مسيحيو المشرق.. ما المصير القادم؟

كاظم الموسوي
2019 / 5 / 29

مسيحيو المشرق.. ما المصير القادم؟
أن يكشف وزير الخارجية البريطاني، جيرمي هانت، خلال استقباله في مكتبه رئيس أساقفة إيبراشية أربيل للكلدان الكاثوليك بإقليم كردستان، العراق، المطران بشار متي وردة، (2019/5/21) بأن أعداد المسيحيين قد تقلصت خلال15 سنة الماضية من 1.5 مليون إلى 120 ألف مسيحي أمر ينبغي الانتباه له، فليس ما أعلنه الوزير للإعلام وحسب، وإنما بحساباته جرس إنذار رسمي، وربما متأخر كثيرا. ولهذا أضاف هانت في تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، أن آلاف المسيحيين قد أجبروا على الهجرة تاركين مدنهم ومنازلهم بسبب الهجمات والتفجيرات التي قام بها عناصر تنظيم داعش. وهذا صحيح وواقعي لما خطط له ونفذ، ولكن المتحدث هو وزير خارجية الدولة العظمى التي شاركت مع حليفتها الولايات المتحدة الأميركية في غزو واحتلال العراق وتهيئة المناخات والتسهيلات لتأسيس التنظيمات الإرهابية وانتشارها وامتداداتها، كما أعلن ذلك على ألسنة مسؤولين رسميين أميركان أو أوروبيين منشورة وموثقة. وهنا يوضع العديد من الأسئلة والاستفسارات والمطالبات، فليس المتكلم عاديا وليس الكلام نثرا أدبيا.
عند متابعة الكشف وما توفر حوله، قدمت الحكومات الغربية وأجهزتها الأمنية تحت اسم البحث والدراسة إمكانات واسعة لما يسمى بمراكز أبحاث ممولة منها وكذا قام به إعلاميون وغيرهم، أو كلفوا بالقيام به، في البحث في أحوال المسيحيين في المشرق خصوصا، ومنهم من نشر أبحاثه وكتبه بالأرقام والمذاهب والأسماء والألقاب والمواقع وكأنه يحضّر الساحة أو يقدم المعلومات المطلوبة والتي تنتهي بالأخير إلى ما أعلنه الوزير البريطاني. وكذلك ما توقعه مركز بيو للأبحاث بواشنطن عن استمرار تراجع الوجود المسيحي في المنطقة عموما ليبلغ 3 بالمئة فقط في 2050، إذا استمرت معدلات النمو والهجرة على النحو الحالي، حسبما ورد في تقريره الذي حمل عنوان “مستقبل الأديان في العالم” الصادر عام 2015. وسبق أن تبنت الحكومة البريطانية عام 2018 خطابا دأب على ترديده العديد من المنظمات والجمعيات الكنسية في العالم؛ تتحدث فيه عن أن المسيحيين هم الطائفة الأكثر اضطهادا في العالم. وأعلن وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هانت، في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أن بلاده أطلقت حملة لمراجعة مسألة اضطهاد المسيحيين حول العالم “بسبب إيمانهم”، مؤكدا أن بلاده ستتبنى خطوات تمكن الحكومة من تقديم الدعم لـ”المضطهدين”. ولهذا كلف أسقف كنيسة “تورورو” البريطانية، فيليب ماونستيفن، بإعداد تقرير عن المسألة، وأصدر المكلف الأسقف تقريره في 4 أيار/ مايو 2019، خلص فيه إلى أن الاضطهاد الديني للمسيحيين اقترب من حد “الإبادة الجماعية”، وأن هذه الممارسة بلغت مداها، بحيث إن المسيحية تواجه خطر الاختفاء من أجزاء في “الشرق الأوسط”. واستشهد التقرير بإحصائيات تشير إلى أن المسيحيين في فلسطين يمثلون 1.5٪ فقط من عدد السكان، بينما تراجع عددهم في العراق إلى 120 ألف مسيحي مقابل 1.5 مليون قبل عام 2003. وذكر التقرير أن “الملايين من المسيحيين في المنطقة اقتُلعوا من ديارهم، حيث قُتل الكثير منهم وخطف بعضهم وسجن البعض الآخر”، مشيرا إلى ما وصفها بـ”صورة مخيفة بشأن التمييز الذي يعاني منه المسيحيون في مختلف أنحاء آسيا وشرقها، وإفريقيا جنوب الصحراء، وأن ذلك غالبا ما يتم بدعم من الأنظمة الحاكمة”. وأضاف التقرير البريطاني أن “بلدانا مثل الجزائر ومصر والسعودية وإيران والعراق وسوريا، وصل وضع المسيحيين والأقليات الأخرى إلى مرحلة تنذر بالخطر، حيث توجد قيود صارمة على جميع أشكال الممارسات المسيحية، ومن ضمن ذلك أعمال العبادة العامة”. وأكد أن “المسيحيين كانوا يشكلون 20٪ من سكان “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” منذ قرن، لكن أعدادهم هبطت إلى أقل من 4٪، أو نحو 15 مليون نسمة”.
معلوم أن المسيحية كدين ولدت في المشرق، وأن التوقعات والكشوفات الأخيرة التي تقول بتهميش وملاحقة المسيحيين في جغرافية المشرق تشكل خطرا جديا، ليس على المشرق وحده، للانتشار والتوسع الذي يليه ويبنى عليه. وفي الأرقام مثلا، تشير التقديرات، في فلسطين، مهد المسيحية، إلى وجود 49 ألف مسيحي فقط، أي ما يعادل1.5 بالمئة من إجمالي السكان. ويعيش نصف هؤلاء في محافظة بيت لحم، وفي مهد المسيح يعيش حوالي 6500 مسيحي فقط. ويذكر أن عدد المسيحيين في مدينة القدس بحسب إحصاء 1922 كان يساوي 3 أضعاف عدد المسلمين.
أما في سوريا فلم يبق من المسيحيين العرب إلا 1.2 مليون مسيحي. وكانت وزارة الخارجية الروسية أعلنت عام 2016 أن عدد السكان المسيحيين في سوريا انخفض مليونا واحدا منذ بداية الأزمة في سوريا عام 2011. وفق ما قال قسطنطين دولجوف، مفوض الخارجية الروسية لشؤون حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون “انخفض عدد المسيحيين في سوريا منذ بداية النزاع المسلح هناك من 2.2 مليون إنسان إلى 1.2″. وكان عدد المسيحيين عام 1950 يقدر بحوالي 5 ملايين، حيث كانوا يشكلون نسبة 60 بالمئة من عدد السكان. أما الأقباط الذين كانوا يشكلون 25 بالمئة من سكان مصر فقد أصبحوا الآن يشكلون أكثر من 10 بالمئة (حوالي 10 ملايين). وفي الأردن تشير الإحصائيات إلى أن عددهم حاليا يقارب المئتين وخمسين ألف نسمة. وحتى في لبنان، الذي كان المسيحيون فيه يشكلون أغلبية قبل نحو قرن من الزمان، تحول المسيحيون إلى أقلية، بسبب الهجرة إلى الخارج وارتفاع معدلات الإنجاب لدى المسلمين. والآن بات المسيحيون في لبنان يشكلون حوالي 30 أو 35 بالمئة من مجموع السكان.
في المحصلة، تصريح وزير خارجية بريطانيا، وتقرير مكلفه وما ينشر بين حين وآخر من دراسات وأبحاث، أغلبها ممولة من مصادر رسمية ولها توجهاتها تؤكد برغمها على أن المسيحيين في المشرق لم يعودوا كما كانوا، وأن انخفاض أعدادهم خطر جدي، ليس عليهم فقط، بل على التركيب الاجتماعي والتنوع الحضاري والثقافي في المنطقة، وما يرسم للمنطقة والمسيحيين من مصير قادم.