إشكالية الديمقراطية ووهن العقل العربي الحلقة الاولى

عباس علي العلي
2019 / 6 / 6

العقل العربي بمعنى تعاطي الفكر العربي ونظرته لمجمل وقائع الوجود ومنها علاقته بالأخر الموافق والمخالف لها خصوصية تكاد تنفرد بها أو تتميز بها دون الكثير من العقليات التي ترتبط معها بوشائج البيئة أو الإقليم أو حتى الواقع الثقافي والأجتماعي , وهذا ليس من باب التقدير النظري أو التخمين ولكن نتيجة مجموعة من العوامل التي شاركت في تكوين وبلورة هذه النظرة أولها وأهمها أزمة الهوية وإشكالية الأنتماء والقدرة على التوفيق بين الهوية والانتماء في تعاط شبه متردد أو لم يجد للآن حلا متناسبا مع ضخامة المشكلة والتضحيات التي قدمها المجتمع نتيجة عدم التوافق هذا .
العرب عندما كانوا في الجزيرة العربية وقبل ظهور الإسلام كدين لم ينتظم وجودهم الأجتماعي برابط موحد أو إحساس بالقدرة على التوحد , لكن الإسلام نجح لدرجة ما في توحيد الغالبية الكبرى التي تنتمي لمحور ثقافي وحضاري هو عامل اللغة كمجتمع بخصائص معرفية ,أيضا لم ينجح بنفس الدرجة على توحيد هوية هذه الأمة الناشئة إلا في جزئيات محددة سرعان ما عادت لنفس الصور السابقة التي ميزت مجتمعات الجزيرة وما حولها , كان العرب قبل أن يتوحدوا تحت راية الإسلام مجموعتين كبيرتين من القبائل المتنافسة وهم القحطانيون والعدنانيون , الأولون يمثلون أمتداد للقبائل التي سكنت المنطقة قبل بناء الكعبة وظهور إبراهيم الخليل النبي العربي الذي هاجر من العراق وأبنه النبي العربي إسماعيل ليؤسسا للعروبة الحضارية مقرا وأمتداد جديد وسط القبائل الإعرابية القحطانية النازحة من اليمن الطرف الجنوبي الغربي للجزيرة والتي تتميز بخصائص أجتماعية ولغوية تختلف تماما عن قبائل شمال شرق وشمال غرب الجزيرة التي أصولها رافدينية ومن ثقافة حضارية ودينية مختلفة .
نزوج إبراهيم وإسماعيل من وسط العراق إلى مكة أحدث اتصالا محوريا مهما ومصاهرة حقيقية بين عرب الشمال على فرض صحة التسمية وعرب الجنوب ,ما لبثت أن تطور هذا المنتج الأجتماعي وبسبب من عوامل دينية وتجارية أن تحول هذا الكيان الأجتماعي عبر سلسلة من العوامل والتحالفات إلى كيان مسيطر على قلب الجزيرة العربية ومركز عبادتها الأساسي وأصبح قوة مالية وأقتصادية مؤثرة أطاحت بالكثير من القيم الأجتماعية السائدة آنذاك لتحل محلها قوة عنفوانية تتحكم بكل الطرق التجارية بين الجنوب والشمال والشرق والغرب ,حتى تحول رضا هذه القبائل الناشئة الجديدة وحلفها هو المطلب الأساسي لباقي الكيانات الأجتماعية في المنطقة .
هذا لا يمنع من القول أن الهوية الناشئة الجديدة ما زالت تفترق تماما وبشكل ملحوظ عن سكان المنطقة الجنوبية والغربية وحتى الشرقية المطلة على البحر والخليج كونها تحمل طابعا مزدوجا ديني أقتصادي مهد لها لأن تستقر مكانيا وتتخذ صورة المجتمع المنظم الواقع تحت سيطرة قيم نظامية تبلورت عنها قواعد وأخلاقيات وخصائص لا تتأثر كثيرا بحالة التنقل وعدم الأستقرار الذي يلقي بضلاله على الشخصية الثقافية الفردية كلما أحتك المتنقل بمجتمع أو بقيم لاحقة , هنا كان العرب الذين تسيدوا مكة أكثر محافظة من سواهم والقبائل الأخرى أكثر ميلا لقيم البداوة والتنقل وعدم الخضوع لسلطة مركزية , هذا التناقض أنتقل بشكله العام وبتفاصيله وسيئاته وإيجابياته للحياة الحضارية التي نشأت مع ولادة الإسلام في مكة ثم في المدينة المنورة .
ركز الإسلام في تعامله مع قضية الإنسان على مبدأ جديد ومخالف للسائد ليقضي على فكرة الأنتماء للدم واللغة والحضارة وجعل معيار التميز والتفضيل هو عامل الخير وصدق التسليم والطاعة للفكر الجديدة وعبر سلسلة من النصوص والممارسات التي أكدت وجذرت في نفوس الناس مبدأ أن الإنسان واحد في الأصل ويبقى كذلك وأن معيار التفريق هو حصيلة ونوعية العمل الذي ينتجه الفرد في وجوده , هذه الفكرة الغريبة مع فكرة التحرر التي رافقتها منذ البدء ومنح الإنسان حرية التقرير لأول مرة وهنا نورد كلمة الإنسان مجردة أشعرت الفقراء والضعفاء والمساكين أنهم في لب العاصفة الفكرية التي ستطيح بالقيم التقليدية المحافظة التي تنتهك في جزء كبير منها إنسانيتهم , كما ستطيح أيضا بقيم الغلبة والتوحش والغزو وانتهاك وجود الأخر لا لسبب وجيه فقط هو العامل الأقتصادي وأحيانا فقط لحب الذات والمغامرة .
هذا الشعور الذاتي الذي تولد عند الكثير من المسلمين أفرز نظام تقسيمي أخر داخل الكيان الأجتماعي الإسلامي وكأنه ناتج من فوارق طبقية أو نتيجة عوامل أقتصادية والحقيقة أن الدافع الأساس الذي تسبب بنشوء هذه الطبقة الغالبة من المسلمين لا يعود للفوارق الطبقية ولا للعوامل الأقتصادية بقدر ما كان ناتجا عن وعي فكري مرتبط بقضية الإنسان والعودة به للتقسيم الأساسي وهو الحرية والعبودية ومحاولة هذه الطبقة الجديدة مقاومة العبودية الأستبدادية متخذه من شعار الإسلام مصداق وهدف وغاية لوجودها .
لقد تحول المجتمع العربي بغطائه الإسلامي الجديد وخاصة بعد فترة الحكم الأولى التي حافظت تقريبا على مستوى من التقديم للفهم الديني بدل الفهم العنصري لوظيفة القيم الفكرية لتتحول تدريجيا وبعد نشوء الدولة الأموية وبشكل حاد وملفت وجذري إلى دولة ومجتمع منقسم طبقيا بين الفقراء والمساكين وطبقة العبيد المتحررين وأشباههم الذين حررهم الإسلام والذين يشكلون الغالبية من المجتمع والتي تحاول أن تناضل للحفاظ على مكتسبها الإنساني من خلال مواقفها المضحية بقوة لنصرة الدين والفكر الرسالي , وبين طبقة طفيلية تمتلك مهارات السلطة وقوة المال السياسي مدعومة بالمدرسة المكية المحافظة التي قادت الانقلاب السياسي على الإسلام الرسالي ليس من خلال صراع فكري وطبقي بل من خلال فكري عقيدي معتمدة على التوظيف الذكي والتأويلات والتفسيرات التي زعم أعلامها أن الإسلام خصهم بها إكراما لكونهم على تماس مع مؤسس الإسلام ورسول الله وهذا ما جعل الكثير سنخدع بالشعارات خاصة أن الفترة التي أمتدت بها الرسالة لم تتيح للكثيرين وخاصة من القبائل الساكنة اطراف الجزيرة من التأكد والتيقن مما حدث