في مفهوم عدم الاستقرار السياسي

جونا صبحي جميل
2019 / 6 / 3

تعد ظاهرة عدم الاستقرار السياسي من "الظواهر الحديثة في دراسة العلوم السياسية على اعتبار أنها لم تأخذ حيزها من الاهتمام بشكل أكاديمي إلا بعد النصف الثاني من القرن العشرين حيث ظهرت دول حديثة الاستقلال في العالم النامي تعاني من هذه الظاهرة و هي في طور الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث( ). عليه، في معرض تكوين إطار مفاهيمي لما يعنيه عدم الاستقرار السياسي، تقتضي الضرورة التعرض للتعريفات المختلفة، ابرزها:
- يرى العالم السياسي الامريكي (لوسيان باي- Lucian W. pye) أن عدم الاستقرار السياسي" يرتبط بالتغيير او عدم التغيير الذي يفشل في إرضاء أو إشباع المطالب الاجتماعية للأفراد و يترك عدداً كبيراً من أفراد الشعب يشعورن بالإحباط" ( ). أي ان عدم الاستقرار السياسي يأتي نتيجة ارتفاع سقف التوقعات الاجتماعية والطموحات عبر فترة من الزمن من دون أن يتحقق منها ما يكفي لإرضاء هذه الشرائح بالدرجة المرضية من الإشباع في ضوء التغيير او عدم التغيير السياسي الحاصل.
-أما أستاذ العلوم السياسية الامريكي(صموئيل هانتنجتون- Samuel Huntington) وضع معادلة في عدم الاستقرار السياسي مفادها" أن عدم الاستقرار يساوي المطالب السياسية مقسومة على المؤسسات السياسية، أي ببساطة هذه الظاهرة تزداد بزيادة المطالب السياسية و عدم قدرة المؤسسات على الاستجابة لها"( )، أي ان هذه الظاهرة نتاجاً للفجوة ما بين توقعات جماعة معينة و رويتها لحقوقها من جهة وبين ما تشعر به هذه الجماعة من حرمان الحقوق و الحريات من جهة أخرى( ).
- كما إن عدم الاستقرار السياسي بحسب رأي (إبن خلدون) هو نتيجة " لعدم التجانس الثقافي، فالأوطان التي تكثر قبائلها وعصبياتها لا تتمتع بالاستقرار السياسي نتيجة لاختلاف الآراء والأهواء"( ). و يؤخذ على هذا التعريف، إن التعدد الثقافي لوحدة لايكون بالضرورة عنصر تهديد للاستقرار السياسي وإنما نظرة الثقافات المتعددة لمدى تمتع النظام السياسي بالشرعية، وما تتعرض له كل واحد منها من تمييز اجتماعي - اقتصادي وسياسي هما عاملان لعدم الاستقرار السياسي.
-ويورد (حمدي عبد الرحمن حسن) أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة تعريفاً لعدم الاستقرار السياسي بأنه "عدم قدرة النظام على التعامل مع الأزمات التي تواجهه بنجاح، وعدم قدرته على إدارة الصراعات القائمة داخل المجتمع بشكل يستطيع من خلاله أن يحافظ عليها في دائرة تمكنه من السيطرة والتحكم فيها، ويصاحبه استخدام العنف السياسي من جهة، وتناقص شرعيته، وكفاءته من جهة أخرى"( ). فهذا التعريف يدرك أن وجود التناقض في المجتمع مع عدم استطاعة السلطة القائمة في التحكم هو الذي يقود الى عدم استقرار سياسي و تناقص شرعية النظام.
في ضوء استعراض آراء الباحثين يمكننا إيراد عدد من الملاحظات في نهاية هذا العرض الموجز، أبرزها:
1.ان عدم الاستقرار السياسي لايرتبط بالضرورة بالتغيير السياسي او بتدرجه وإنما يرتبط اساساً بمضمون هذا التغيير و وجهته، ذلك ان من التغيير مايهدف الى زيادة شرعية النظام ورفع فعاليته وان اقترن في المدى القصير بعدم الاستقرار( ).
2.ليس بضرورة ان يصحب كل عدم استقرار سياسي عنف داخل المجتمع أو النظام، فالكثير من دول العالم النامي و حتى المتقدمة تشهد درجات مختلفة من عدم الاستقرار السياسي قائمة على أساس تغييرات سريعة في نظام الوزارة أو عدم حصول اتفاق مابين وجهات نظر الكتل البرلمانية من دون أن يفضي هذا الأمر الى توليد العنف كامتداد لعدم الاستقرار( ). عليه، نستخلص من كل هذه التعاريف عن ظاهرة عدم الاستقرار السياسي انها تظهر عندما لايحظى النظام بقبول شعبي نتيجة لسياساته التي لا تتضمن نتائج ملموسة كالتفاوت الاقتصادي و عدم التوزيع العادل للثروة و المكانة و الامتيازات و عدم جود تجانس فكري وثقافي إيديولوجي بين القوى السياسية والاجتماعية المتفاعلة داخل نظام الحكم السائد و غيرها من الأسباب هي التي تولد هذه الظاهرة داخل المجتمع.