أعجبني حديثٌ يُقالُ أنه موضوعٌ!

محمد كشكار
2019 / 6 / 4

تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط في 23 جويلية 2012.

حديث: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا". هناك من ينسبه إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهناك من يقول أنه حديث موضوع أو ضعيف وهناك من ينسبه للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وهناك من يفسر معنى الحديث كالآتي: ثم إن معناه ليس هو المتبادر إلى أذهان كثير من الناس من العناية بأمور الدنيا والتهاون بأمور الآخرة. بل معناه على العكس وهو المبادرة والمسارعة في إنجاز أعمال الآخرة والتباطؤ في إنجاز أمور الدنيا.

رغم عدم اختصاصي في المجالين، الديني واللغوي، سأحاول تناول الحديث تناولا منطقيًّا، كحكمةٍ عربية إسلامية بغض النظر عن قائلها. و لن أذهب مذهب التفسير الأول أو العكس. و ما دامت الحكمة مشكوك في نسبتها إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فهي ليست حكرا على أهل الفقه ولو لم يكن الحديث محل شك فقهي، لَما تجرأت على القرب منه والتصرف في معناه ومقاصده. سأحاول تحيين الحكمة العربية الإسلامية قدر المستطاع. يبدو لي أنه من حق أي عربي-مسلم التصرف في تراثه المشترك كيفما يشاء دون تشويه مقصود أو تعديل سياسي أو أيديولوجي رخيص لغرض في نفس يعقوب.

سأحاول مقارنة الحكمة و قياسها منهجيًّا استنادا إلى جُمَلِ علمية مشابهة ومعاصرة بعد ما أجرِي عليها تحويرا تركيبيا فتصبح الحكمة كالآتي: "اعمل لدنياك مائة في المائة واعمل لآخرتك مائة في المائة" فتقترب الحكمة منهجيا من مقولة ألبير جاكار، عالم الوراثة الفرنسي المعاصر: "الذكاء وراثي مائة في المائة ومكتسب مائة في المائة": أبدأ بشرح الحكمة العربية الإسلامية ثم أمر إلى وبعض المقولات التي ألّفتُها أنا على المقاس:
- "الحديث": "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا":
يبدو لي هذه الحكمة تعني أن الإنسان المسلم وهو يعمل لدنياه، يجب عليه أن لا يهمل آخرته ولو لـ"فمتوثانة" (dix puissance moins 15 seconde)، وإذا عمل لآخرته عليه أن لا يهمل كذلك دنياه. ولهذه الحكمة سند قوي الدلالة حتى ولو كان "حديثا لا أصل له"، لكنه حديثٌ يشجع و يحث على العمل ولا يتنافى حسب رأيي المتواضع مع القِيم الإسلامية الإنسانية النبيلة ومن بينها "إن العمل عبادة". زِدْ على هذه الحجة، الحجة الواردة في المقولة العربية الإسلامية المشهورة "الإسلام دين ودنيا"، وعلى حد ثقافتي، فإن الإسلام لم يُفصل يوما بين ما هو ديني - العبادة - و ما هو دنيوي - العمل.

- مقولة عالِم الوراثة والفيلسوف ألبير جاكار: "الذكاء وراثي مائة في المائة ومكتسب مائة في المائة":
مقولة تعني أن الذكاء ينبثق من التفاعل المستمر بين الجينات الموروثة وبين محيطها المكتسب (العائلة والمدرسة والشارع والأقران والمدرّس والأصدقاء والفيسبوك والسفر والعمل.. إلخ.). وداخل هذا التفاعل الدائم، تتداخل مليارات المتغيرات المعقدة والتي يصعب تفكيكها وترتيبها وتصنيفها إلى وراثي ومكتسب. لنأخذ مثلا قد يساعدنا بيداغوجيا على الفهم: لو عاش العالم الألماني - الأمريكي إنشتاين في بيئة رعوية صحرواية ولم يدخل المدرسة لأصبح راعيا ماهرا لا أكثر ولا أقل ولن ينزل عليه العلم من السماء ولن ينبع أيضا من جيناته ومورثاته الثلاثين ألف! ولو أخذت مواطنا متدني الاستعداد الجيني وراثيا وأدخلته أحسن الجامعات لَما صنعت منه عالما مبدعا أو عبقريا! والدليل الاجتماعي والإحصائي على صحة ما ذهبت إليه يتمثل في أن الدول العربية - على حال تخلفها اليوم - لا تنتج عباقرة ومبدعين رغم توفر القابلبة الجينية الحاضنة للذكاء فينا كما توفرت لدى كل الشعوب، لكن في المقابل كل العرب متوسطي الذكاء الذين التحقوا بالجامعات الغربية وعملوا في مخابرها وتنشقوا حريتها، أصبحوا من ألمع العلماء، ومنهم مئات الآلاف من البحاثة والعلماء المغمورين إعلاميا ومن أشهر علمائنا بالغرب أحمد زويل وفاروق الباز ومحمد أوسط العياري وغيرهم كثيرون.

- بعض المقولات التي ألّفتُها أنا على المقاس:
مقولة 1: "انتفاضة 14 جانفي 2011، هي ثورة شعبية مائة في المائة ومؤامرة غربية خليجية مائة في المائة":
مقولة تعني أن البوعزيزي ليس جاسوسا صهيونيا ومحمد كشكار ليس عميلا للمخابرات الأمريكية ومثله مئات الآلاف من المتظاهرين الصادقين الوطنيين التونسيين فنحن لسنا مأجورين وشهدائنا لم يكونوا مرتزقة وجرحى ثورتنا ليسوا عملاء، لكن في المقابل، أمننا "الوطني" ليس بريئا من تبعيته لأمريكا.

مقولة 2: "مشاكل تونس الحالية، أسبابها وحلولها داخلية مائة في المائة وخارجية مائة في المائة":
مقولة تعني أننا ننتخب برلماننا ورئيسنا ولنا جيشنا وأمننا والدينار عُملتنا والعربية لغتنا والإسلام ديننا ، لكن في المقابل سلاحنا نشتريه من "عدونا" وعدو الفلسطينيين، لغتنا العلمية الأولى هي الفرنسية وليست العربية، جل مشاريعنا التعليمية والتنموية مملاة علينا من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. أنا متشائل ليس حبا في التشاؤل بل لأنني لم أر حتى الآن مؤشرا واحدا يدل على أنه سيأتي ما يخالف ذلك. ومؤشري العلمي الأول والأهم إلى اختصاصي هو إصلاح التعليم ونحن اليومَ ما زلنا نرى دار لقمان على حالها بل زادت عبثا وفوضى وتسيّبا وغِشًّا وكسلا ولا أستثني أحدا، مسئولين ومصممي برامج وإداريين ومتفقدين وقيمين وعملة وأولياء وتلامذة ومدرّسين بما فيهم شخصي المتواضع التكوين.

- مقولة 3: "تربية الأطفال مسؤولية الوالدين مائة في المائة ومسؤولية الشارع والمدرسة والإعلام مائة في المائة":
كنتُ، وأنا أستاذ شاب غير متزوج، ألوم الأب والأم على عدم تربية أبنائهم التلاميذ، كبُرْتُ وأصبح عندي ولد، كَبُر الولد ففهمت أن تربيته مشتركة بيني وبين أقرانه وخلانه ومدرّسيه والتلفزة والأنترنات، لا نستطيع أن نفصل سببا أو عاملا عن الآخر من كثرة تداخل جميع الأدوار وتعقدها.

- مقولة 4: "كل مرض بشري هو عضوي مائة في المائة ونفسي مائة في المائة":
- مقولة تعني أن العضوي والنفسي لا ينفصلان داخل الفرد ولا نستطيع أن نفصل بينهما ميكانيكيا ونقول مثلا أن الحمّى الناتجة عن الجراثيم هي مرض مائة في المائة عضوي لأن مقاومة الجسم تخضع لعوامل نفسية وعندما تنهار المناعة جراء صدمة نفسية يصبح الجسم سهل الاختراق من الكائنات الدقيقة "الانتهازية". أستثني الأمراض الجينية الوراثية كانعدام تخثر الدم (l’hémophilie) أو الشلل (la poliomyélite) أو الإعاقات الذهنية أو العضوية (les handicaps mentaux ou sensori-moteurs ).

- مقولة 5: " الرجل ذكر مائة في المائة وأنثى مائة في المائة والمرأة أنثى مائة في المائة وذكر مائة في المائة":
يُولد الفرد، ذكرا كان أو أنثى من 23 صبغية (كروموزوم) ذكرية و23 صبغية أنثوية، لا يفرّق بين الجنسين إلا التلاقي صدفة بين الصبغية "إيكس" الأنثوية والصبغية "إيڤ---راك" الذكرية فينشأ ذكرا أو تلتقي الصبغية "إيكس" الأنثوية والصبغية "إيكس" الذكرية فتنشأ أنثى (استثناءات: يوجد XX ذكور و XYإناث). لا يوجد فرق إذن بين الذكر والأنثى إلا في زوج واحد من بين 23 زوج من الصبغيات الست وأربعين لذلك نجد صفات ذكورية عند بعض النساء وصفات أنثوية عند بعض الرجال. ولذلك لا نستطيع أن نفصل فصلا ميكانيكيا بين ما هو أنثوي وما هو ذكري عند الرجل أو عند المرأة. تلتقي الجينات الأنثوية والجينات الذكرية، النصف بالنصف، عند الرجل والمرأة على حد سواء، النوعان يتفاعلان فيما بينهما باستمرار فينتج عن تفاعلهما ذكرا أو أنثى أو جنسا ثالثا بين الجنسين، ثم ينفصل النوعان من جديد عند البلوغ وبداية صنع الخلايا التناسلية الذكرية أو الأنثوية لتلتقيان مجددا عند التلقيح أو التخصيب عند ذكر أو أنثى وهكذا دواليك، انفصال فالتقاء ثم انفصال فالتقاء وتستمر الحياة ولا يتواصل النوع البشري إلا بتكامل الأنثى والذكر ولو غاب أحدهما لانقرض الآخر (استثناء: نظريًّا ممكن للبويضة وحدها أن تعطي امرأة والحيوان المنوي يعطي رجلا مثلما جاءت النعجة المشهورة "دولِي")، فلا فضل إذن لرجل على امرأة ولا لامرأة على رجل إلا بالتمايز البيولوجي الذي لا يفضي أوتوماتيكيا أو طبيعيا للتمايز في الحقوق. الفروق البيولوجية بين الرجل والمرأة، حتى و إن أدت إلى الاختلاف في أداء بعض الواجبات فهي لا تؤدي حتما للتفريق الجنسي العنصري في الحقوق والآدمية الإنسانية بين الرجال والنساء.

إمضاء: على كل مقال سيء، نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي.