الحداثة بين المتنور الديني والمتدين التقليدي

عباس علي العلي
2019 / 6 / 8

الحداثة بين المتنور الديني والمتدين التقليدي

من المهم جدا أن نتناول هذا الموضوع بتركيز وأهتمام شديدين لما في أصل قضية التفكير من خروج عن نمطية أعتادها أو تعايشها المثقف التنويري والإنسان الذي يسعى أن يكون منطقيا في تعامله مع الحياة , في عصر الحداثة والإنطلاق الفكري والمعرفي إلى مديات كانت تشكل قبل برهة من الزمن نوعا من الجنون والخيال اللا واقعي تحولت وبفضل نتائج عصر ما بعد وعي الوعي إلى مفردات واقعية قد لا تثير الأهتمام بقدر ما أثارته حين ولدت وحين تحقق حلم العقل في أن يتحرر من أسر الزمان والمكان ليعيش قضيته وقضية التحرر من واقع اللحظة الآنية .
الحداثي كعقل أو فرد مفكر أو حتى كمجتمع تخلص من فكرة الشعور بعقدة الماضي أو حتى عقدة كيفية تجاوزه والخلاص من أثاره ليعيش في إشكالية إيجابية هو أخترعها تتلخص في كيفية ربح السباق مع الزمن للوصول للغد أولا ,الحداثي يفكر بمشروع رسم الغد وفق رؤية غير ثابتة متحركة ومتنامية وغير ممكنة التحدد بشكل أو بحدود معينة , إنه يرسم رؤيته على أنها ستستوعب خياله عن صورة الغد وأيضا إجبار الغد على أن يخضع لهذه الرؤية ويطابقها .
تخلص الحداثي من رسم الواقع على حلمه لأن حلمه أصلا تجاوز الواقع بمسافات طويلة يتعذر على الواقع المعاش أن يلحق بها , لقد هزم الحداثي لحظته الزمنية وتركها تنسحب سريعا لتفسح المجال للحظة القادمة التي وصل لها قبل أن يصلها الزمن كواقع ,هنا لم يعد للماضي قدرة على التحرك في عقل وفكرة الحداثي الذي يحاول بكل قوة أن يجعل من لحظة الآن المعاشة أخر نقطة ينطلق منها , نقطة تتوالى بالموت الفعلي والتلاشي إنه يهيئ في كل لحظة نقطة جديدة وهو يعلم أنها مجرد نقاط متتالية على خط وهمي الحقيقي عنده هو الانجاز ,هو تحويل الإدهاش والخيال لواقع ليقتله بفكرة وإدهاش وخيال أخر .
في الطرف الأخر نجد السلفي والسلفي المعاصر والعصري والواقعي المعاصر وفي أقصى اليسار المتنور الذي يؤمن بالحداثة ويسعى لزجها أو زج طريقتها في التفكير والتعامل مع قضايا العصر في تجربة تحديث الدين ,السلفي الذي يقطع بكل يقينيته أن عصر الرسالة هو خير العصور , وأن عقول ذلك العصر عقول سبقت وجودها لتصل فيها إلى أخر نقطة زمنية يمكن للإنسان أن يعيشها وبالتالي فلا مناص من التخلي عن فكرة التغيير والتعامل مع حقائق ذلك العقل على أنها نهاية الزمن ومحكم التأريخ البشري .
بمثل هذه العقول التي تقود عملية التدين لا يمكننا حتى مناقشة بسيطة لأصل هذا الإيمان بما يؤمنون به ,لأنهم أصلا عاجزين أن يتصوروا أن الإنسانية التي أنجبت أولئك يمكنها أن تنجب غيرهم ,أو لأنهم يرون في كل عملية تغيير هو هدم نظرية تجعل من وجودهم أمر حتمي وبدي , وبذلك هم يكابرون في ذلك مكابرة المهزوم الذي أعلن الجميع خسارته ولكنه ما زال غير مصدق أن النزال قد أنتهى وأنصرف الخصوم والمشاهدين ولم يعد أحد في ساحة النزال غيره لذل فهو مستمر لعل الأمر فيه أمل .
مشكلة السلفي وليس فقط من المدرسة المحافظة التي تسعى لتقنين حكم الأولين وجعله هو الدين البديل بما قاله فلان وأورده فلان , بكل كل الفكر السلفي الذي يعتمد بأنتقائية عجيبة أن يرسم صورة الدين بناء على ما صلح منها في زمن ما أو في حال ما , دون أن يحكم بأن الأحكام تتبدل مع تغير الأزمان , أو أنه ما زال متمسكا بقراءات سابقة ونظريات تنحاز لمن نظرها وسطرها على أنها هي البديل الذي لم يعطى الفرصة الكافية للتطبيق وأنها الأصلح أما لأنها جاءت من مقدس أو لأنها تحرص على تقديس الفكرة خارج الإنسان ووجوده .
كلا الشكلين من التعاط مع قضية الإنسان والدين يراد منها الاستمرار في حبس الدين مجردا في عقل ماضي وأسر أمر الله الذي يدعونا للتفكير والتدبر في دائرة متضايقة لا تقبل التوسع بل تزداد تضايقا كلما أقتربنا من لحظة وعي حقيقي بالوجود ,المنهج السلفي عموما لا يريد أن يؤمن بأن الحركة تنسخ النص كنتيجة وعلى النص الحقيقي أن يثور في وجه الماضوي , لذا تخشى العقول السلفية من مسمى الغد ومسمى البحث خلف حدود ما بصره من البناء اللغوي للفكرة .
السلفي المعاصر والذي تتلمذ على منهج المدرسة القديمة وشبع من نظرياتها التي رسمت له حدود السجن العقلي ,لكنه أيضا يصطدم بظاهرة الزمن المتسارع يحاول بشكل أو بأخر أن يبدو وكأنه يعيش الزمن مظهريا ليوهم نفسه والأخر أن مشكلته ليس مع التطور ولكن الأخرون لا يؤمنون بما يؤمن به ,لأنهم معتدون ولأنهم فقط مندهشون من أثار الحداثة الزائفة ,وبمجرد أن تزول أثار الدهشة سيعودون للتعاطي مع نفس ما هو عليه من رؤية وفكر , إنه يوهم نفسه أن ما مات من لحظات تأريخية وتراكم عليها غبار الزمن ممكن أن نجري له عملية إحياء أستنادا لمسائل ووسائل المنجز الحداثوي ,وهنا يقع في الازدواجية المتناقضة التي تكشف عورته العقلية .
السلفي المعاصر أيضا محرج بين ما يعيش من تغيرات وصلت إلى أدق تفاصيل حياته الخاصة ,وأثرت في نتاجها على كل نواحي الحياة وهو مجبر على التعامل معها على أنها الواقع الحقيقي , ولكنه إشكالية الأعتزاز التي تثيرها قوة الأنا المتضخمة لا تدعه يتحرك نحو إعادة النظر في موقفه من الفكر , إنه مجرد محل صراع عقيم بين واقع منفتح على أفاق حرة وعقل محاط بأسوار الماضي وشخوصه وأفكاره , إنه التيه الذي سيقتل صاحبه أو على الأقل سيجعله في حالة من القلق والدوران حول الذات دون أن يستطيع أن يقرر الخطوة التالية .
يبقى الإنسان العصري الإنسان الذي ينتمي لعصره فهو غير مرتبط كليا بالماضي ولا يؤمن به , كذلك لا يمكنه الخروج من لحظته الزمنية الراهنة ,إنه مرتهن للزمن الحاضر ولكنه من غير طموح خارق له , لا يريد أن تتغير الأحوال العامة لأنه تعود على معطيات وقضايا تناسبه وخوفه من التغير والتطور أن لا تسلبه هذه المنافع , أنه يؤمن أن ليس بالإمكان أفضل مما كان وعليه فهو أيضا أسير الحاضر وأسير واقع يتمنى لو أن الزمن يتجمد هنا في هذه اللحظة .
العصري في المفهوم الأجتماعي والفلسفي غير الفرد المعاصر الذي ينتمي لمفاهيم العصر وحركته ويؤمن أن الإنسان ابن عصره كما هو ابن بيئته وعليه أن يتماهى تماما مع متطلبات العصر , وأن يؤمن بأن الحركة وحدها هي التي جعلت هذا العصر بمنجزاته ممكنا , المعاصر لا ينفي التأريخ ولكنه لا يؤمن به على أنه حاكم ومرجع له , الزمن وقوانينه وقوانين الحركة ومتطلبات الوجود هب أسس التوافق بين المعاصر وواقعه الذي سيتحرك في كل ثانية بمقدار أكبر وأعظم من مجمل ما في الثانية التي سبقتها .
فهو واقعي ولكنه يريد من الواقع أن يتغير ويتطور ولا يخشى من التغيرات والتحولات لأنها عماد ديمومة وجوده الخاص والعام كما هو ديمومة وجود الوجود ذاته، قد يكون المعاصر تنويريا وقد لا يؤمن أصلا بما في التنوير من موجبات وأهداف لأنه لا يريد أن يطل الزمن برأسه من جديد بما فيه من أرث فكري أو نظريات تأريخية , أنه وجودي بالغالب وحدي ومتجرد أيضا من شعور بالانتماء للأمس .
وحدهم التنويريين الذي يؤمنون بأن الغد فرض لا بد من السعي للحاق بطلائع الواصلين له بل ومن أوائل الواصلين , ولكنهم أيضا يؤمنون أن التأريخ والتراث هو من يعيق هذه الحركة ويعرقل الوصول , ولا يرون بدا من الإنفكاك من الإرث التأريخي لطبيعة الشخصية التي يمثلونها ,عليه لا بد من فتح الماضي للشمس وإعادة ممارسة النقد والتصحيح وفك أرتباط العقل بالكثير من المسلمات والثوابت التاريخية لتحرير حركة العقل وجعله بالفعل قادرا على العبور للغد .
هذه المسألة بالرغم من تعقيداتها وما تستجلبه من مشاكل إذا حاولنا أن ننفض التراب عن ألاف بل ملايين الأفكار والرؤى المغطاة بغبار الزمن , لكنها سهلة ويسيرة حينما ننسج ونخلق رؤية نقدية حديثة ومعاصرة علمية وعملية وجعلها قانون في المحاكمات العقلية للماضي والتراث دون أن ننبش التأريخ أو التراث .
التنويريون يصنفون حالهم من أهل الحداثة وهذا أملهم ,ولكنهم واهمون في هذا التصنيف الذي يجعلهم محل أنتقاد الحداثيين والسلفيين على حد سواء ,إنهم يقدمون الرؤية ويصنعون الفرض وينسجون صورة لعالم أقل تأريخية وأرشق في ملاحقة الزمن لكنهم واقفون في نقطة لا يتحركون منها أو عنها إلى منطلقات فلسفة الحداثة ,فهم ما زالوا في دائرة التاريخ وفي دائرة الموروث لم يغادروا منطقتهم برغم النوايا والأهداف ولا يمكنهم ذلك , الحداثة ببساطة أن تؤمن وتعمل على أن الماضي والتراث لم يساهم بشي جديد في عمليات التحويل والتغيير لأن الفكرة والفائدة منهما قد تحولت لفعل متراكم وأصبحت جزء من اليوم الذي سينصرم .
الحداثة ليست رفضا وعداء للماضي والتاريخ والإرث الإنساني ولكنها سجلت أكتشافها الفذ بأن التاريخ هو هذه اللحظة التي ستنتقل لبطن الزمن, وعندها لا تعد قادرة على الفعل والتأثير وتغيير الواقع إنها لحظة عبثية لا يمكننا أن نؤمن بها ,الغد عند الحداثة هو ماضي ينتظر أن يرحل ولكنه ينتظر وصولك أولا وأنت محمل بعطاء لا تنتظر أن يعطيك الواقع والوجود شيئا لا تستحقه , عليك أن تصل قبل الآخرين وأنت تحمل حلم ما بعد الغد وكأنه قدر , وهكذا فاللحظة التاريخية الحقيقية هي اللحظة الذي لم تولد بعد ولم تحمل معها مشروعها بأنتظار الإنسان ليصنعا وجودا أسرع وأكثر قدرة على التمدد نحو غد الغد .