حول السعودية وإيران والحوثيين

جعفر المظفر
2019 / 6 / 5

حول السعودية وإيران والحوثيين
جعفر المظفر
الأخ الأستاذ (...) المحترم:
بعيدا عن لغة الصواريخ وخطابات الدفاع الهائلة عن الأمن القومي والسعودي الذي هددته جملتي القصيرة دفاعا عن فقراء اليمن, وهي الجملة التي أنستك مئات المقالات التي كتبتها بقلمي ضد الخطر الإيراني.
ولكوني قبلك, ومثلك على الأقل, حماسا في الدفاع عن الأمن القومي العربي, سعوديا كان أم عراقيا أم مصريا.. بعيدا عن كل ذلك سأقول لا سوف لن يفسد إختلافكم معي للود قضية.
وقبلها بكل تأكيد سوف لن أنسى تمنياتي لك بالعيد السعيد, ومعه إعتذاري عن إرتكاب إثم الإساءة إلى حماة الكعبة وسدنة بيت الله الحرام !

ولي أن اشكرك حقا لأنك وفرت لي فرصة أن أوضح أفكاري بما يكفي للرد بشكل ولو غير مباشر على خصومي الطائفيين من الشيعة حتى يتوضح لأهلي العراقيين جميعا بانني لست ضد الشيعة حينما أهاجم الطائفيين منهم.
ويحزنني حقا نسيانك المئات من المقالات التي هاجمت فيها إيران لمجرد تجرئي بكتابة جملة واحدة وقصيرة (تشتم العنب السعودي والإماراتي الأسود).

ولأني لست من أنصار ثقافة (يا أبيض يا اسود) أو ثقافة (إن لم تكن معي على طول الخط فأنت ضدي على طول الخط) فقد سمحت لنفسي أن أختلف معك هذه المرة, حول السياسة السعودية تجاه اليمن, وليس حول السعودية نفسها, وسأقرر منذ البداية أن أفضل وسيلة لحماية الأمن الوطني القومي السعودي هي الإهتمام بفقراء اليمن وليس ضربهم بالطائرات..
وعفوا عن الخطأ, إذا لم أكن قادرا على نسيان ثقافة قومية بعثية, طويلة عريضة كنت تلقيتها منذ نعومة اظفاري, وكانت علمتني أن السعودية ونظامها هي دولة رجعية وملوكها متعاونين بالأصل مع الصهيونية.
لقد علمني ذلك جمال عبدالناصر يوم نشر رسالة من الملك فيصل بن عبدالعزيز وهو يطلب من جونسون الرئيس الأمريكي أن تلحق بنظامه وحتى أن تتعاون مع إسرائيل لغرض ردع عبدالناصر الذي كان قد إنحاز إلى ثوار اليمن وقتها, وحينها لم يكن هناك خميني ولا الحوثيين يهددان تاج الملوك السعوديين وأمنهم القومي بل كان هم الفقراء اليمنيون من يدافع عن أمنه الحياتي الذي ينكره عليهم ملوك السعودية, أولئك الذين يعتبرون اليمن ليس أكثر من حديقة سعودية ويعتبرون شعبها عبيدا لا يحق لهم رفع رؤوسهم او الإهتمام بمستقبل بلادهم.

وهذه الثقافة, التي كان لقّنها لي عبدالناصر وليس الخميني او خامنئي, هي نفسها التي كان قد لقنها لي صدام حسين يوم كنا أنا وإياك نرضع من ثدي ثقافة بعثية واحدة علمتنا أن ملوك السعودية ليسوا أكثر من عملاء للصهيونية وهم رجعيون حد العظم..

نعم انا لا انكر ان الحوثيين هم أبناء حركة إسلامية مذهبية تتعاون مع إيران الآن مضطرة بعد أن خذلها العالم جميعا, وقبلها فقد كنت هاجمت في أكثر من مقالة حزب الله اللبناني وتجييشه للشيعة اللبنانيين بإتجاهات طائفية تضر بالأمن القومي اللبناني والعربي بشكل عام, وما زلت أندد يوميا بتبعية وعمالة الأحزاب الطائفية الشيعية العراقية, ولم أذهب في اية لحظة للإنحياز لإيران وأنا في قمة عدائي لصدام حسين وتناقضي معه.
لكني أعرف أيضا يا صديقي ان الإنحيازات المطلقة على الجهة الأخرى التي تنحدر منها أنت, والتي قد تبعث برسائل ذات دخانٍ طائفي, بإمكانها أن تساعد إيران على التسلل بسهولة لشق الصف الوطني العراقي وإستسهال ذبحه, ولذا فقد كنت قد قدرت وقتها أن الإهتمام بالجنوب العراقي وبأهله الفقراء يجب أن يكون خط دفاعنا الأول ضد المخططات الإيرانية التي من المقدر ومن الطبيعي انها ستنفذ من بوابات الشعور بالحيف الإجتماعي.

وفي نفس السياق تجرأت فرأيت أن الإهتمام بفقراء اليمن سوف يحرم الإيرانيين من فرص النفاذ إلى المجتمع اليمني وسوف يحرم القوى المذهبية (الزيدية) من فرص الإنحياز من موقع المضطر لإيران.
ولا أظنك تجهل الفرق بين الشيعة الإماميين الجعفريين وبين الشيعة الزيدين, لإن ذلك سيحرمك من معرفة أن الزيدين لا يشعرون بالقربى المذهبية مع إيران وليس لهم حدودا جغرافية أرضية مع إيران ولو حتى بمقدار سنتمتر.
وقد جعلهم هذا على مدار التاريخ مهتمين بعلاقتهم البرية مع جارهم السعودي اللصيق بدلا من عبور البحر الفاصل بين اليمن وبين إيران بقواربهم الخشبية المتواضعة.

لكن السعودية بدلا من ذلك ولحرصها على أن لا تقوم لليمنيين قائمة سعت دائما أن تجعل اليمنيين مجرد خدم للتاج السعودي. ولقد كان هذا هو شأنها يوم وقفت ضد العقيد السلال في حلف واحد مع نظام حكم الإمام (الزيدي) أحمد ودعمت جيشه ومن يؤيده من القبائل لصد أخطار اليمنيين الذين ساندهم عبدالناصر القومي العروبي الذي الذي قال حينها في خطبة مدوِّية له (إن جزمة "حذاء"اي جندي مصري تساوي تاج الملك السعودي). ولست أنا من قال تلك الخطبة العصماء يا سيدي .

تنويه .. لقد أنهيت مقالة طويلة عن هذه الموضوعة رأيت أن أؤجل نشر القسم الأكبر منها سعيا لأن يكون قسمها الأول مقروءا ولكي يصل روح الرد بدلا من أن أتعب القارئ بالتفاصيل الكثيرة التي تنبهه إلى ضرورة أن لا يعوم خطر بآخر وينسى أن الوقوف ضد الأخطار الإيرانية وحماية أمن البلاد العربية وفي المقدمة منها العراق والسعودية إنما يتطب بدايةً الإهتمام بكل فقراء أوطاننا (حتى لو كانوا من الشيعة !!), وإن حماية الأمن الإجتماعي هو الطريق الأفضل والأسلم والأقصر والأضمن لحماية الأمن القومي, ولأنهما في الأصل لا يقبلان القسمة على أي عدد.