1 يونيو … عيدًا مصريًّا

فاطمة ناعوت
2019 / 6 / 4


في مثل أمس الأول (1 يونيو) قبل نحو ألفي عام، سجَّل التاريخُ في دفتر مصرَ غزيرِ الأوراق، سطرًا مُهمًّا من تاريخها. حدثٌ جلل يُشرقُ بحروف من نور بين سطور كتابها العريق. في مثل ذلك اليوم، دخل أرضَ مصرَ شخصان كريمان لم يعرفا الخطايا ولم تقربهما الآثامُ. عذراءُ شابّةٌ، تحملُ فوق ذراعيها طفلَها الكريمَ كلمةَ الله ومعجزتَه، يصحبهما شيخٌ جليلٌ في رحلة شاقّة، خارجين من أرض فلسطينَ داخلين إلى رفح المصرية. السيد المسيح طفلاً، وأمُّه البتولُ مريم، أطهرُ نساء العالمين، يصحبها يوسف النجار، قاطعين ما يزيد عن ألف كم من بيت لحم الفلسطينية، إلى الدير المحرّق بقلب مصر أسيوط، ليمثكوا في أرضنا الطيبة أكثر من سنواتٍ ثلاث، قبل أن يعودوا إلى فلسطين بعد موت هيرودس الملك الروماني قاتل الأطفال.
حدثٌ تاريخيٌّ استثنائي ميَّز اللهُ به مصرَ على سائر بلاد الدنيا. يومٌ مصري ووطني فارقٌ في تاريخ البشرية علينا الاستثمار فيه معرفيًّا وتثقيفيًّا وحضاريًّا وسياحيًّا. يومٌ يثبتُ لنا وللدنيا أن مصرَ طوال تاريخها الطويل هي الملاذُ الآمن للمحزونين، تفتحُ لهم ذراعيها وتقول: “ادخلوا مصَر إن شاء اللهُ آمنين"، كما قالها نبيُّ الله يوسفُ لأبيه يعقوب عليهما السلام، وإخوتِه، مُرحِّبًا بهم بعد الرحلة الشاقّة من كنعان/فلسطين إلى أرضنا الكريمة التي تُرحِّبُ بالطيبين وتفتح لهم قلبها في العسر وفي اليسر.
وبالفعل كانت الدولةُ المصرية قد بدأت الاهتمامَ بتوثيق رحلة العائلة المقدسة داخل مصر مع بدايات الألفية الجديدة، وجعلها رحلةً سياحية رسمية موثّقة؛ يتوجّه إليها السياحُ من كافة بقاع الأرض، بما يضعُ مصرَ من جديد على قمّة الدول السياحية في العالم، كما يليق بها. وفي السنوات الأخيرة زاد الاهتمامُ بالأمر وأقيمت عدة مؤتمرات حول ذلك الأمر، واتخذت بعض الإجراءات الجميلة من قِبَل وزارة السياحة والآثار لترميم المزارات الدينية ونقاط توقّف وإقامة العائلة المقدسة. وأتمنى أن تتضافر جهود وزارات الطرق والنقل والمرافق من أجل تعبيد دروب ومسارات السياح وإزالة الإشغالات التي تشوّه المشهد العام، وتزويد الأماكن باستراحات ومطاعم وحمامات عامة، لتُيسّر الأمور على الأفواج السياحية المرتقبة، حتى تنتعش تلك الرحلة السياحية المهمة التي سوف تُدرُّ على الدولة المصرية دخلا قوميًّا هائلا، نحن في أمسّ الحاجة إليه. وهنا يجبُ أن أشكر رجل الأعمال الوطني "منير غبور" الذي يهتمُ اهتمامًا خاصًّا برحلة العائلة المقدسة وتدشينها رحلةً سياحية عالمية، جاعلا من هذا الأمر مشروعَ عمره، يُسخِّرُ من أجله الوقتَ والفكرَ والمالَ والجهدَ. وفي يوم 24 من هذا الشهر، سوف تشهدُ مصرُ حفلا أوبراليًّا عالميًّا مشهودًا في قاعة "المنارة" بشارع التسعين، يقدمه "منير غبور" هديةً لمصر في هذه المناسبة القومية التاريخية. وأرجو من وزير التعليم المثقف، د. طارق شوقي، أن يُدرج مسارَ رحلة العائلة المقدسة بأرض مصر في مناهج التعليم؛ حتى يُدركُ النشء الصغير قيمة وطنهم العزيز وفرادته على خريطة العالم الحضارية. ففي ذلك قيمةٌ معرفيةٌ ووطنيةٌ جميلة، تربطُ الأبناءَ بمصرَ الوطن، وتُساهمُ في إعلاء شأنها في عيونهم.
أتمنى من الدولة المصرية تسليط الضوء على هذا اليوم المهم، الأول من يونيو، وجعله يومًا مصريًّا وطنيًّا، يحتفلُ فيه المصريون كافة بحدث تاريخيّ فريد تتمايزُ به مصرُ على سائر دول هذه الأرض. فهو عيدٌ وطنيٌّ، وليس دينيًّا؛ لأن دخول العائلة المقدسة أرض مصر يسبق نزول المسيحية والإسلام. ففي جعل هذا اليوم عيدًا مصريًّا ما يقوّي عُرى الترابط بين المصريين، حين نتأملُ أن التاريخَ المشرّف الذي يربطنا يسبق ويتفوق على النزعات الطائفية التي تُفرّقنا وتُشتتنا.
هذا اليوم المصري الفريد، أطلق عليه الغربُ The Global Coptic Day (اليوم المصري العالمي). لأن كلمة (قبطي) تعني (مصري). فنحن "المصريين" "أقباطٌ”: مسلمون ومسيحيون. ألم يحن الوقتُ لنجعل من هذا اليوم عيدًا رسميًّا نفرح فيه ببلادنا التي طوّبتها أطهرُ نساء الأرض، وباركها رسولُ السلام السيد المسيح عليه السلام قائلا: “مباركٌ شعبي مصر"؟ فأيُّ أرض سوى أرض مصر الطيبة استقبلت هذا الوليد الجليل، وأمَّه الطاهرة، وخبأتهما في قلبها عن عيون الشر، لينجو رسول السلام الذي حماه الله من نخْسِ الشيطان؟ هي مصرُ التي احتضنته طفلا ليكبُر بين ربوعها، ويغدو رسولَ السلام للإنسانية كافة، "يجول يصنع خيرًا"، بعدما طوّبه اللُه بالسلام عليه: "يومَ وُلِد ويومَ يموتُ ويوم يُبعثُ حيّا". أرضنا الطيبة كانت لتلك العائلة المقدسة “ربوة ذات قرار ومعين". جالت فيها سيدةُ الفضيلة، فتفجرت تحت قدميها عيونُ الماء، وشقشقت في كل بقعة وطئتها زهورُ البيلسان، فامتلأت أرضُ مصرَ بالبركة والنور والخصب الذي لا يبور، وإن بارت الأرضُ كافة.
“الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”

***