في السياسة والدين

سعيد الكحل
2019 / 6 / 1

حوار لفائدة جريدة الأحداث المغربية في موضوع السياسة والدين
تعتبر العلاقة بين الدين والسياسة من أكثر المواضيع التي أسالت الكثير من المداد وكثيرا من الدماء أيضا على مر العصور وفي جميع الحضارات. وقد ألف العديد من الباحثين كتبا تتناول شكل هذه العلاقة وحدود التقاطع بينهماوتفرق الناس بين من ينادي بالتماهي والتزاوج بين الدين والسياسة.
إذن لماذا هذا الاهتمام المتزايد؟
هناك عوامل سياسية واجتماعية وإعلامية وغيرها تفرض الاهتمام والتساؤل حول العلاقة بين الدين والسياسة . فكما يعلم الجميع أن البلدان العربية والإسلامية تشهد تمدد تنظيمات الإسلامي السياسي وسعيها للسيطرة على الشأن العام وفرض نمط تديّنها ومشروعها السياسي والاجتماعي والثقافي على المجتمعات . وتستفيد هذه التنظيمات من التمويل الخارجي وتواطؤ الأنظمة السياسية وضعف الخدمات الاجتماعية للدول ، فضلا عن الآلة الإعلامية التي تمكّن هذه التنظيمات عبر شيوخها من اقتحام البيوت وترويج خطابها الديني المناهض للحداثة وللحريات والحقوق والمبشر بعودة دولة "الإسلام" وتطبيق الشريعة . إن مناهضة الحداثة والحريات والديمقراطية أهداف تتقاطع عندها الأنظمة الحاكمة والتنظيمات الإسلاموية ، وهذا الذي أدى إلى تواطئهما لمواجهة مطالب الشعوب بالحريات وبالديمقراطية .ومن غايات هذا الاهتمام بالعلاقة بين الدين والسياسة هو إظهار المخاطر التي تتهدد حاضر ومستقبل الشعوب العربية/الإسلامية في حالة استمرار التداخل والارتباط بين الدين والسياسة . ذلك أن الارتباط بينهما يخدم الاستبداد ويشرعنه .ويكفي ما أضاعته شعوبنا من فرص تاريخية للانتقال إلى الحداثة والديمقراطية .
إذن ما هو الدين ثم ماهي السياسة؟
الدين والسياسة مجالان منفصلان ومختلفان في المنطلقات والأهداف والوسائل والمعايير . فالدين هو عقيدة تقوم على الإيمان والتسليم بالوحي ، أي الخضوع وتنفيذ الأوامر والنواهي الإلهية . لهذا مجال الدين هو الروحي الذي تؤطره الحقيقة المطلقة الموحى بها والتي لا تحتمل التردد أو الشك أو النقد أو التعديل والمراجعة . بينما السياسة مجالها الواقع والمجتمع والدولة ، أي ما ينتجه الناس في العلاقة فيما بينهم . وما ينتجه الناس من ممارسات وقرارات يظل نسبيا قابلا للمراجعة والشك والنقد والمعارضة . من هنا تختلف أهداف الدين عن أهداف السياسة . الدين يهدف إلى تحقيق السمو الروحي والانسجام الداخلي والرقي الأخلاقي للمؤمنين ويُعدّهم للحياة لما بعد الموت . بينما تهدف السياسة إلى خدمة مصالح المجتمع أو فئات معينة أو طبقات اجتماعية محددة . والاختلاف في الأهداف يستتبعه الاختلاف في الوسائل . فالدين يعتمد الوعظ والإرشاد والدعوة بالتي هي أحسن بينما السياسة تعتمد المنافسة بين البرامج والصراع بين المصالح ، وما دامت المصالح متغيرة وفئوية فإن الوسائل أيضا متغيرة . وإذا كانت غاية الدين إسعاد المؤمنين وجعلهم ينالون رضا الله ليدخلوا الجنة ، فإن غاية السياسة تحقيق المصالح وتوفير الخدمات إما لعامة المواطنين أو لفئات منهم . لهذا تعتمد الأحزاب السياسية كل الوسائل التي تسمح لها ببلوغ غاياتها بما فيها تلك التي يحرّمها الدين كالتدليس والاحتيال والنصب والتزوير والكذب . فشعار السياسة "الغاية تبرر الوسيلة". من هنا تستغل إما الأنظمة الحاكمة أو تنظيمات الإسلام السياسي الدين للتأثير على موقف المواطنين أو استقطاب أصواتهم الانتخابية . ويكفي التذكير هنا بالشعار الذي رفعته جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر خلال الحملة الانتخابية سنة 1991 مؤداه أن من يصوت على جبهة الإنقاذ يدخل الجنة.
هناك من ينادي بالفصل التام والطلاق البائن بينهما لأن الأول مقدس والثانية اجتهاد بشري محض. وبين التيارين الراديكاليين إن جاز التعبير، نجد فرقا بينهما تمسك العصا من الوسط ، كيف ذلك؟
لنعرف أولا أصل الإشكال بين الدين والسياسة . الدين من حيث كونه عقيدة وقيما وأخلاقا فاضلة لا يطرح أي مشكل سياسي ، فقد جاء لتحرير الإنسان من أية عبودية لغير الله. لكن السياسة التي تبيح استعمال كل الوسائل لتحقيق مصالح المشتغلين بها ، حين ترتبط بالدين فإنها تحوّله إلى إيديولوجيا ، أي تنقله من مجال العقيدة إلى مجال الصراع والتنافس فيصير أداة تخدم الأهداف السياسية . معنى هذا أن السياسة توظف المشترك الروحي بين أفراد المجتمع لتمزيق وحدة نسيجه . فالدين لا يقدم تصورا سياسيا لنظام الحكم ولا حلولا للمشاكل التي تعيشها الدولة ، لكن الأحزاب الإسلاموية توظف الدين للنصب على المواطنين والاحتيال عليهم ومناهضة الحقوق . فحين ناهض الإسلاميون مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية وظفوا فيه الدين توظيفا خسيسا واحتالوا على المواطنين وكذبوا عليهم لتعبئتهم ضده . ونفس الأمر في قضايا أخرى كالحريات الفردية وحرية الاعتقاد والمساواة في الإرث بين الإناث والذكور وزواج القاصرات والإجهاض الطبي الإرادي الخ . وعلى امتداد التاريخ الإسلامي ظلت الأنظمة الحاكمة تستغل الدين وتوظفه لخدمة الاستبداد . لهذا كل ارتباط بين الدين والسياسة يقود حتما إلى الاستبداد وشرعنته . فحين حارب الخليفة أبو بكر ثم عمر رافضي دفع الزكاة لم يحاربهم كمعارضين سياسيين بل اتهمهم بالردّة ،وكان هذا أول توظيف سياسي للدين في تاريخ المسلمين .
إشكاليةُ العلاقة بين الدّين والسياسة، وحدود دوائر الاتصال أو الانفصال بينهما أصبحت من المحدّدات الفكرية لهوية الأحزاب وتصنيف الجماعات، وأنّ تحرير هذه الإشكالية في جانبها “النّظري” و”العملي” أصبحت ضرورةً حتميةً لمستقبل الدّول والشّعوب العربية والإسلامية، وهي لا تعني “الأنظمة” فقط، بل تعني “الأحزاب” أيضا، ما رأيك في هذا؟
إن هذه الوضعية هي من مخلفات الحرب الباردة حين وظفت الأنظمة العربية الدين كإيديولوجيا لمواجهة التأثير الفكري والإيديولوجي للمعسكر الاشتراكي على مجتمعاتها .هنا شجعت هذه الأنظمة الجماعات الإسلاموية ودعمتها وسمحت لها بالتغلغل في المجتمعات . كانت المصلحة تقتضي تقاطع الأنظمة السياسية مع هذه التنظيمات الإسلاموية حتى غدت تنافسها وتصارعها وتهدد وجودها . وبسبب الضغط والابتزاز اللذين تمارسهما التنظيمات الإسلاموية على الأنظمة الحاكمة ، اضطرت هذه الأخيرة إلى منافستها في التأسلم ، أي إظهار "إسلاميتها" أكثر من ذي قبل (إطلاق قنوات دينية رسمية ، تبني رسميا لفتاوى التكفير والتشدد (فتوى المجلس العلمي الأعلى في المغرب لفتوى قتل المرتد) ، تبني سلطان بروناي تطبيق أحكام الشريعة ، تبني حكومة ماليزيا تطبيق الشريعة في الولايات التي تطالب بها ..) كما تحالفت أنظمت سياسية مع تنظيمات الإسلام السياسي (جعفر النميري ثم عمر البشير في السودان ، أنوار السادات في مصر ، علي صالح في اليمن ..).
إن استمرار هذه الوضعية لا يهدد فقط الأنظمة الحاكمة ولكن أساسا استقرار وأمن المجتمعات . ولا سبيل لمواجهة هذه المخاطر إلا باعتماد الدولة المدنية ودسترتها كما فعلت تركيا مع مصطفى أتاتورك ثم تونس حاليا . فالدولة المدنية هي أفضل حل ، بحيث ينص دستورها على مدنية الدولة ومدنية قوانينها وتشريعاتها ولا يتدخل فيها الحكم الشرعي من حلال وحرام ومباح . إذ لا يحق لأي جهة أن تصدر حكما فقهيا على قوانين الدولة وتشريعاتها التي تضعها المؤسسات الدستورية المنتخبة . فالناس أدرى بشؤونهم الدنيوية . وحتى الرسول الكريم فصل فصلا تاما بين الديني والدنيوي في الحديث المشهور ( ما كان من أمر دينكم فردوه إلي وما كان من أمر دنياكم فأنتم أدرى به) فالرسول بيّن للمسلمين أنه جاء بوحي سماوي يوضح لهم كيفية عبادة الله ولم يحمل لهم تعاليم توضح لهم كيفية إدارة الدولة وبناء الاقتصاد وإدارة الشأن العام ، لأن مجال الدولة والدنيا يتطلب الخبرة والدراية والتجربة والاستفادة من خبرات وتجارب الشعوب والحضارات .وحين أمر الرسول المسلمين بطلب الحكمة ولو في الصين لم يطلب منهم أخذ المعتقدات الدينية من هناك ، بل الخبرة والدراية والتجربة العملية . ولا شك أن وصول تنظيمات الإسلام السياسي إلى السلطة وتمكّنها من الدولة سيجلب الخراب والمآسي . لهذا على الأنظمة السياسية الحاكمة أن تتحالف مع قوى الحداثة والديمقراطية لتسريع الانتقال الديمقراطية وإقامة الدولة المدنية ؛لأن هذا التحالف سينقذ الأنظمة نفسها قبل المجتمعات .
هل يمكن الجمع بين الدين والسياسة؟
تبعا لمعطيات التاريخ الإسلامي وتاريخ الشعوب ، فإن الجمع بين الدين والسياسة يقود بالضرورة إلى شرعنة الاستبداد وإعطاء المسوغات الدينية للحاكم لتبرير استبداده بالرأي والقرار . فالحاكم في هذه الحالة يصير حاكما بالحق الإلهي ومن يعارضه فهو يعارض الدين ويعارض الأمر الإلهي (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ، وللحاكم ما يكفي من النصوص الدينية التي يمكن تأويلها إيديولوجيا لخدمة حكمه وتصفية معارضيه . فالخميني أعدم آلاف المعارضين ولازال نظامه يُعدم بناء على فتاوى إيديولوجية بخلفية دينية . وآخر هذا الاستغلال السياسي للدين ما ذكره قائد الانقلاب في السودان ضد عمر البشير من أن هذا الأخير أعطاه الأمر بقتل ثلثي السودانيين الذين ثاروا على حكمه بناء على فتوى للمذهب المالكي التي تبيح قتل الثلثين ليبقى الحاكم في منصبه . لهذا يبقى الفصل بين الديني والسياسي في تدبير الشأن العام وإدارة الدولة أمرا جوهريا لإرساء أسس الدولة المدنية الحديثة والديمقراطية .
هل يمكن الحديث عن دولة دينية؟
لا يكفي أن يكون للدولة دستور ومؤسسات تشريعية منتخبة لتكون دولة مدنية . وأي دولة ينص دستورها على جعل الإسلام مصدرا رئيسيا للتشريع أو لا دستورية القوانين التي تخالف الأحكام الشرعية ، فهي ليست دولة مدنية صرفة حتى وإنا كان لها دستور يماثل دستور سويسرا . ذلك أن دسترة سمو التشريعات الإسلامية يخلق وضعية مزدوجة بحيث تتعايش الدولة الدينية والدولة المدنية في دولة واحدة . وتقوم الدولة الدينية بنفس الأدوار التي تقوم بها "الدولة العميقة" في فرملة الانتقال الديمقراطي وإرساء دولة الحق والقانون وسمو حقوق الإنسان في بُعدها الدولي . وهذه الوضعية تقوي سلطة التنظيمات الإسلاموية وتزيد من ضغطها على الحكومات حتى لا تتبنى الحقوق والحريات التي هي أس الدولة المدنية . والأمثلة كثيرة في تجربتنا المغربية وكيف تتصدى التنظيمات الإسلاموية لمشاريع القوانين أو مطالب التيار الحداثي والجمعيات الحقوقية والنسائية وآخرها المطالبة بالمساواة في الإرث .