الإيرانيون ونحن وناس آخرون

جعفر المظفر
2019 / 6 / 3

الإيرانيون ونحن وناس آخرون
جعفر المظفر
وحتى إذا إنتهينا إلى أن ثورية الآيات هي ثورية لا جدال عليها, وأن وطنيتهم لا يعلى عليها, وأن ديانتهم لا شك فيها, وأن شيعيتهم هي الأفضل من بين المذاهب, وأن كثيرا من زعمائهم حقا منحدرون من نسل الحسين سبط النبي, وإنهم معادون لأمريكا والصهيونية منذ مطلع التاريخ ..
حتى إذا إنتهينا إلى ذلك فإن الضرر الذي تسببوا به لنا, وذلك القادم على مستواه, هو أكثر بكثير مما كان يحدث لو أن الشاه (العميل) لا يزال يحكم إيران.
هذا الأخير لم يكن يقاتل وفق نظرية ولاية الفقيه ولا تحت راية محبة آل البيت ونصرة أتباعه, لذلك كانت قدرته على التوسع والإستلاب قدرة لا تقاس محدوديتها بمقدار ما تفرضه من متغيرات إستعمارية على الأرض وإنما بمقياس لاشرعية ما تؤسس له من قناعات ثقافية وعقلية من تلك التي بإمكانها أن تبتلع دولا وشعوبا دفعة واحدة مع إقرارها لتغييرات وقناعات عقلية وثقافية تبرر مشروع الإحتلال وتجعله من باب الحقائق التاريخية التي يصعب تغييرها.
لقد إستطاعت إيران الإرتزاق على حساب مجتمعات وأراضي ودول المنطقة العربية بدعوى عدائها للصهيونية ونصرتها لجبهة المقاومة. .. ستالين كان أيضا عدوا لهتلر وهو الذي كان قد ساهم بالجهد الأكبر لتهديم الدولة النازية وتخليص أوروبا الشرقية من براثن الإستعمار النازي, وكانت مساحة التداخل الإستراتيجي والتخادم المنفعي قد إتسعت بحيث ادت إلى تأسيس واحد من أقوى التحالفات التكتيكية بينه وبين الغرب الرأسمالي النقيض لشيوعيته وماركسيته, ولكن كل ذلك بالطبع لم يحدث لصالح الدول الشرقوروبية التي كان قد (حررها) ستالين وإنما كان ذلك على حسابها حيث تم إستعباد نصف القارة الأوروبية بدعوى تحريرها من النازية وحمايتها من الإمريالية ثانيا.
وهناك عشرات من القصص التاريخية المشابهه حيث تكون هناك عداءات مستحكمة بين قوى عالمية وإقليمية دون أن لشعوب المنطقة اية مصلحة فيها سوى ما يتحقق على حسابها وليس لحسابها.
من جهة أخرى فإن ذلك لا يعني أن السعودية وحكام الخليج قد اصبحوا وطنيين فجأة وعروبيين من الدرجة الممتازة وإن مهادنتهم لإسرائيل قد إنقلبت عكسا, وإنما يعني ان القدرة على الوقوف ضدهم أصبحت ترتبط بجدار الخوف من أن يجري ذلك لحساب إيران ذاتها, مثلما اصبح الإبتعاد عن قربى المحور الإيراني والإقتراب من المحور السعودي محكوما أيضا بأخطار إتساع مساحة التنافس وليس التصادم الإستراتيجي بين الصهيونية وبين أمة الفقيه الإيرانية على حساب أراضينا ومجتمعاتنا.
ولا يحتاج الإنسان إلى كثير من الحكمة لكي يفهم أن السيد خامنئي لا تهمه في حقيقة الأمر مصلحة الإنسان الفلسطيني او السوري أو اللبناني أو اليمني وإنما التي تهمه مصلحة الدولة الإيرانية وبناء دولة الفقيه, وإن تناقضه مع الصهيونية وأمريكا هو تناقض يتأسس على التنافس الإستراتيجي وليس على التناقض الإستراتيجي. وحتى لو كانت محبة خامئني للفلسطينين ليست موضع شك غير ان الشك يبقى منصبا حول طريقة تصريفه لهذه المحبة وإتجاه التصريف, وهنا فإن ما نطمح له ليس أن يتخلى السيد خامئني عن محبته لفلسطين وإنما أن يُصَرِّف هذه المحبة بطريقة مغايرة
فإن ظلت هذه المحبة على حالها, وسيلة لشق المجتمعات العربية مذهبيا والإستيلاء على قرارها السياسي, فإن الأقل ضررا لفلسطين وللعرب أن يكرههم الإيرانيون على طريقة الشاه بدلا من أن يحبونهم على طريقة خامنئي.