شارع الحرية 21

هيثم بن محمد شطورو
2019 / 6 / 2

لماذا يُفـتـرض في الرجل ان يقـوم بالخطوة الأولى دائما؟ هكذا دوما وبتـلقائية يطلب كل من الرجل والمرأة من الرجل ان يقوم بالخطوة الأولى. كأنه سيقوم بقطف الثمرة من شجرة الرغبة ليقوم بالخطيئة. كأن المرأة مجرد ثمرة مُشتهاة، وليست كائـنا إنسانيا جديرا برغباته وبالتعبير عنها والمبادأة بها. هل يحلو للأنـثى ان تكون غلة مشتهاة، أم عادة التـفكير على هذا النحو لقرون جعلتها تـفكر في نفسها على هذا النحو وان كان ليس بادراك له بمثل هذا التحديد؟ طبعا تختـفي هذه النظرة وراء أسيجة الخجل والعفة والطهارة والكبرياء. كيف تُـرمى كل تلك الاوصاف على قارعة الاتصال بعد ذلك؟
ويبدو من الواضح أن مبعث هذه العقلية هو الغريزة، فأنثى الكلب تهرب حتى يلحق بها الذكر، ومتعتها أن ينـشب عراك بين زوج من الذكور، ثم تستسلم للمنـتصر، أي للأقوى. هكذا يمكننا تـفسير عديد السلوكيات البشرية العامة، ولكن من المُفـترض أن يبعث ذلك الخجل في الانسان الجدير ليكون انسانا بالتصرف بعقلانية منطقها الإرتـقاء الى العقل الإنساني بما هو حرية إرادة متحررة من الغريزة، ليعانق ألوهيته.
على كل، فـقـد فاجأه اللـقاء، وفاجأته دعوة منية التي تعشق كسر أوثان ثـقافة البؤس بمثل ما تسميها دوما بكل حقـد عليها. لكنه وجد نفسه حائرا لا يعرف ماذا يقول، أما سلمى فـقد كانت تُخفي من مجهولها أكثر مما تُـفصح، وها هي تمشي بكل سرور في الشارع المضاء بالمصابـيح، والمكـتـظ بالناس بألوانهم المختـلفة، وثلاثـتهم يتحدثون بخفة عن الأشياء التي يرونها حولهم، وكانت منية تـثرثر لتغطي المسافة الى غاية بلوغهم العمارة، وصعودهم الى الطابق الأول ووقوفهم أمام شقة منية، وهناك توقف الزمن قليلا، فعليه القيام بالخطوة الأولى، وهي التجرؤ على دعوة سلمى، ولكنه يخاف رفضها للدعوة مع يقينه بعدم قدرته على تكرار الطلب لأنه يؤمن في داخله بلاشرعية اختلائهما في شقة. هكذا تـقـفـز الى واجهة الوعي تحديدات ما تسميه منية بـثـقافة البؤس، برغم تحرريته العامة في التـفكير.
وكانت منية من الذكاء بحيث أدركت كل ذلك، فقالت مازحة:
ـ هل أوصلكما الى الشقة وأغلق عليكما الباب لأطمئن؟
ابتسم أحمد، أما سلمى فكانت صامتة، فقال أحمد:
ـ لا بأس أن نـتـعشى مع بعض. سأنزل لأحضر عشاء جاهزا.
قالت منية:
ـ لماذا تحضر عشاء؟ سنطبخ ونأكل من صنع أيدينا وستأكل من طبخ سلمى اللذيذ. هل لديك لحم؟
ـ عندي لحم وسمك ومعكرونة وأرز وخضار..
ـ جيد جدا. هيا...
ثم تـذكرت شيئا، فاقـتربت من احمد وقالت:
ـ أمي تحتـفـظ بقارورة دجين أتـتها هدية. سأحاول أن أنـتـزعها منها..
من الواضح أن كل ما في رغبة منية، حينها، شهواني، وأنها تريد إعادة خلق أجواء غادة بسرعة، ولكن ما يريده من سلمى شيئا آخر، إضافة الى أن سلمى سترفض ذلك، بل من شأن هذا الأمر أن يُفسد كل شيء، ومن شأنه أن يصدمها، إضافة إلى الفكرة الخاطئة التي ستـفهمه بها. قال بكل جدية:
ـ لا. سلمى ليست غادة، وأنا مع سلمى لست بمثل ما أنا مع غادة. ما يجمعني بسلمى مختلف.
وفعلا، فهو إحساس مختلف ظهر على السطح بكل وضوح ما أن أغلق الباب الذي أخفى منية عن مسرح الوجود، ليكون لوحده مع سلمى. سلمى المهتـزة المتراوحة، المتجاذبة المتباعدة، التي يـبدو انها لم تصدق نفسها في شقة لوحدها مع أحمد، وفي الليل، بل ستـنام ليلتها هناك. كيف حدث ذلك، وأي قرار فيه كان يخـتـفي في خلسة عن وعيها؟ كأنها معجزة بالنسبة لكليهما. معجزة خاطها القـدر، الذي لم يعاكساه واتبعاه بحذر من نفسيهما، وخاصة بكل حذر منها من جانبه.
استـدار ناحيتها وهي لازالت واقـفة، بعد أن أغلق الباب، فكانت تـنظر اليه بنظرة تمزج الرغبة بالخوف. قال وهو يحرك يديه على غير عادته مما يدل على ارتباكه الذي يـبدو انها قـد أدركته:
ـ لم أكن حتى لأحلم أو أتخيل هذه اللحظة. إذا نحن الآن لسنا في حلم ولسنا في الواقع، فأين نحن إذن؟ في البرزخ؟
ابتسمت، وقد طفح إحساس الطمأنينة على كل ما عداه، حتى أنها تسارعت للقول بكل تـلقـائية، ودون ان تستعمل كوابحها المعتادة:
ـ صدقـني هذا نفس ما أفكر فيه الآن.. حلوة في البرزخ هذه..
وكانت تلك التـلقـائية والصدق من كليهما هي فاتحة الانـفـتاح على بعضهما، وتحويل الخلوة الى حضور انساني ممتلئ. وقام هو بإعداد قهوة لكليهما، وهي واقـفـة الى جانبه، ومن ثم انـتـقلا الى المكتب ليشربا القهوة هناك، ولتجرب التدخين لأول مرة في حياتها، معربة بذلك عن قرارها في الانـفـتاح لرغباتها دون خجل. وبرغم السعال الخفيف في البدء إلا انها أكملت تدخين سيجارتها، وكم كانت جميلة حين تـنـفـث الدخان من شفـتيها الصغيرتين المضمومتين وعيناها تداعبان خيوط الدخان المنبعث بسرور، حتى أنها أضافت سيجارة أخرى وهي تـقول:
ـ الحداثة والتـنوير ليست أمورا غريـبة علينا كعرب ومسلمين، ودليل ذلك هو سرعة تـقبلنا لمفاهيمها وأحداثها وطرق حياتها.. في النهاية حرية المعتـقد وحرية الضمير والمساواة، كلها قد عبر عنها القرآن بكل وضوح، والعرب جسدوا، بطريقة او بأخرى، هذه القيم وقاموا بثورة في المفاهيم الإنسانية العامة. ما يغيظني فعلا هو اعتبار هذه القيم فتحا من الغرب، ولعل في ذلك ما يبرره من تخلف العرب وانحطاطهم لقرون بعد مجدهم...
وانسابت في كلام مكتـظ متسارع، وهو يتابعها بذهول. ذلك انه لم يتصور ان تكون مثـقـفة حقيقية، وثانيا أنه وجدها كأنها هو بالتمام والكمال في تـفكيرها.
قال:
ـ الفارق أن الحضارة الإنسانية اليوم أكثر نضجا وأكثر تركيزا على العقل الإنساني، وأكثر تحديدا بوضوح لهذه المفاهيم. لنـقـل انها استمرار للثورة العلمية والحضارية العربية الإسلامية والبلوغ لعالم جديد من الاكتـشافات العلمية المذهلة والانجاز الواقعي المهول من الخلق الإنساني.
ـ البروتستانـتية في بدئها هي اسلام مسيحي، حين ركزت على فكرة الله الواحد وألغت الواسطة بين الانسان والله. الربوبية كذلك. حرية المعتـقد. الحكومة العادلة عند ابن باجة والفارابي هي أصل دولة القانون. قدرة الانسان على اكتـشاف الله حين ينشأ في الطبيعة أي بدون افساد المجتمع لنموه العقلي الطبيعي في حي ابن يقضان لابن طفيل، هي أصل نظرية جان جاك روسو في ان الانسان في حالة الطبيعة أكثر سعادة ونـقاء وأخلاقية منه في حالة المجتمع الذي يفسد عقله ويلوث روحه، ومن هنا مقولة الفرد الإنساني القادر على ان يكون الحقيقة بمفرده بالتصاقه بالطبيعة..
وهكذا تواصل هذا النـقاش لنحو ساعة، حيث أذاب المسافة التي كانت تـفصل بينهما. اكتـشف كليهما مدى مطابقة الآخر له، حتى أنه قال أخيرا وهو في قمة الانـتـشاء:
ـ هذه أول مرة في حياتي أناقـش فيها انسانا فأجد نـفسي كأني أفصح عن نـفسي بشكل أجمل على لسان شخص آخر.
ثم قرر أن يتـقدم أكثر في الاعتراف، فـقال:
ـ الحقيقة أنت أنا في أنـثى ليست جميلة فـقط بل هي الجمال..
كانت تـنظر اليه وكأنها تـنـتـظر المزيد وفعلا فـقد قال:
ـ كنت على صواب حين قررت هذه المرة في حياتي أن أتبع نداء القلب. انه يـُبـصر ما يقصر الوعي عن رؤيته. لم أكن أتصور أن أجد أناي الأخرى فعليا.
قالت وهي تلامس خصلة من شعرها الأسود الجميل:
ـ عدم الثـقة في القلب هو عدم الثـقة في الله.
رأى في استدعاء الله احضارا للمعطى الأخلاقي وكأنها تخاف ما يمكن ان تأخذ هذه الكلمات في الحب الى ما يضاد الأخلاقية. قال:
ـ أنا أتصور أن ابليس أكثر الملائكة ايمانا بالله بإصراره على مخالفة أمر الله بعدم السجود لغير الله وبالتالي هو الأقرب الى الله. الإيمان القوي بالفكرة يجعلك تـتمرد على أمر صاحب الفكرة أحيانا.
ضحكت، وقد فهمت بالتمام ما يقصده، فقالت:
ـ كيف تسجد النار للأديم والتراب يطفئ النار؟ آدم يريد أن يُسجد له مثل الله. ابليس صنيعة الله بينما آدم هو الله في شكل آخر أديمي أرضي.. خليفة الله في الأرض.. ابليس لا يسجد الا إلى لله المجرد. الله في ذاته الذي لا يمكنـنا إدراكه..
قال بكل انـتـشاء، رافعا يديه الى السماء:
ـ برافو.. انت مذهلة..
واضطرمت النار في وجدانه بسعير عذب أفـقـده تـوازنه فـقال:
ـ أريد تـقبـيلك. هل تمانعين؟
صمتت، فـقام من كرسيه متوجها اليها ليمد لها يده فتمد له يدها الرقيقة، فينهضها ويقـتـرب اليها ويـقبلها. غابا في قبلة طويلة. غابا في العذوبة المفعمة بأريج فردوسي. غياب كليهما في الآخر، فغوص كليهما شيئا فشيئا في بحر من العذوبة، وقد صدقت فيروز حين قالت "شايف البحر شو كبير، بكبر البحر بأحبك "، وهي قبلة جعلتهما يتـناهيان الى اللانهاية في امتدادهما الروحي، الى غاية نـقـطة الذوبان في عذوبة مهولة هي الإطلاقية التي ذاب فيها الجسد نهائيا لروح التأمت بنفسها في عناق كهربته ذات سحر عظيم..
***
ثم انهارت على الكرسي مترامية وهي تـلهث بابتـسامة مبتهجة ونظرة نـشوانة وأنفاس لاهثة. أما هو فـقـد أغرقـته السعادة في انمحاء كامل لكل شيء بما فيه هو، وفعلا فـقـد طارت الأنا، وهو لايزال يتحقـق من شعوره الإطلاقي ألاشيء في نفس الوقت، وهي لحظات من الأمان النـفـسي العميق جدا جدا، حتى أنه كان يراها كائـنا ملائكيا وطيفا من نور باهر عذب يسبح في الكون اللانهائي، بمثل ما ينـتـشر هو في تلك السباحة الكونية العظمى. وما تراءى لكليهما جعلهما يقران فعلا، بأن تـلك اللحظات التي هي الأبدية في نفس الوقت، هي بمثابة ولادة جديدة لكليهما..
وما أن أدرك نفسه من جديد حتى هرع الى سيجارة يشعلها، فقد تـثاقـل رأسه وكأنه قد طار من مكانه وعاد. واستدار اليها ليعبر لها عن ذاك الشعور الرهيب الذي تملكه، والذي بدى له حقيقة الحقائق، فإذ بها تبكي.
تـفاجأ الى حد الذهول لمرأى وجهها النوراني يـبكي. جذب نفسا من سيجارته ثم وضعها في المنفضة، واقترب اليها وركع لها، ومسك يديها، وقال بنبرة ملؤها الرجاء:
ـ ما يـبكيك يا ملاكي؟
فانفجرت في بكاء أشد وأقوى، ثم هبطت اليه تعانـقه، ثم مدت ساقيها على الأرض ووضعت رأسها على حجره، فمرر كفيه على شعرها الأسود الرقيق بتـؤدة وحنان طافح. وكانت تـتكلم عن ألمها الدفين. قالت:
- كنت نائمة ونهضت من النوم فجأة. أية صدفة عمياء لا ترحم؟ خرجت من غرفتي وأمي عارية ورجل فوقها.. نعم ـ تبكي ـ صرخت.. صاحت كالجنية.. ماذا تـفعلين هنا؟ ألم أقـل لك أن الطبـيب سيأتي لعلاجي ولا تخرجي من غرفـتـك..
العلاج من ماذا؟ كان المنظر يطاردني. لم أفهم لماذا ضربتـني بتلك القسوة وكأني لست ابنـتها ولماذا كانت تسب أبي وتسبني ولماذا خرج الطبيب مفجوعا مهرولا؟؟؟ الطبيب يرتدي ملابسه بسرعة ويخرج مهرولا بشعره المبعثر.. تضربني وتضربني..
تغطي خديها بكـفيها وتردف قائـلة:
ـ يا إلا هي.. لم أفهم إلا فيما بعد حين كبرت.. أمي زانية.. تمارس الجنس مع رجل غريب وتضربني وأبي الطيب لا يعلم شيئا.. أمي عاهرة وأختي فاطمة عاهرة..
ضمت وجهها بكفيها ورأسها يتحرك بتوتر يمنة ويسرة..
ـ يا الاهي. فاطمة.. أمي.. لا. لا.. لم تضربني.. لم أضربه.. لم أصرخ.. لم أناد أبي ليرى ابنـته الزانية تمارس الجنس مع صديقها.. لا. لا.. لم أناد أبي ليرى ابنته عارية وزوجته عارية.. لالا.. عارية، عاهرة، ليرى أمي عارية، عاهرة.. لا. لم أقـتـل فاطمة.. لم أقـتـل فاطمة..
بقدر ما أذهلتـني كلماتها وارتجت لوقعها مكامن نفسي بقدر ما أشفـقـت عليها وتـفجرت ينابـيع الحنان تجاهها والحب والرأفة والتوقد التام لكل كياني. ماذا أقول عنها؟.. مسكينة؟ لا. مظلومة؟ نعم. ضحية لجريمة زنا حولتها أمها لتـقبع في نفسها كمسئولة عنها..
تمسك يدي وترفع رأسها وتضغط على يدي أكثر فأكثر وتجهش بالبكاء وأنا صامت إلى أن قالت:
- أحمد حبـيـبي. أحبك. أحبك. أحبك.. لا تـتركني.. أحبك..
- لن أتركك يا حبي..
ثم تـنـظرني متـفرسة بنظرة غريـبة قرأتها في كونها تـشتبه في مصداقيتي، أو ربما رأتـني الرجل الزاني مع أمها. حينها خطرت لي فكرة أن أستغل معارفي في التحليل النفسي، وها أنا قد قررت أن أكون "فرويد" نفسه، فـقـلـت:
- إذن. أنت المتـسبـبة في الانـتحار.
أبعدت رأسها وغطته ثانية وهي تـقول:
- أمي. أمي هي السبب.
كانت النتيجة أسرع مما كنت أتوقع. قلت وأنا أشد على يديها:
- بالضبط. هذا ما يجب أن تعترفي به. أنت بريئة، طاهرة، قديسة. أنت ضحية الانهيار والانحطاط والنفاق. أنت ضحية أم مريضة جبانة نخرها السوس. لم تـتسبـبي في قـتل أختك وإنما عقـلك الباطن صور لك ذلك لأنه حملك الخطيئة السابقة في الطفولة حين لم تخبري أباك بما اقـترفت أمك، خوفا منها. كنت تريدين الانـتـقام لأنها ضربتك بقسوة لأمر لم تكن تعلمين جرمه إلا حين كبرت. حين انتحرت أختك خُيل لك أنك أنت التي ناديت أبيك ليرى أمك لأن رغبتك الحقيقية كانت متمثـلة في أن يكشف جرم أمك وليس جرم أختك إن كانت فعلا قد أجرمت. الذي وقع هو أنك لم تخبري أباك بالماضي فخيل لك أنك قد أخبرته في الحاضر، لأنك تعتبرين نفسك خائـنة لأبـيك ومشاركة لخيانة أمك بالسكوت. ويا للأسف. كانت فاطمة أصغر منك وربما هي المدللة أكثر منك وبالأساس فهي لا تعاني أرقـك الدائم تجاه الجنس والخيانة فكنت تكرهينها رغما عن نفسك وشفيت غليلك لموتها، فهي من جهة قد دفعت فاتورة تحررها من عـقـدتـك، ومن جهة أخرى دفعت فاتورة الخيانة القديمة لأمك، إلا أنك كرهت نفسك لارتياحك لموت أختك. أمك هي المجرمة في الماضي وهي المجرمة في الحاضر لأنها سمحت لأختك أن تصطحب صديقها إلى البيت ولما رأتهما عاريـين يمارسان الجنس دفعتها رغبتها في أن تكون في مكان أختك ورغبتها في التخلص من إحساسها بذنبها السابق أن تـنادي أباك، وعندها طارت فاطمة إلى الشرفة ولحقها صديقها ليمنعها من الارتماء إلا أنها في فورتها تلك سحبته إلى الموت معها.. أنت بريئة. أنت قديسة. أنت طاهرة..
نظرة متلألئة من عينيها المتـقـدتين المغرورقـتين بالدموع. تـقبلني في خدي ثم في جبـيني ثم تضع رأسها على صدري وتـتـمتم:
- أنا بريئة. بريئة.. أحبك.
***
كيف تـفجرت الحقيقة من داخلي؟ لا أعرف كيف. انه الحدس وليس المعارف في التحليل النفسي، إلا بقدر ايماني باللاوعي وما ترسخه احداث الطفولة من بنيان أساسي للشخصية. كانت سلمى كأنها نائمة في تأمل لذاتها على ما أتصور، وهي اللحظات التي كانت تـتـخلص فيها من تلك اللوثة النفسية التي حاكت مجمل عناصر الكآبة التي لا تـتـفـق مع جمالها ورونـقها ورغبتها في الانـفـتـاح.
رأيت أن أتركها لوحدها قليلا، فنهضت من عندها وأشعلت سيجارتي التي كان حريقها لذيذا جدا يحاكي ثورتها اللذيذة على نفسها، وخرجت الى الشرفة لأستمتع بعلوي على العالم من خلالها وكأني إلاه. ولكنها لحقـتـني. التصقت بي وهي تـقول:
ـ لهذه الشرفة تاريخ في حدسي الشخصي. تـشهد هذه الشرفة تحرر روحك من عالمك الواقعي الشهواني. انها تـشهد معانـقـتـك للأبدية. انها تـشهد اضطرامات قـلبك شوقا للروح وللحب الروحاني العميق. كنت تـنادي من خلال هذه الشرفة لحبـيـبة القـلب الآتية من وراء النجوم ومن وراء هذا العالم. أليس كذلك..
غريب. كل ما فيها غريب، وأكثرها غرابة هو تعبـيرها عني بالتمام والكمال، فكنت مأخوذا بالذهول، فضممتها وعانــقتها وقبلتها في فمها، كما ان الأكثر غرابة هو انقلابها التام نحو التهافت علي بكل قوة. قبلتها هذه المرة صاعقة، ووجهها سطع بنور خلاب تـشرق منه ابتسامة عذبة ورائحتها اللذيذة أسكرتـني، ولم نـقدر على فصل أنـفسنا عن أنـفسنا، ومن الأكيد ان بعض المارة قد انـتـبهوا الى عناقـنا وقبلاتـنا، ولكننا لم نفكر في ذلك أبدا، بل تـدحرجنا شيئا فشيئا الى داخل الشقة في عناق وقبل ولمسات، ثم تهاوينا على الفراش، ثم سطع ضوء جسدها الأبيض اللين الرقيق شيئا فشيئا حتى غدت عارية تماما، واندثرنا في تـشبث أحدنا بالآخر، واندحرنا كليا في شهوة خارقة، تحسست فيها لانهائية الجسد نفسه، في سحر ملمسها وضوئها الساطع الخلاب، وانصهاري فيها، وتـذبذب كل كياني من خلال تـذبذب كل كيانها، وها أنا ألعقها كلها بلساني، وكأني أترشف الفردوس برمته، وها أنا لديها جسدها يتـفجر لـذة وحرقة وذوبانا وشهوة خارقة ومتعة عظيمة مهولة ذوبتـني في شهدها كلية. كانت شيئا آخر. كانت شيئا آخر بالتمام والكمال. كانت شيئا آخر. لا أعرف كيف أصفه، واللغة كلها تعجز عن وصف ما كان. فقط هي اللانهاية على تخوم الجسد النهائي. بل الجسد هو نفسه أزلي لانهائي خلافا لمعتـقداتي..

** إنــتـــهــت