الاسلام مشكلتنا وليس مشكلة الغرب - القسم الثالث

صالح بوزان
2019 / 5 / 30

حين يبرر الاسلام قتل الأم

كنا نعيش في سوريا منذ أكثر من نصف قرن في مجتمع اسلامي معتدل نسبياً، لا يعرف الصراعات الدينية والطائفية. لم يكن السبب الجوهري أن النظام الديكتاتوري البعثي له أيدولوجية خاصة لقمع المواطن والفكر والفن والأدب، بل لأن طبيعة المجتمع السوري الذي تشكل منذ الاستقلال عام 1946على قوانين المستعمر الفرنسي جعل هذا المجتمع يسير باتجاه صحيح رغم تخلفه. أخذ السوريون، بغض النظر من كان يصلي ومن لا يصلي، يرددون عن قناعة أن الدين لله والوطن للجميع. لم يكن هناك مسلم سوري لا يعتبر فارس الخوري المسيحي وطنياً بامتياز(رئيس الوزراء عام 1944). علينا أن نخرج من ديماغوجية الشعارات وأن نعترف بأهمية الاستعمار الفرنسي الذي دام ربع قرن في سوريا. فبالرغم من انتفاضات الشعب السوري ضد هذا المستعمر، وبرغم كل انتقاداتنا للفكر الاستعماري، فإن الفرنسيين لم يخلفوا وراءهم مجتمعاً سورياً يعيش في صراعات دينية أو طائفية أو قومية. لقد تركوا خلفهم قاعدة فكرية وقانونية وادارية تعتبر ثورة على الإرث العثماني المتخلف. وأنشأوا برجوازية وطنية متنورة نسبياً. زد على ذلك أن أغلب المثقفين السوريين كانوا يفرقون عندئذ بين فكرة الاستعمار وحضارة هذا المستعمِر.
ماذا الذي حدث في هذا المجتمع؟ ولماذا وقع في هذه الهمجية من الحروب الطائفية التي حولت سوريا إلى بلد مدمر ومقابر جماعية؟
في آذار 2011 قامت بعض المظاهرات السلمية في المدن السورية مطالبة بالاصطلاح. قوبلت هذه المظاهرات من قبل النظام السوري بوحشية، مما جعل كبار السن من السوريين يترحمون على الاستعمار الفرنسي. وفجأة ظهرت حركات اسلامية راديكالية لم يتوقعها أحد في قلب هذه المظاهرات، وتحولت ثورة الاصلاح إلى ثورة التدمير. استعادت هذه الحركات الاسلامية بسرعة عجيبة العصور الاسلامية التاريخية بكل تفاصيلها. التفتت جماهير واسعة حول القائد الاسلامي الأصولي القادم من التاريخ المنسي "ثائراً" يقود حركات جهادية متنوعة، كحركة جبهة النصرة والدولة الاسلامية(داعش) وحركة الاخوان المسلمين. وفجّر هؤلاء القادة صراعاً دينياً وطائفياً أكثر همجية في عصرنا.
سأختار حدثاً واحداً لأبين مدى السقوط القيمي والأخلاقي والانساني الذي انزلق إليه المجتمع السوري خلال السعي للعودة إلى إسلام "السلف الصالح".
قام شاب في العشرينات من عمره بذبح أمه بتهمة الردة أمام جمهرة من رفاقه الدواعش عند مبنى البريد الذي تعمل فيه أمه في مدينة الرقة، ليبرهن لهم ولجميع السوريين مدى إخلاصه لدينه الاسلامي السني ولدولته الإسلامية الجديدة تحت راية الخلافة المستعادة. ونشرت أحداث أخرى شبيه حين قام الأخ بقتل أخيه.
توجد في تاريخ البشرية قصص قتل الأبناء للآباء من أجل السلطة أو الثروة. لكن هناك حالات نادرة يقتل فيها الانسان أمه. فعلاقة الابن بالأم شبيه بعلاقة المؤمن بربه. في مسرحية "أوديب ملكاً" لسوفوكليس لم يقتل أوديب أمه، بل مجرد تزوجها دون أن يعلم أنها أمه. لكن سوفوكليس الذي بيننا وبينه حوالي 2424سنة أرسل إلينا رسالة من خلال هذه المسرحية الخالدة، تتضمن أنقى قيم الأخلاق والانسانية، ومدى عمق الصراع المدمر الذي يمكن للإنسان أن يعاني منه عندما يقع في هذه الخطيئة. لقد انتفضت حتى الطبيعة ضدها واستفظعت هذا الزواج المحرم حين جعلت المئات من أبناء المدينة يموتون بمرض دون أن يعرفوا السبب. لم يكن عندئذ توجد كتب سماوية، ولم يكن الإله الأوحد الذي يؤمن به المسلمون والمسيحيون واليهود قد ظهر للبشرية بعد. كانت هناك مجرد آلهة اسطورية تعيش مع البشر. وعندما أدركت الأم/الزوجة حقيقة الأمر انتحرت. لأنها رفضت أن تقبل الواقع. فكيف ستنام في حضن رجل هو ابنها وزوجها في الوقت نفسه؟ بأية مشاعر ستتعامل معه؟ أ بمشاعر الأم أم الزوجة؟ وهل بالإمكان التعايش مع هذه الثنائية التي تلغي إحداها الأخرى؟ وما هو وضع أوديب بعد أن عرف الحقيقة؟ لم يستطع تحمل هذا الواقع أيضاً. فسمل عينيه انتقاماً من نفسه، ولكي لا يرى أمامه بناته اللاتي هن نتاج علاقة محرمة مع أمه.
إن الانسان الذي يؤمن أن هناك إلهاً خلقه من المستحيل أن يقوم بقتله. والأم تشبه الإله في أحد أوجه الخلق. فهي التي خلقتنا في حاضنتها، ولم يخلقنا الله كما خلق آدم، ولم يرسلنا من السماء إلى الأرض. فكيف للإنسان أن يتجرأ بقتل هذا "الخالق" لو لم يكن قد ترسخ في دماغه فكر فظيع حوّل مشاعره وإحساسه إلى غريزة حيوان مفترس. لقد غلبت فكرة الايمان في عقيدة هذا المجرم الداعشي على فكرة الانتماء لـ"خالقه" التي هي أمه، ودفعه إيمانه هذا أن يعتبر أمه عدواً له.
في كل الديانات السماوية اعتبر الايمان فوق رابطة الدم. يقول كالفن الذي سبقت الاشارة إليه في السابق أن الدفاع عن الايمان القويم والرأي المستقيم يلغي كل روابط الدم وكل وصايا الانسانية. وقرأنا في التوراة والقرآن كيف قام ابراهيم ليذبح ابنه من أجل ايمانه.
دخل المسلمون الدواعش في ليلة 25 حزيران 2015 خفية إلى بلدة كوباني في شهرهم المحرم رمضان والناس نيام. فقاموا بذبح الأطفال والنساء والشيوخ كما يفعل قطيع من الذئاب الجائعة بالأغنام. وصل عدد القتلى في بعض الإحصائيات إلى 400 نفس في تلك الليلة الظلماء. لكن المسلمون لم ينتقموا من أنفسهم كما فعل أوديب. بل قالوا أن داعش يجسد الاسلام الحقيقي 99% . لم يتجرأ أي مجمع ديني اسلامي، بما في ذلك الأزهر، بتكفير داعش. هناك العديد من الفيديوهات يتحدث فيها كبار علماء المسلمين صراحة وبملء الفم ويذكرون آيات قرآنية وأحاديث نبوية ووقائع تاريخية تأكيداً أن الاسلام جاء بالذبح، ولم ينتشر إلا بحد السيف، ويختمون حديثهم أن لهم في رسول الله قدوة حسنة.
لم يسأل المفكرون وشيوخ الاسلام، وكذلك هؤلاء المتنورون الجدد من الكتاب والمفكرين المسلمين أنفسهم: لماذا احتشدت هذه الجماهير الواسعة في سوريا حول جبهة النصرة والدولة الاسلامية؟ وما السر في الشجاعة الفائقة لهؤلاء الجهاديين في المعارك والتضحية بالنفس بهذه الوحشية، لو لم يكن لديهم ايمان مطلق بفكر وأيديولوجيا مدمرة. وهل..، لو كان هؤلاء المتنورون الاسلاميون الجدد الذين يدورون في أوروبا لتحسين وجه الاسلام، لو عاشوا في ظل الدولة الاسلامية وجبهة النصرة أ كانوا سيقولون ما يقولونه في هذه المؤتمرات؟ لم نسمع أن عالماً مسلماً واحداً أُعدم في ظل الدولة الاسلامية لأنه قال لهم أن ما تقومون به ليس هو الاسلام، عملاً بالحديث النبوي: "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ أَمِيرٍ جَائِر".
في الختام..، لم يتحول الدين المسيحي في الغرب إلى دين الرحمة والسلام والاخاء إلا بعدما أُقصي عن السلطة وسُد أمامه وإلى الأبد الأمل في استعادتها. ولن يتحول الاسلام أيضاً إلى دين سلام وإخاء ورحمة إذا لم يُقصَ عن فكرة الاستحواذ بالسلطة، ويُسد أمامه نهائياً الأمل في استعادتها.