غرائب اللا معقول في الواقع العراقي... من الفاعل ومن المفعول؟. الحلقة 1

عباس علي العلي
2019 / 6 / 7

لعل الكثير من متابعي الشأن العراقي وقارئ الواقع على مختلف الصعد يخرجون بنتيجة متقاربة أشبه ما تكون إجماع تحصيلي، هي أن الواقع العراقي بعد 2003 لا يسير وفق نمط يمكن تشخيصه أو الاستدلال عليه بالمعقولات الفكرية أو المعرفية، ويستخلصون من ذلك إلى نتيجة واحدة هي أن اللا معقول واللا منطق هو سيد المنطق في الواقع العراقي شئنا أن نتفاءل أو لم نشأ نتيجة إحباطاتنا وخيباتنا مما يجري في هذا البلد الغريب الأطوار.
قد يتهمني البعض بأنني أتجاوز الواقع والمنجزات التي حققها النظام السياسي بعد ذلك العام وأهمها أنه أخرج العراق من دوامة الديكتاتورية العائلية وما فعلت بالعراق، ولذلك من الطبيعي أن المتضرر لا يرى بعين الرضا كل تغيير مهم وإن كان ثمنه غاليا بعض الشيء، أقول لعلي من أسعد الناس الذين يرون أن الحياة يجب أن تتحرك إلى أمام، وأن الأنظمة الشمولية ومنها الديكتاتوريات لا تمثل في الحقيقة إلا نوع من أنواع وضع العصي في العجلات التغييرية التي تنقل المجتمع إلى مستقبله المنشود ولكن، والأهم من لكن أن يكون ذلك وفق منطق المعقول والمفترض الإيجابي، فلا يقاس الأسوأ بالسيء على أنه أنجاز مستحق.
المعقول المنطقي يقول أن الشعوب التي خرجت من أتون مأساة التفرد والمولية المقيتة عليها أن تفتح مصاريع الأبواب للمستقبل دون أن تلتفت للوراء، وأن تختار من النظم السياسية ما يجرم ويحرم ويسد الأبواب في وجه أي نمط فكري أو سياسي يؤدي إلى ذلك، لأنها عرفت وخبرت مرارة الألم ودفعت ثمنه من وجودها وقدرتها على أن تكون مالكة لأمرها، وهنا تأت فكرة أو رؤية أو مقولة (أن الشعب وحده من يمنح الشرعية للسلطات)، وكل ما عدا ذلك مجرد عودة لذات الخطأ ولذات المشكلة وجوهرها الأستبداد والتخلي عن حصيلة التغيير، لو فعلها سيكون هناك مبرر للبعض أن يقول بأننا لم ننجح في تجاوز الواقع، وكل ما حدث هو مجرد نكوص معلن وبالصوت والصورة لمربع الأول الذي سمح للديكتاتورية والشمولية أن تعيد تكوين نفسها من جديد بلبوس أخر.
عندما نؤمن بأن الشعب وقراره وإرادته الحرة هي مصدر السلطات نعني بذلك أن هذه الإرادة وهذا الحال هو الدستور الكلي لك ما يتفرع منه من بناء قانوني وأجتماعي وسياسي مسؤول، لا يجب ولا يمكن أن يسمح هذا الشعب لكائن من كان حتى لو كان في أعلى درجات القداسة لديه أن يقوض هذا الدستور ويحد من فاعليته في رسم المستقبل، العراق بعد 2003 وإن نص دستوره على ما أشرنا له لكنه واقعا فرط كثيرا بل لم يحترم قراره هذا وسلم الأمر لمن لا يؤمن أصلا بهذا المبدأ، وهنا بدأت المأساة العبثية تفعل بقوة لنخر قيمة المواطنة وأنقسم الشعب على دستوره حين قال المقدس عند البعض (نعم) و (لا) حسب مقتضيات اللا معقول في الواقع.
أي منطق يبرر أن نتبع رجلا يصيب ويخطئ بعيدا عن إرادة الشعب وهو لا يمثل إلا ضل أخر لشخصية تتحكم بها الجزئية والفئوية؟ هل كان هذا يمثل روح التغيير والتجديد والخروج من بوتقة الفردية والديكتاتورية إلى عالم المشاركة الشعبية التي تجلت في نظام شكله ديمقراطي وجوهره ديكتاتوري؟ يعتمد على ذات الفكرة الشمولية التي خرج منها مأزوما ومشتتا على أبواب أمل في التغيير؟ من المؤكد أننا لم نغادر عبوديتنا للرمز ولم نغادر عجزنا أن نفهم معنى أن نكون أخر مختلف صانع وخلاق للمستقبل.
من هنا بدأت رحلة اللا عودة للمنطلق الذي رحبنا فيه بالتغيير إلى العودة إلى مفاهيم الديكتاتورية والفردية وإن تجرأت وتقاسمت بأجزائها الكل العراقي، بدل الديكتاتور الواحد أصبحنا أمام هرم ديكتاتوريات مترابطة العرى وكلها تصب في موضوع محاربة الشرعية التي حددها الدستور، بحيث أصبح الكلام عن مفاهيم المواطنة والعيش المشترك وحقوق الإنسان جريمة يعاقب عليها واقعيا بمختلف أساليب القهر والاضطهاد، ونشأت سلطات خفية ومعلنة تتحكم بالواقع العراقي بعيدا عن القانون والدستور ومنطق التغيير، حتى الشكل المعلن للسلطة أصبح مجبرا أن يقدم الولاء لها ويخضع في تكوينه وحركته لهذا الواقع الجديد، أصبح الديكتاتوريون الجدد اليوم هم المحرك والفاعل في رسم شكل الدولة، القانون الدستور العقد الأجتماعي مجرد أدوات تسويغ وتبرير حينما يحتاجها هؤلاء، حقوق الإنسان والبناء السياسي السليم والمصير المشترك تحولت إلى أدوات تسخيريه لهم وكأنهم هم المعنيون فقط بها.... هذا اللا منطق هو الواقع العراقي بجميع كيفياته وزواياه.... الشعب في حالة تيه وتخبط حينما أنقسم بين مؤيد ومناصر ومعادي لهذا الديكتاتور أو ذاك والحقيقة أنهم أي زعماء تلك الديكتاتوريات المتجزأة ظاهرا في ظل هذه الفوضى موحدون على هدف واحد وشركاء في الجريمة.
غير ذلك وفي ذات التخبط العبثي العراق الذي خرج من عتبة الديكتاتورية مدينا لكل العالم وأقتصاد شبه مشلول ومتحطم في بنيته التحتية، توفرت له فرصة ذهبية لإعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية وأعمار البنى التحتية من خلال الدعم الدولي وتعهد حكومة الأحتلال في بناء ما يمكن بناءه، مع وفرة مالية بلغت على أضعف التقديرات خلال عمر التغير أن تتجاوز الألف مليار دولار، لكن اللا منطقي واللا معقول أن أحلام البناء الجديد وضرورة وضع خطط واستراتيجيات البناء أوكلت إلى طاقم شبه أمي، لا يفرق بين الدين والمديونية ولا يفرق بين رأس المال والثروة الاقتصادية، مع فلتان في المراقبة والمحاسبة التي درت ذهبا على الديكتاتوريات الجديدة مما عزز من قبضتها ليس على النظام السياسي فحسب، بل تجاوز ذلك إلى التحكم حتى في قوت الشعب وتوزيع الثروة على الأتباع والذيول، من خلال صفقات الفساد الوهمية والتصرف بموارد الدولة على أنها وقف موقوف لخدمتها، خرج العراقيون بنتيجة أن السلطة والمال وهما محركا الحياة في المجتمع العراقي عاد من جديد بيد الديكتاتور الخفي المتخفي بأحزابه وميليشياته وواجهاته الحكومية والسياسية.