشرع في كتابة هذه المقالة أعرف تماما ما ينتظرني من كلام ومواقف قد تصل إلى حد التكفير والقتل (التصفية الجسدية) ولكن مما أثق به الآن أننا نحتاج إلى من ينكأ الجراح المزمنة لعلنا نصرخ مرة واحدة ويستيقظ الإنسان في داخلنا، الإنسان الذي قتلته رغبة الكاهن وإرادته في أن يجعل منا قطيع من الأغنام التي لا تفهم سوى كلمة ماع كلما أشار لها معبد الكهنة وقال أنها فوضى الرب التي لا بد منها حتى يخرج لنا المنقذ من غياهب الجب فيسوقنا إلى ميادين العدل والإحسان بعد أن ملئت خوفا ورعبا وظلما والله لا يحب الظلم للعباد.
في زمن قريش وسيادتها على مكة وتربعها على بيت الله العتيق كان الكهنة يأمرون الناس أن يتخذوا ما شاءوا من الأصنام والتماثيل أربابا من دون الله إرضاء له وتعظيما لوجوده، فكان لكل قبيله رب وصنم، ولكل مدينة أو قرية إله تعبده وتنافسوا فيما بينهم على ذلك بعد أن نجح الكهنة في حبس الله في مكعب من حجر أسود لا يسمحوا لأحد أن يعرف الله أو أن يعرف الله من هو على دينه، وتعالت الشوامخ من الأصنام جدران وساحات مكة وكل حزب بما لديهم فرحون، حتى نهض محمدا ص بدعوته ليقول كلمة الفصل فيما هم فيه يختلفون، وإذ تمكن منهم ودخل قريتهم الكبرى حتى أجهز على أحلامهم ودينهم وتساقطت الأصنام وحدا تلو الأخر وأخرج الله الأسير من بين براثن الحجر ليعلوا في كل مكان دون حجاب ولا واسطة ولا كهنوتية تستحمر البشر وتسلب وجوده.
اليوم وأنا أتكلم عن ما يجري في بلادي تحديدا مقارنا ذاك بهذا وأسقط الماضي وألواحه على الحاضر وما يجري فيه ولعلي لا أقول أن التاريخ يعيد نفسه، بل أن الإنسان نسي أمرة وأعاد ذات خطيئته عندما نسي أن الله واحد وأن الدين واحد وأن الكتاب ذات الكتاب، ليس في داخل المجموعة الواحدة من ما يفرحه من تحزب وتشبع لهذا الرب الجديد وذاك الصنم المعظم، فأمتلئت مدننا المقدسة كما يسمونها بعشرات الأصنام التي تعبد، هذا هبل الأعظم وذاك الرب المعظم وهذا الإله الكبير، وتعاظمت الأسماء وانزوى الرب وحوصر في دوائر ضيقة جدا لا يخرجونه إلا حين تكون هناك منفعة من فضة وذهب، والنجف التي كان سيدها ورمزها من حكم أصنام مكة اليوم صارت سجنا له مع تطاول الأصنام حوله، وتعددها بين عظيم ومعظم وكبير ومتكبر صنعوا منها مكة ذات الألف رب والألف صنم.
هذا منطق قريش وكهنتها ذاته الذي كسر فيه الإسلام جبروت الطغاة والمفسدين في الأرض حين أعتلى بلال سطح الكعبة مؤذنا وأذنا بعصر جديد، عصر الرب الواحد والدين الواحد والهدف الواحد وهو الإنسان الحر من أغلال عبودية الإنسان للإنسان، عصر شعاره خير الناس من نفع الناس وأكرمكم عند الله أتقاكم، عصر فيه يتساوى الناس بالمنزلة ويتفارقوا ويتساموا بالعمل الصالح لأجل أنفسهم، فالله غني عنهم وأكبر من أن يحاط بجدران أو يوضع شعارا لتجار الدين وعنوانا للرياء والنفاق والتلذذ بآلام الناس، انتظار لمعجزة موهومة يخادعون بها ربهم والمؤمنين بأن ما يجري تمهيدا وتوطئة لقدوم العدل والإحسان وقد كلف الله الناس (إن الله يأمر بالعدل والإحسان......) ولا يأمر بإرجاء الصلاح لما لا يصلحه إلا من سعى لها وأمن بها كأساس للدين ورضا الله.
هذا هو اللا معقول واللا منطق الذي يحكمنا ويتحكم بنا آيات وحجج وأوهام وخزعبلات ما أنزل الله بها من سلطان (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وأباءوكم.... ما أنزل لله بها من سلطان)، لا فرق بين الأمس واليوم وكلاهما يريد أن يجعل من الطريق إلى الله أعوجا غير ذي يسر، ورسول الله قال (هذا سبيلي وسبيل من أتبعني من المؤمنين)، لم يكن سلطانا باغيا ولا قيصرا فوق الناس مترفا والأخرون جياع، يستظل عن الواجب بالتقية والخوف من أن يقول كلمة الحق (والحق أحق أن يتبع ولو كره الكافرون) وما أكثرهم اليوم يدرون حول النصب والأصنام يتمسحون بجهالتهم وجهلهم ويتبركون ببولة الكاهن التي مضى عليها أعوام، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا وهم (كالأنعام بل هم أضل سبيلا).
قد يقول البعض أن من تناولتهم في كلامك في منتهى التواضع والبساطة ويعيشون عيش الكفاف وإن هم إلا جند الله الذي وعدنا فيهم (أئمة يهدونا بأمرنا لما صبروا)، فكيف لك أن تقدح بدل أن تمدح وتقول الحقيقة كما هي، أقول لو أنهم عاشوا مثلنا وبنوا القصور وسكنوها وأدوا ما عليهم من فروض واجب أحب عندي وأجزم أحب عند الله من أن يكونوا هكذا يتصنعون الخشوع ويمارسون التقية ويعلنون الحياء والناس لا تجدهم حين يريدون، فالوصول لهم كحلم الوصول للقمر ودورهم كمن يمارس التمثيل في مسرح مظلم، لا هم نهوا عن منكرا تفشى ولا أمروا بمعروف ضاع وأشاعوه بين الناس وفعلوا كما فعل عليا ع في قومه، لا تأخذه بالله لومة لائم ولا خشي من عنت ولا جرته مخمصة لغير سبيل الله، صاروا دولا وأحالوا الدين تجارة والأئمة سله يتداولونها بين الناس بحثا عن فضة وذهب، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
(ما كان الله بمهلك القرى وأهلها صالحون) وأهلها على دين ملوكها لا يفترقون عنهم في قول ولا بفعل شاءوا أم أبوا، ومعبد الكهنة فوق معبد الله وصوت الحواري والجواري والغلمان المتملقون والرعاع وما يستظنون به من عجيج وصراخ أعلى من صوت الملائكة والرسل وكل بما لديهم فرحون، والغالب منا يرونه الحق وهو السبيل إلى الهدى والتقى، ولا أعرف كيف يكون ذلك دربا لله وهو الذي أزاح الصراط ودعا لدعوى الجاهلية ويا لثارات هبل والمؤتفكة من قبل، والضجيج يعلوا بين الناس من كان على دين محمد فمحد قد مات ومن كان على دين هبل فهبل بيننا لا يموت وها هي مطالعه وبنيانه الذي هدمتم عاد من جديد ليحاصر من تجرأ وهد قدس الأرباب، عاش هبل المعظم وسقط رب إبراهيم وموسى وهارون وعيسى وما خلت من قبلكم سنن وأحاديث وكتب، لا نريد منكم إلا ما يريد معبد الأولين من عبدة الحجارة والأصنام فهذا منطقنا ولكم منطقكم، وما نعقل وما يعقلون إلا ما نراه حقا والله لا يحب كل مختال فخور.