إشكالية الديمقراطية ووهن العقل العربي الحلقة الثانية

عباس علي العلي
2019 / 6 / 7

هذه التبدلات والتحولات التي لم تنهي عند هذا الحد بل أعقبها الكثير من التغيير نتيجة الصراع السياسي والفكري والمصالح بين طبقات تغيرت أنتمائاتها وتنوعت مبررات وأسباب هذا التغير جعلت من المجتمع العربي الناشئ والذي تطور لاحقا إلى مجتمع جزئي من مجتمع أكبر وإن أحتفظ بعنصره الحضاري والفكري وهو اللغة العربية إلا أن الانقسامات والتشظي الديني والمذهبي عصفت بهذه الوحدة وشكلت من داخله شروخ وحدود وكأن هذا المجتمع مجموعة من الثقافات والحضارات أو لنقل العقليات المتناقضة التي لم يستطيع لا الدين الواحد ولا اللغة الواحدة أن تجمع هذا الطيف المتنوع من الكتل الأجتماعية على مشترك أساسي يمكن تقيم الأنتماء والهوية على أساسه , مما يعني في الحقيقة أن ما يطلق عليهم العرب اليوم هم مجموعة من القبائل الموزعة عشوائيا والمتداخلة بينها والمتشابكة بروابط متينة إلا أنها تتنازع لكي لا تكون مجتمع واحد برغم أن الفرصة مفتوحة بشكل أكبر من أي مجتمع أخر تحت نفس الظروف والمعطيات .
بقدر ما كان الدين الإسلامي بالقراءة المحمدية وبالتطبيقات التي وقعت عمليا في صدر الإسلام عامل وحدة وتوحد ومسايرة لمفهوم التوحيد وتحت شعار يا أيها الناس وشعار المسلمون أخوة والمؤمنون أخوة ولا فرق بين أسود وأبيض ولا بين عربي وأعجمي ,تحول الإسلام فيما بعد وعلى أيدي المفسرين والمتأولين والمجتهدين ونتيجة للصراعات بين المدرسة القريشية المكية المحافظة والتي لم تتخلى عن عنادها وتكوينها الفكري لصالح الإسلام والإنسانية و إلى عامل صراع وتقسيم واختلاف في فهم الفكر وفي القراءة وفي التطبيقات حتى عاد الإسلام غريبا في بلاد المسلمين ولم يبقى منه كتجربة جسدها الرسول الكريم إلا الاسم الذي يجتمع عليه العرب وغيرهم , وأنتقلت هذه الخلافات من الدائرة العربية المركزية لتنتقل لأطراف الدولة والمجتمع الأكبر وهو مجتمع المسلمين ولم ينجو هذا التقسيم أيضا من تقسيم داخلي ,فإنشطرت المدرسة المحافظة إلى مدارس والمدرسة المقابلة إلى مذاهب وصار الجميع ضد الجميع وأختفى من الوجود الأجتماعي شكل الهوية الجامعة الهوية التي تنتمي للعنصر الثقافي والحضاري لتتحول إلى هوية كيانات متضادة .
من الصعب اليوم إقناع العربي المشرقي أو المغربي أن طرفي الدين الإسلامي الرئيسيين السنة والشيعة هم قبل هذه المسميات مجتمع واحد وعنصر أجتماعي مشترك توحده اللغة والانتماء للإسلام , فهو يظن أن كلمة الشيعة تعني أنه فارسي ولو كان من الأعاريب الأقحاح ولا ينفعه هذا النسب ولو كان لا يعرف الفارسية ولم يتكلم بها لا هو ولا أسلافه في يوم من الأيام , هذا الشرخ ولد عند الطرف الأخر كره حقيقي للهوية العربية برغم من شعوره الداخلي أنه حامل أصيل لهذه الهوية , وصل الأمر أن الفارسي السني يتهم الشيعي العربي بأنه مجوسي وخارج الإسلام بأعتبار أن الفرس قبل إسلامهم كانوا مجوس في حين يعتز بإسلامه العربي وينسى أصوله وإنحداراته الفارسية , وهكذا مع بقية العناصر اللا عربية التي تنتمي للإسلام في موقفها من العرب الشيعة , وهذا واحد ن أهم عوامل ظهور الشعوبية أما يسمونها فكرة كراهية العرب من قبل الشعوب التي دخلت الإسلام عنوة تحت حد سيوف المدرسة المحافظة وليس سيف الإسلام كما هو شائع وهو الحقيقة المرة التي لا يريد العرب اليوم في أكثريتهم كمسلمين محافظين الأعتراف بها .
هذا التناحر المذهبي والطائفي وضع العقل العربي الجمعي بين محددين متناقضين للهوية أولهما العروبة بأعتبارها جامع ثقافي وحضاري عابر للمكان والزمان وبالتالي فما يميز العربي هو اللغة وثقافتها ونتاج العقل من أدب وفن وفكر وثقافة مصطبغ برائحة العروبة وتأريخها وأثرها على الأمم المشاركة بأعتبارها تحمل لغة القرآن وثقافة الإسلام ,إلا إن شعور العربي بالفخر والكبر وعلو المنزلة تجاه الأخر الذي يساويه في الدين ويتساوى معه في الإسلام يشكل نوع من التعارض وخاصة لمعتنقي المذهب المحافظ , فهو عروبي من جهة ومفتخر بحدة بعروبة وبحق العرب في قيادة الأمم وتفضيل ثقافته الخاصة العنصر العربي على بقية المسلمين يمنعه من أن يجعل من العروبة هذه هوية خالصة .
في حين أن الإسلام الدين الذي جعل قاعدة التسليم والخيرية هي عنوان الهوية تحرج العربي المحافظ ومدع الهوية القومية من التسليم بها على أنها الهوية الجامعة , ضياع العربي وخاصة المسلم بين حدود الهوية العروبية القومية وبين الأنتماء للإسلام السني جعله مترددا وتحولا وغير مستقر في تبني هوية واحدة , في حين أن العربي الأخر الذي لا ؤمن بالمدرسة المحافظة يتمسك بالهوية الإسلامية أكثر وبقوة لأنها تحميه وتحمي أنتماءه لقيم عالمة تساوي بين المسلمين ولا يجد في ذلك حرج .
هذه المقدمة الطويلة تفسر لنا كيفية تعاط العقل العربي مع الديمقراطية ولماذا لم ينجح فيها وفي ممارستها , فهو يريدها ديمقراطية محافظة تؤمن له السلطة ولو لم يكن مستحقا لها إلا بالقدر الذي تفرزه صناديق الأقتراع ومن وجهة ثانية لا يريدها لأنها تكشف هشاشة وعدم قابلية الديمقراطية أن تجسد حكم الطيف الواحد أو الطبقة الواحدة , في الجانب الأخر العقل الثاني حريص جدا على الممارسة الديمقراطية لأنها ستلقي به في مواجهة أستحقاق إنساني مغيب عنه ومسروق منه بالهوية المحافظة , وتعني له أيضا إقرار بهويته الخاصة دون أن يكون ملزما للرضوخ لهوية الأخر .
الديمقراطية العربية وإن كانت فكرة ناشئة ولم تنضج بما يكفي لتكون قادرة على تخصيص وتشخيص الهوية المجتمعية للمجتمع العربي , لكنها مطلوبة وواجبة عند العقل العربي بشكل ما ومرفوضة عنده بشكل أخر , وهذا ما يجعل من العقل العربي في حذر من التعامل معها أو الانخراط بها لأنها ستعزز من ظاهرة الفئوية والقبلية المتجذرة بالوعي اللا مباشر وأيضا خوفا من تسخيرها من قبل أصحاب السلطة والتأثير وحسب التجربة التي مرت لم يكن العقل العربي موفقا بالمرة في هذا التعامل معها إيجابيا , بل وأضحت فكرة الديمقراطية مع الأخطاء التاريخية التي نتجت عن فرضها فوقيا تحولت إلى إشكالية وهم وأذى مزق المجتمع لأنها لم تلد وفقا للهوية وفي ظرف طبيعي ينبتها إنباتا .