المعتقدات الاجتماعية حول الدم في المجتمع العراقي

محمد لفته محل
2019 / 6 / 3

عند الشعوب البدائية يمثل الدم الحياة نفسها، وله ارتباط وثيق لديهم بمفاهيم اجتماعية مثل القرابة، الثأر، وتوثيق الأخوة بين شخصين ليسا اخوين بشرب كل واحد منهما قليلاً من الدم المخلوط او بتلطيخ جسم كل واحد منهما بدم الآخر او بمجرد خلط شيء من دميهما وهذا ميثاق الدم وكان العرب يوثقون احلافهم بالدم. ودم الحيض لدى كثير من الشعوب البدائية خطر ونجاسة يجب التحوط ضدهما. وتشرب بعض الشعوب البدائية الدم غذاءاً، في حين تُحرم اخرى ذلك، كما يعتقد بعض ثالث أن شرب الدم ينقل صفات صاحبه الى الشارب.(سليم،1981: 119) كانت الفكرة التي ترى أن الإنسان حين يتناول لحم كائن آخر أو يشرب دمه فإنه يستوعب روحه أو حياته في كيانه من بين الأفكار التي انتشرت عند الشعوب البدائية بأشكال عدة. فهي تكمن في جذور عملية شرب الدم الطازج للأعداء التي كانت سائدة بين بعض القبائل العربية الوثنية، وكذلك عادة كثير من الصيادين حيث كانوا يأكلون أعضاء الضواري كالكبد مثلا حتى تسري فيهم شجاعة الحيوان.(سميث،1997: 344، 345) وكانت العقيدة العربية القديمة تعتقد بأن دم الملوك يعتبر شفاء من داء الكلب وتلبس الجان.(سميث:400) كان الدم في عقيدة الاقدمين هو مبدأ الحياة او وسيلتها، والتفسير الذي كان شائعا لقدسية المياه هو أن دم الإله يتدفق فيها.(سميث:184) وكان في أقدم القرابين يشربه الأتباع، وبعد أن توقف شربه أصبح يصب كله على المذبح. والهدف كما هو واضح هو نقل كل جزء لايلتهمه التابع من القربان الى الإله مباشرة.(سميث:428، 429) وكان مجرد اراقة الدم على الحجر او المذبح يضفي على الذبيحة قدسية ويجعلها قربانا حلالا.(سميث:208) ويراق اللبن على الاحجار المقدسة في بعض القرابين العربية القديمة.(سميث:243) واستبدل الخمر كبديل للدم في القربان البدائي.(سميث:247) وكان العرب في الوثنية يشربون الدم المستمد من عروق الجمل الحي في اوقات المجاعة، ثم تحول الى شيء مقدس يوهب للاله ويحرم شربه. وترافق مع التقدمات التي توهب للميت حيث كان يسكب يصب على قبورهم الماء والخمر.(سميث:250) وكثير من الشعوب البدائية كانت تعتبر اللبن كالدم.(سميث:260) والدم الطازج في افريقيا كان يعتبر شهيا عند زنوج النيل الابيض؛ وكان يشربه محاربو قبائل الماسي، ودم الضواري الخالص محرم عند قبائل الهوتينتوت على النساء فقط، وحين لايستخدم الملح المعدني للطعام يمثل شرب الدم عنصرا هاما.(سميث:264،265)
وفي جزء من آسيا القديمة كان الدم رمز الطاقة الحيوية.(سيرنج،1992: 252) في الشرق الاوسط تخطو العرائس فوق دماء الاضاحي من الاغنام. لرمزيته الاخصابية. (كوبر،2014: 60) وارتبط الدم منذ القدم بالطقوس الاجتماعية وخاصة الدينية وذلك في نطاق التقرب للآلهة بإسالة الدم، بالتضحية البشرية او الحيوانية.(بن حتيرة،2008: 165) ولهذا حظيت الانثى بموقف مزدوج؛ مقدس عند بعض الشعوب (آلهة) ومدنس (شيطانة/ساحرة/نجسة) عند شعوب اخرى، بسبب افرازات جسدها البايولوجية تبعا لاعتقادات الجماعة حول الدم. لان مسالة الحيض بدت للإنسان من دواعي العجب والخوف والتفكير فيما قد يكون وراء ذلك اسرار غامضة. فالمرأة تنزف دما ولا تموت، في حين يموت الرجل عندما ينزف.(1) او لارتباطها بدورات القمر(بن حتيرة:177) ورد هرتز التقابل بين الرجل والمرأة وحرمانها من بعض الطقوس الى التقابل الأساسي بين المقدس والدنيوي(بن حتيرة:172) وكانت العرب القدامى كغيرهم من الشعوب يشربون دم الذبائح، وكانوا يحلفون به "والدم" فكان يحظى بقدسية لوظيفته التواصلية مع الالهة، وهناك معتقدات عربية عن الصلة بين الدم والمني لان كلاهما يحمل الحياة. ودوره في تحديد في نقل النسب والقرابة التي تخص النظم الاجتماعية من زواج ومواريث.(بن حتيرة:166،167)
وكان قدامى العرب يخافون سحرياً من الدم، وبالأخص دم الحيض يظن انه يملك قوة سحرية لطرد الجن والارواح الشريرة، وكان دم الرجل الشريف يستعمل علاجاً للصرع.(شلحت،2013: 167،168) واذا ارادو العرب اقامة علاقة اخوية مع شخص لا تجمعه رابطة دموية، آخاه عن طريق تبادل الدم وذلك بشق كل منهما جرحا في اصبع السبابة ولصق الاصبعين المجروحين بعضهما ببعض، ويسمى "اخوة الدم".(2)(الخوري،1997: 58) وللدم صفات اجتماعية مزدوجة في المجتمع العراقي المعاصر فهو يدل على النجاسة كدم الحيض والنفاس والميت ويدل على الشرف والاصالة(الخوري:56) دم الشهيد والفداء والشرف والاصل والاخوة، وعند ذبح اضحية في المجتمع والعراقي يجب نحرها بالسكين من الرقبة حتى يسيل دمها الذي يطبع بالكف في بعض الآحيان على الجدران المقدسة (مسجد) او شيء مملوك (بيت، سيارة الخ) وتسمى (فجران دم) أو (قربة لله تعالى) حتى تتبرك الاشياء، ولا يجوز شربه او اكل ضحية فيها دم غير مسفوح. والشخص المباح قتله يقال عنه (مهدور دمه) والمتهم بالإرهاب يقال عنه (ايديه ملطخة بالدماء) وعندما تكبر المشاكل يقال (صار بيها دم) او عندما نغضب نقول (اليوم او راح اشرب من دمك). فمن اين اكتسب الدم هذه الصفات في المجتمع العراقي؟ وهذا المقال محاولة للإجابة من منظور علم الاجتماع.
الدم في اللغة يعني النفس أيضا (الجذرُ نَفَس الذي يعني، حين يُستعمل في شكله الربُّاعي (أنفس)، حاضَ.(شلحت:103). وإذا تستقرّ النفس في الدم، فهو يمثل الحياة نفسها،(شلحت: 167) وإراقته هو هدر نفس، وهذا ما نراه في الأضاحي التي إراقة دمها ضروري لقبولها (فجران دم)، لان الدم ينقل النُّفسَ ويوصلها إلى الألوهة. فالدم حصة للآلهة،(شلحت:103) لذلك كان الدم مخصَّصاً حَصراً للقوة المقدسة عند العرب قبل الاسلام واليهود، وكان يسكب الدم في الغالب على راس الصنم. فالحياة العائدة إلى الألوهة لا يمكن انتزاعها إلا بإذنها.(شلحت:169) وكان اعتقاد قبل الاسلام ان الضحايا طعام الآلهة وفيما بعد تجردت هذه التجسيمية فكان الدم مخصصا للقوى المقدسة.(شلحت:69) ولذا نطبعه بكفنا على جدران المساجد، ويحرم شرب الدم لان النفس القاطنة به هي ملك حصري لله، فهو الخالق للنفس يهبها ويسلبها متى يريد. ويحّرم خنق الأضحية لأنه لا يسيل دمها وهي حصة الالهة، فللدم حرمة لا ينبغي إراقته إلا تطبيقا لحدود الله لأنه ليس ملكنا بالتصرف، والله وحده له الحق سلب النفس، وحين يقال (هدر دم، ايديهم ملطخة بالدماء) فإنها تعني إباحة قتل المهدور، والتعبير الثاني يعني من هدر نفوس الناس، رغم أن القول (إباحة قتله) او (انهم قتلة) صحيح لغوياً، لكنه خاطئ اجتماعيا. وإذا شرب العربي من الدم فهو لإرواء ثأر أو لكي يمتص قوتهم.(شلحت:168) لكني اراه نوع من التجديف لأنه اعتداء على ملكية الله على النفس. وفي حالة القتل غيلة تبقى النفس بالدم المراق حتى يُأخذ بثأرها(شلحت:95) ويعبر عنه (دمه حار) والحرارة علامة الحياة بالجسد وحين يُأخذ بثأره يقال (دمه برد) أي غادرته الحياة/النفس (وبما أن دم الفرد يمثّل دم الجماعة، فإن الروابط الناشئة عنه تمتدُّ، جرّاء ذلك، إلى كل أعضائها.)(شلحت:182) واعتقد أن سقي القبر بالماء هو بديلا عن الدم والخمر والقهوة،(شلحت:133) والأساطير التي تتحدث عن مص الأموات لدم الأحياء والذي تصوره السينما العالمية هي معتقد إناسي سحيق في الذاكرة البشرية، لاحتواء الدم على الحياة حصرا.
ويبقى السؤال ماثلا؟ من اين اكتسب الدم هذه الصفات المزدوجة (الطهارة والنجاسة) والحرمة؟ لان تفسير المعتقدات بمعتقدات هو كتفسير الماء بالماء، وهنا علينا ان لا نأخذ المعتقدات حرفيا بل مجازيا، وان لانبحث وراء الوظيفة الظاهرة، بل الوظيفة الكامنة كما يسميها (ميرتون). وبمجرد ما ان نحول هذه الرمزية من الله والبشر الى ثنائية الجماعة والفرد تتضح الصورة لأنها تصبح قابلة للبحث، لان الله خارج مجال البحث، ونستطيع من خلال التصور الاجتماعي لله ان نرى صورة الجماعة مسقطة على السماء. فالجماعة وضعت الحرمة على الدم واباحته بشروط صارمة لتقنين الجزاء وتحظير القتل، لضبط الانسجام والسلام بين الافراد، وكما يقول (فرويد) ان حرمت دم الإنسان نابعة من تحظير القتل.(فرويد،1982: 97) ولأنه الذي يحدد النسب والمواريث. ويرجع (دوركهايم) حرمة الدم عند المجتمعات البدائية الى كونه دم الطوطم السلف المقدس للجماعة، والطوطم هو رمز الجماعة ذاتها التي لا تعبد إلا نفسها. فالجماعة هي (ولي الدم)، لان دم الفرد هو دمها، تبيح هدره لمن ينتهكون محارمها او يخرجون عليها (مثل الثأر، غسل عار، زنا محارم، القتل بدون ذنب، الكفر، الخيانة) وتقتص من القتل الفردي بدون ذنب اشد العقاب، وعليه فالدم المهدور ظلما او من اجل مقدس (شرف، دين، طائفة، وطن) هو دم طاهر، لأنه من اجل الجماعة، والدم المهدور من جسد نجس كالمرأة (كما يُعتقد شعبياً) هو دم نجس لان دم ليس بفعل فاعل والنفس لم تخرج معه انما بقيت بالجسد، ودم المذنب نجس لان الجماعة اباحة هدره بالقصاص منه وفق قانون العين بالعين لأنه دم ضد الجماعة. وهذا القانون للدم يصبح في المجتمعات ذات التضامن الآلي والمجتمع العراقي يصنف ضمن هذا التصنيف. أن ذبح اي حيوان هو مسؤولية اجتماعية ينبغي تبريرها بإذن إلهي عند العرب حتى الذبح العادي حيث لابد من البسملة اي باسم الجماعة. لان الروح ملكية حصرية للجماعة. وجماعية عقاب الرجم هو رجم بيد الجماعة كلها. اي ان الجماعة وحدها لها الحق بالقصاص من المذنب. وذلك لحرمة دم العشيرة على الأفراد، والاعدام هنا ليس جزائي بل تخليص الجماعة من أحد اعضائها الشقياء.(سميث:452_454)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1_اعتقد ان نجاسة او قداسة المرأة جاءت من كونها تكسر قاعدة تحريم القتل اي تنتهك محظور اجتماعي وهو اسالة الذي يرمز للحياة.
2_اتصور ان عادة التصالح بين الصغار التي كنا نمارسها بالمدرسة عندما نلامس بسبابتنا اليمنى سبابة الآخر اليمنى للدلالة على التصالح او الصداقة، وعندما نبصق على سبابتنا اليمنى فهي دلالة زعل وخصام وانتهاء صداقة، هي بقايا التقليد القديم الذي كان يتم فيه المؤآخاة بالدم بخلط دم الشخص بالإبهام، فالبصاق على السبابة كونها كانت تجرح ليسيل منها الدم يعني فسخ صداقة الدم.
المصادر
_د.شاكر مصطفى سليم، قاموس الأنثروبولوجيا، انكليزي-عربي، جامعة الكويت، الطبعة الاولى، 1981.
_فيليب سيرنج، الرموز في الفن_الاديان_الحياة، ترجمة: عبد الهادي عباس، دار دمشق، الطبعة الاولى1992.
_جى. سي. كوبر، الموسوعة المصورة للرموز التقليدية، ترجمة: مصطفى محمود، المركز القومي للترجمة، الطبعة الاولى 2014.
_صوفية السحيري بن حتيرة، الجسد والمجتمع، دراسة أنتروبولوجية لبعض الإعتقادات والتصورات حول الجسد، مؤسسة الانتشار العربي، دار محمد علي الحامي، الطبعة الأولى 2008.
_يوسُف شُلحت، الأضاحي عند العَرَبِ، أبحَاثُ حَول تطوٌّرِ شعَائِر الأضَاحي، طَبيعتُها وَوَظيفَتها في غَربِ الجَزيِرةِ العَربيَّة، تَعريبُ وَتذييل: البروفسُور خليل أحمَد خليل، دَار الطليعةـ بَيروت، الطبعة الأولى حزيران (يونيو)2013.
_فؤاد إسحق الخوري، ايديولوجيا الجسد، رموزية الطهَهارة وَالنجَاسَة، دار الساقي، الطبعة الأولى1997.
_سيغموند فرويد، الحَيَاة الجنسيَّة، ترجمة: جُورج طَرابُيشي، دَارُ الطَليعَة للطّبَاعة وَالنشُر بيروت، الطبعة الاولى ايار (مايو)1982.
_روبتسن سميث، محاضرات في ديانة الساميين، ترجمة: د.عبد الوهاب علوب، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، 1997.