التكسير في ديوان -زغب الأقحوان- إدريس علوش

رائد الحواري
2019 / 6 / 1

التكسير في ديوان
"زغب الأقحوان"
إدريس علوش
نحتاج أحيانا إلى كتابات غير صريحة، إلى أشياء متداخلة، غامضة، لكنها توصل الفكرة، وتوصلها بشكل أكثر وقعا على المتلقي، في قصيدة "كنعان زغب الأقحوان، والمهداة إلى عز الدين المناصرة نجد هذا المقطع:
"كنعان
لغة
تشابكت بخراب الأرض /
عرصات
ورحلت تيه الأحلام نبيذا
حزينا يراقب عهر الأقداح
الوثنية ...
... ... ...
... ... ..." ص27.
بداية المقطع إلى كلمة "الأرض" تعطينا فكرة الخراب، لكن من كلمة "رحلت" إلى "الوثنية" لا نستطيع أن نجد فيها شيئا واضحا نستطيع أن نبني عليه فكرة/مضمون يساعدنا على الوصل لما يريده الشاعر، ، من هنا علينا أخذ المقطع كامل، ونتقدم إلى الكلمات بمعناها المجرد، لنصل إلى ما يريده الشاعر، فكلمات: " و"كنعان، لغة، الأرض، الأحلام، نبيذ، الأقداح" تعطي مدلول أبيض، وكلمات: "بخراب، عرصات، تيه، حزينا، يراقب، عهر، الوثنية" لها مدلول أسود، ونستطيع إيجاد علاقة بين "كنعان والأرض واللغة، تشابكت" من جهة وبين "ورحلت، وتيه، الأحلام، حزنا، يراقب، عهر، الوثنية" من جهة أخرى.
هذا على مستوى الكلمات، أما على مستوى الشكل الذي قدم فيه المقطع فنستطيع أيضا أن نأخذ منه فكرة عن مضمون القصيدة، فهناك تناسق في كنعان إلى الأرض، لكن بعد الشطرة المائلة، نجد كلمة "عرصات" في موضع شاذ، في أخر السطر، كما أن معناها قاس وثقيل على القارئ، كما هو الحال في "عهر"، وإذا ما أخذنا النقاط التكملة والتي جاءت طويلة نسبيا، ينقلب المضمون الغامض/المعقد إلى أفكار تحمل مفهوم البياض والسواد بشكل واضح.
ويقول في مقطع آخر:
"كنعان
امرأة من زغب الأقحوان
هجرت موتها
لأرض
غير الأرض
التي تمشي
غليها الأقدام/
أرض
تخفي ظلها في أقراط
الأحبة
وشرخ اليباب ...
..." ص30.
البياض جاء في كلمات "كنعان، امرأة، زغب الأقحوان، الأرض، أقراط، الأحبة" والسواد جاء في "هجرت، موتها، غيلها، الأقدام، تخفي، شرخ، اليباب" لكن يستوقفنا تكرار كلمة الأرض ثلاث مرات، التي سبقها كلمة "المرأة" وكأن أثر المرأة على الشاعر جعله (أسير) كلمة الأرض البيضاء فكررها، وكلمات: "بخراب، عرصات، تيه، حزينا، يراقب، عهر، الوثنية" لها مدلول أسود، وإذا ما خذنا "زغب الأقحوان" نتأكد ان حضور المرأة له أثر جميل وهادئ على الشاعر، لكن هذا كله لا يخفي/يزيل/يمنع حالة الألم والقسوة التي تسيطر عليه، وإذا ما أخذنا الشكل الذي قدم به المقطع، نجده متناسق إلى كلمة "تمشي" والتي يحصل بعدها تكسير لشكل التقديم فجاءت "غليها الأقدام" خارجة عن المألوف، والتي لها مدلول أسود، وهناك خروج ثاني "الأحبة، وشرخ الأقدام" وهو خروج متوازي، يتساوى فيه البياض مع السواد، ونجد النقاط التكملة أقل من سابقتها، وهذا يجعلنا نشعر أن حالة القسوة والألم التي يمر بها الشاعر أخف وطأة من المقطع الأول، وهذا ناتج عن حضور المرأة التي منحت الشاعر شيء السكون والهدوء.
وفي مقطع آخر يقول:
"كنعان..
لغة
ترسبت غبار التاريخ
أزمنة تجمهرت حولها قوافل التعب
رياح عاصفة أجهشت برمل
القفر ...
..." ص33.
المضمون أسود بالتأكيد، والسواد يهيمن على المقطع، وهذا يعود إلى افتقاد الشاعر لألفاظ/كلمات تخفف من حدة المشهد عليه، فكانت الغلبة للسواد الذي نجده في مضمون المقطع، وفي كلمات: "ترسبت، غبار، تجمهرت، التعب، رياح، عاصفة، أجهشت، برمل، القفر" وإذا ما أخذنا شكل تقديم المقطع نجد فيه خروج عن الانسجام في ككمة "القفر" ومن هنا هذه يمكننا القول أن حضور المرأة في المقطع الثاني اعطا الشاعر شيئا من الهدوء النسبي، على النقيض من المقطع الأول والثالث، فقد جاءا بسواد شبه قاتم.
وتأكيدا على الأثر الايجابي للمرأة نأخذ مقطع غابت به المرأة كليا فكان بهذا الشكل:
" ـ كنعان
لغة اللغة القتلى
ـ كنعان
أسفار موغلة في الرحيل
ـ كنعان
عناد الحروب الأولى
توسدت كلمات السرب
ـ كنعان
خيمة تدق أوتداها
في جراحات القلب
ـ كنعان
اغتراب الروح في الجسد
يمتلك وجه العراء ...
..." ص36.
حجم السواد كبير جدا، حتى أننا بالكاد نجد كلمات بيضاء، فهناك "القتلى، موغلة، الرحيل، الحروب، السراب، خيمة، تدق، أوتداها، جراحات، اغتراب، العراء" وكأن "كنعان" هي من تسبب للشاعر بهذا الألم، لكنها ليست "كنعان" نفسها، بل الواقع الذي تعيشه "كنعان" انعكس على الشاعر، فتوحد معها، فأمسى حاله كحالها، وهذا التوحد نجده في تكرار كلمة "كنعان" خمس مرات، فكلنا يعلم أن التكرار يشير إلى حالة التوحد بين الشاعر واللفظ المكرر.
وإذا ما توقفنا عند الألفاظ المذكرة نجدها تعم المقطع السابق إذا ما استثنينا ألفاظ: "لغة، خيمة، كلمات" وهذه السيطرة لألفاظ المذكر تشير إلى حالة القسوة والشدة التي يمر بها الشاعر، من هنا نجده يركز على المذكر/الأبوي، متجاهلا النعومة والهدوء في المؤنث.
لكن في مقطع آخر، المرأة تمنح الشاعر شيء من السكون:
كنعان...
التيه يأخذني إليك
كليل يودع سدوله
لو أن موتي يهدهد
حديقة الموتى
لاخترت قبري
بين نهدي كنعانية
الخلخال
ونمت...
..." ص42.
لم تأتي المرأة بصورة كاملة/واضحة، بل تم الاشارة إليها من خلال "إليك، نهدي، الخلخال" لكن حضورها الايجابي نجده في لفظ "يهدهد" الذي جاء بحروف متماثلة، وهذا يشير إلى حالة التوحد التي يمر بها الشاعر، "فهي/إليك والنهد والخلخال" تجعل الشاعر يطلب الرحيل الأبدي، ليتخلص/يتحرر من ألمه ووجعه، وإذا ما توقفنا عن ألفاظ "موتي، الموتى، قبري" نجد فيها دلالة على قوة وحضور المرأة، فالبياض في "إليك/الخلخال/النهد" يتوازى/يتساوى مع "موتي، الموتى، قبري"، وإذا ما توقفنا عند نقاط التكملة والتي جاءت في المنتصف، يمكننا القول أن شكل التقديم منسجم تماما مع الألفاظ ومع المضمون.
أحيانا نجد الشاعر تعب/يأس من واقعه، فيريد أن ينتهي بجانب المرأة، فهي من تمنحه الهدوء والسكينة:
"نلقي
بأشلائنا
وتجمعنا مشاتل القبل
كأننا نعيد الخليقة
إلى نصب ذاكرة العواصف
لترتاح الريح...!" ص39.
مضمون المقطع فيه شيء من الفرح الموحى إليه للمرأة من خلال "وتجمعنا، القبل"، وكأن الشاعر وصل إلى حالة اليأس/القنوط المطلق، فلم يعد يرغب في الحياة، من هنا نجد لفظ "لترتاح الريح" ولهذا نجد شكل التقديم عادي ولا يوجد فيه تجاوز/خروج عن انسجام شكل التقديم.
وفي قصيدة "قميص الأشلاء" نجد حالة تكسير أخرى:
"والحديقة الحبلى
بأشجار السرو
تعبرني كئيبة
عل المقبرة الملأى
بأسرار الموتى
تتطابق وأسراري ...؟!!" ص66.
من المفترض أن يعبر الشاعر الحديقة، لا أن تعبره هي، وهذا الانعكاس في العبور يشير إلى حالة الاضطراب التي يعيشها، فهناك "الحبلى، والسرو" من جهة، و "كئيبة، المقبرة والموتى" من جهة أخرى.
ويحدثنا الشاعر عن أدواته "الكلمات، الحروف، القصائد":
"يا إغفاءة
تراقص الوراء شبرا
وقلعة الحروب مائلة
كشاهدة
لحروف تعشق القطاف
والكلمات
قصائد مائلة للصمت ..
والاغتراب
يسحب الأحلام نحو الطيش .." ص68.
ادوات التخفيف والتهدئة المرأة، الكتابة، الطبيعة، التمرد، والشاعر هنا يستخدم احدى تلك الأدوات والوسائل، فجاء هذا المقطع أقل حدية، وفيه شيء من الفرح والبياض" تراقص، تعشق، الأحلام" ونجد أن شكل التقديم جاء منسجم تماما ودون وجود أية خروج عن انسجام وتناسق.
القصيدة الأكثر تكسيرا كانت "مدن تراءت.." والتي نجد فيها العديد من تجاوز/التمرد على شكل التقديم:
مدن
من شرفة الخريطة
تراءت/
مطرا
يشاكس الوشم
والأحرف اليانعة
للريح
رتلت انكسار الاسم
/... ... ... س
/... ... ... ب
/ ... ... ... ت
ـة ... ...
ارجتلت
برزخا ليلكيا
يعبر الماء
ضفتيه.." ص82و83.
غموض يكاد يكون كاملا، بحيث لا يستطيع القارئ أن يصل/يمسك الفكرة التي أراد تقديمها الشاعر، لكن طريقة التقديم والانكسارات بعد الشطرة المائلة، ونقاط التكملة، توصلنا إلى حالة التمرد على شكل التقديم، ومن ثمة نصل إلى فكرة الاغتراب/القسوة/الألم التي يمر بها الشاعر، فقد اختار الثورة/التمرد على شكل التقديم ليريح نفسه مما علق بها.
وإذا ما توقفنا عند "مدن، الخريطة، وجمعنا حروف "س، ب، ت، ة" نحصل على سبتة" وهذا يعطينا فكرة المدن عند الشاعر، فهو يراها مكسرة ومبعثرة، ومن الصعب جمعها/توحيدها.
من هنا نجد أن الشاعر استخدام ادوات التهدئة المرأة، الكتابة، لكنه لم يستطع ان يتحرر من السواد والألم، فقد كانت وقع الحال عليه أشد من أن يصد بهذه الادوات، فكان التمرد/الثورة على شكل تقديم القصيدة هو الوسيلة المناسبة لهذا واقع.

الديوان من منشورات دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة الأولى 2010.