كتابٌ … يبحثُ عن مؤلف!

فاطمة ناعوت
2019 / 6 / 2



"السلام عليكم/ الاستاذه فاطمه ناعوت. انا (… ...) من دولة (...) الشقيقة. اتمنا ان تصل لكي رسالتي وانتى بخير وصحه. انني افكل بعمل سلسله كتب عن 12 شخصيه عربيه مشهوره. اتمنا التعاون معكي في هذا الموضوع. اذا كنتي على استعداد ارجو الرد باسرع وقت وسوف اشرح لكي كل التفاصيل.  ولكي مني جزيل الشكر".
وصلتني هذه الرسالةُ على الإيميل. ابتسمتُ دهشةً من مفارقة أن كاتبًا بصدد تأليف كتابٍ، بل سلسة كتب، يكتب رسالة كتلك! وتصورتُ أنه يودُّ أن أنقِّحَ له ما سيكتب؛ لتحريره من أخطاء الإملاء وتحسين الصوغ. فلم أعبأ بالردِّ على الرسالة، ونسيتُ الأمر.
بعد أسبوع تبددتْ دهشتي، وحلَّ محلَّها غضبٌ عارم؛ حين هاتفني ذلك "الكاتب" العربيّ صاحبُ الرسالة. في بداية المكالمة، بادرني بالمديح والثناء على رشاقة قلمي وجمال أسلوبي اللذين من أجلهما اختارني، ضمن نخبة من كبار كتّاب الوطن العربي، لإتمام ذلك المشروع. قدّم لي نفسه بوصفه كاتبًا وصحفيًّا. ثم شرح لي المطلوبَ: عليَّ أن أختار شخصيةً أو أكثر، من مشاهير العرب. ثم (أُؤلِّفُ) كتابًا عن تلك الشخصية. ثم أرسل مخطوطةَ الكتاب إلى ذلك السيد، مع تحديد المبلغ الماليّ الذي أرغب فيه، مقابلَ التأليف. هنا ظننتُ أن المتحدثَ ناشرٌ بصدد إصدار سلسلة كتبٍ عن شخصيات عربية راحلة، بأقلام كُتّابٍ معاصرين. فكرةٌ لا بأس بها لو أُحسِنت صنعًا. لكنَّ الشكَّ بدأ يساورني حين طلب مني السيدُ أن يظلَّ الأمرُ سرًّا بيننا، وأن أنساه تمامًا فور استلامي المبلغ! أخبرني أن الكتب ستخرج حاملةً اسمه هو، بوصفه المؤلف(!!!). ضحكتُ. واعتذرتُ عن المشاركة في المهزلة. فبدأ في مساومتي ومضاعفة المبلغ حتى وصل إلى رقم خيالي. فرفعتُ صوتي بحسم لأوقفه قائلة: “المكالمة انتهت يا سيد! ونصيحة مخلصة ألا تكرر طلبك مع كُتّاب آخرين، لكيلا تسمع ما لا تحبّ.” فطبّقتْ ضحكتُه الآفاقَ وهو يخبرني أنني الوحيدة التي تأخرت في الرد على إيميله؛ لهذا هاتفني. وأنه حصل بالفعل على موافقات كُتّاب، وكبار، وأنني مغرورةٌ وغير ذكية، ولا أفهم الحياة! وانتهت المكالمة.
لم أصدّقه. فليس من كاتبٍ يحترم "فكرة الكتابة وشرفَها" يوافقُ أن يُهينَ قلمَه، ويشجّع لصوص الفكر. لكنني صدّقتُ أنّ حُلمَ الكتابة يراودُ الناس. الأطفالُ يرسمون ويُغنّون ويعزفون ويرقصون. ثم تتباينُ أحلامُهم وفق مواهبهم واجتهاداتهم. يحلمُ الصبيُّ أن يغدو شاعرًا، فيقرأ آلاف القصائد، ثم ينساها، ليختبر وهجَ ما يحملُ قلبُه من جَذوة الشعر. لكنه، خلال رحلة حُلمه وقراءاته، يكون قد ضَبَط إيقاعَ اللغة في أُذُنه، من حيث ميزانها النَّحويّ والصَّرفي والعَروضيّ، ومعرفة أسرار اللغة وسحرها ومجازها. بعد كلِّ هذا الجهد والاشتغال، لا تضمنُ له الحياةُ أن يغدو شاعرًا، إلا بقدر ما يحملُ من تفرّد وتميّز وقدرة على الإدهاش. نعم، حُلُمُ الكتابةِ لم ينجُ منه أحدٌ، تقريبًا. حتى الزعماء، بعضهم لم يكتفِ بسلطان الحكم، فحاول الكتابة كيفما اتفق. بعضُهم وضع اسمَه على روايات لم يكتبها. وبعضُهم كان راقيًا مثل جمال عبد الناصر، حين أعلن عن مسابقة بين الأدباء ليُكملوا عدة صفحات كان كتبها وهو طالبٌ، كمشروع رواية عنوانها: "في سبيل الحرية". وفاز في المسابقة كاتبان هما: عبد الرحمن فهمي، عبد الرحيم عجاج. كلٌّ أكمل العملَ وفق رؤاه، وصدرت الروايتان تحملان اسميْ الكاتبين على الغلافين، مع تنويه صغير عن الرئيس.
الحلمُ حقٌّ مشروعٌ بل وحتميّ لكل إنسان. لكن الأحلام لا تسعى إلينا، بل تتأبى إلا على الساعين إليها بصدق. هذا السيد الذي قرّر استلاب عصارة إبداع الآخرين، ليضعَ اسمه على ما كتبوا، لم يفكر أن يتعلم مبادئ الكتابة دون أخطاء إملاء، على الأقل، قبل أن يقرِّرَ أن يغدو كاتبًا له مؤلَفات! وبفرض تحقُّقَ ما أراد، هل سيشعرُ بالفرح الذي يغمرُ الكاتبَ مع صدور كتاب جديد؟ وبأيّ اطمئنان سيواجه أصدقاءه حين يناقشونه في مسألة بالكتاب، أو فكرة ملتبسة تحتاج توضيحًا؟ السؤالُ: هل يشتري المالُ كلَّ شيء، كلَّ شيء، ماديًّا كان أو معنويًّا، عارضًا كان أو مبدئيًّا؟ حقًّا، كم بسطوة المال تُرتَكبُ من جرائم!
في مسرحية الإيطاليّ "لويجي برانديلو"، "ستُّ شخصيات تبحثُ عن مؤلف"، تقتحم أسرةٌ مكونة من ستة أفراد خشبةَ المسرح؛ ثم يطالبون المخرجَ بأن يجد لهم مؤلفًا مسرحيًّا حتى "يكتبهم". تذكرتُ تلك المسرحية الجميلة الآن.
قبل إرسال مقالي هذا إلى الجريدة، وصلني إيميل جديد، سأنقله لكم أيضًا دون تحرير:
"بعد ازنك يا استازة انا بكتب بعد المقالت ممكن ابعتلك حاجة اخد فيها ريك وتسعاديني انشر في جرنان المصري اليوم."! 
 
“الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”

***