مفاهيم وأفكار في القضاء والقدر والجعل

عباس علي العلي
2019 / 5 / 29

مفاهيم وأفكار في القضاء والقدر والجعل


من المسائل الفكرية والتي لم ينقطع النقاش فيها ليومنا هي مسألة الجبر والتخيير، فلكل مذهبه وأدلته وحججه وبراهينه المبنية على نصوص ودلالاتها المأخوذة عادة بالتفسير والتأويل، ومن خلال قراءات فكرية أرتبطت بين فهم شخصي أو من خلال مبدأ العرض والتعارض بين فكرة وفكرة بين دلالة ودلالة وأستخدام عملية الترجيح والتقوية بينهما، ولكن قراءة المنطق المجرد تقول أن صاحب العقل لا يمكن أن يكون مسيرا تماما دون أن يكون واعيا ومنبها ومنتبها لما يراد أو يؤمر به فوقيا وإلا فقد العقل ضرورته ولزومه وتحول الأمر إلى مجرد خضوع قهري غير واعي لها، كما أنه ليس مخيرا تماما في كل الأشياء الجارية والحادثة في الوجود، لأنه بالتأكيد يعيش في ظل نظام محكوم بالثوابت والمتغيرات وخاضع لها من حيث أراد وأحيانا من حيث لا يستطيع المواجهة لنقص تكويني في وجوده فالكائن ليس تماميا ولا مطلقا في أختياره الحر، العقل والنظام لا يلتقيان في نقطة مجهولة ولا يتقطعان في نقطة معلومة بل من المحتم أنهما يتبادلان الأدوار تقدما وتأخرا وحسب كل حالة وظروفها، فلا تخيير كامل خارج الأشاءة ومواضيها ومقدراتها، ولا أجبار قهري مقدر لأحد طالما أنه يملك عقلا قادرا على فهم حركة الوجود وإدراك نسبي لقوانينها، والعقل يدرك أن الواقع بما هو موضوع سلفا ومقدر بالمعنى الذي سيأتي بالبحث هو سلطان على الموجود لا بد أن ننفعل به ومن داخلة ووفقا لقوانين ما نحن فيه موظفون.
ومن المفاهيم التي حرصت البلاغة القرآنية على تفريدها بالقصدية وتخصيص أستعمالها على الوجه الواحد في النصوص ضمن منظومة النسق التعبيري المرادي مفهوم القدر والجعل والقضاء، فلكل من هذه المفاهيم حدود قصدية لا تتداخل فيما بينها ولا تعوض أحداها عن الأخريات وإن رأى البعض أنها جميعا تنطوي تحت ما يعرف بأمر الله أو بما خص نفسه من صلاحية التكوين والتكيف، نعم أمر الله يجري وفق مستويات الفعل المقصود بدلالة اللفظ ولكنها تفترق بالألية، عندما يقول أو يصرح بأنه (وعل لكم الأرض مهادا والجبل أوتادا) إنما يراد من هذا المفهوم معنى التقدير التكيفي والتكويني للنظام العام الذي يبين فيه علة ما على أساس أن تكون قادرة أي الأرض أن تنتظم ومن عليها وفق قانون الأفضل الذي يتيح لها ولمن عليها أن تؤدي الواجب الافتراضي لها، والجعل هنا في موارد النصوص أما أن يكون (قبلي أو بعدي)، بمعنى أن الجعل قد يكون سابق للإيجاد وتبنى عليه الإرادة، أو لاحق للحدوث الوجودي والغرض منه أن يتوافق الموجود مع النظام العام.
وفي كلا الحالتين هو تقدير لنتيجة ما مرتبطة بوحدة الوجود وظيفيا لا على أساس الاكتشاف اللاحق أو العمل على ترميم ما هو ناقص أو غير مكتمل أصلا، الجعل مفردة بنائية أولية ضمن منظومة التصور الكلي لشكل موضوع أصلا في صلب النظام الشامل لا طارئ ولا مستحدث أو أستجابة لما يظهر لاحقا، (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) هنا نكتشف أن أصل النظام مرتبط بالنتيجة ومتماهية معها لا على سبيل التكيف فقط بل من صلب التكوين وملحق به، فليس هناك ما يعرف بالقدر المحتم الذي يجبر الكائن المخلوق على إتباع الجعل بمعنى انتزاع إرادته من الفعل بهذا الجعل، بل بالحقيقة هو خيار تكويني قد يستخدم لنيل التوافق معه من قبل الكائن أو رفضه على، أنه في النهاية سيكون هذا الرفض إخلال منه بالنظام ويصبح به خارج منظومة التوافق المفترض.
أما القدر بالمفهوم الشائع على إنه انتزاع الخيارات لتحيلها إلى مفهوم الجبر المانع من الحركة هو غير مفهوم القدر والتقدير الذي تعنيها الدلالة القصدية للمفردة بالنص الأمر، مثلا تأت المفردة قدر وقدرنا وتقدير هنا لتعطي معنى المعايرة والقياسية بمعنى تعيين الحد المناسب (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ﴿٩١ الأنعام﴾ و(فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ) ﴿٤٠ طه﴾، وأيضا (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ﴿١٠٩ البقرة﴾، ومن خلال ما تصرح به الآية التالية (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) ﴿٨ الرعد﴾ يتضح أن القدر معلق بالمقدار والقدرة على التقدير وليس على معنى الإرادة الجبرية على فعل يجر الكائن على موقف يتخلى فيه عن الخيار، نعم التقدير هنا سابق ومفترض وواجب الإتباع ولكن على سبيل الكمال في الصناعة وتماميه الأمر المقدر فيه أو له (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ﴿١٧ المائدة﴾.
القدر إذا مثل الجعل ولكنه يفترق عنه أنه سابق دوما ومرسوم على أنه خيار نهائي متعلق بنتيجة يراد لها أن تعطي للكائن المخلوق خلاصة أن ما مقدر هو حال واحد لا يمكن أن يفترق عن التكوين الأول والنشأة الأزلية، لا على أنه خيار جبري فقط لا مجال أن يخرج عن طور التحقق سواء شاء أو لم يشأ من تعلق به القدر (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ﴿١٦٥ آل عمران﴾، القدر إذا من مظاهر فعل القادر كما هو الجعل لكن ما يميزه عن الأخير أنه متقدم بالتقرير وبدوي في مرحلة ما قبل الإنشاء والتكوين ومن أساسياته في بسط الإرادة، ولا تنتظم فيه الرؤية تماما بدون تحققه ولو خالف الكائن الموجود أو أختار أمرا أخر خارج ما مقدر أصلا.
وأخير نأت إلى مفهوم القضاء بمعنى إمضاء أمر مختار من القاضي على من عليه السلطة في الأمر المقتضى والمتقاضى فيه، الأصل في القضاء هو الفصل بين أمرين وترجيح أحدهما على الأخر أولا ثم إمضاءه بالشكل المقضي فيه بشرط أن يكون هناك أمر في الأستقضاء أولا، ولا يمكن أن يكون القضاء حقيقيا ما لم تكن هناك خيارات وإرادات متعارضة أصلا بحاجة للفصل بينهما، وبين أيدينا العديد من النصوص في هذا المعنى منها مثلا (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ﴿٣٦ الأحزاب﴾، هنا يتجلى أمر القضاء بمعنى الفصل وحتى يكون للفصل معنى وقيمة لا بد من إمضاءه على سبيل الإلزام لكنه ليس إلزام قهري يسلب إرادة الكائن بل يكشف عن صوابية الأمر المقضي به على أنها الخيار الأمثل حتى لو جاء النص شكلا في هذا الاتجاه، القراءة العميقة للنص تعطي هذا المعنى فإنه أما أنه سيمضي كما قضي به حتى لو خالف أو أطاع من كان مستقضيا بالأمر، أو أنه قرار فوقي يتلمس الكمال والتمام حين يكون موضع طاعة، والقضاء حتى يكون نافذ وماضي في ما أقتضى لأجله ليس نهائيا ما لم يلحقه فعل الوجوب كقول النص (وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ﴿١١٧ البقرة﴾، وكثير من القضاء قد لا تلحقه إرادة التكوين ولكنه يبقى في دائرة الإلزام الرشدي (لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) ﴿١١ يونس﴾.
والقضاء أيضا يرد بمعنى الأنتهاء من عمل وتنفيذه على الشكل المراد له وهنا لا علاقة لمعنى الحكم أو الفصل في أمرين متناقضين بل حتى في دلالته المعنوية الواردة في النصوص يفرق بينهما على أنهما أشتراك بنائي بين اللفظين ولا أشتراك دلالي بينهما أعتمادا على سباق الورود في الكلام، فقد ورد هذا التفريق في النص التالي (لَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) ﴿٣٧ الأحزاب﴾، القضاء في المعنى الأول محصور في خيار التفضيل والفصل والحكم وهو من أعمال الأمر الحاسم كقوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ﴿٩٣ يونس﴾، هنا المعنى منشئ لحكم فاصل وتقرير ما هو الحال، وفي النص السابق مخبر عن حال فعلي حدث وأنتهى بتحقق النتيجة أو أنها ستتحقق كما لو هي حادثة بالفعل (قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) ﴿٥٨ الأنعام﴾.
القضاء والقدر والجعل مفردات فعل كلها مرتبطة بأصل ذكره القرآن ونصوصه معلق بها ومنها وهي الأشاءة أو الإرادة الفاعلة المرتبطة بعلاتها، وعلاتها مرتبطة بالنظام الكلي التمامي، وهذا الإرتباط أيضا معلق على طرف أخر هو الكائن الموجود في الوجود وعلاقة ما يشاء بما هو مشاء، فما هو معلق على تحقق أمر لا يمكن أن يكون قانونا واجبا للتنفيذ على علاته سواء تحقق الأمر الواقف أم لم يتحقق (لَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) ﴿١١٢ الأنعام﴾، كل الأوامر والتقديرات والقضاء مرتبطة بعلة والعلة مرتبطة بتوفر ظروفها وأيضا مرتبطة بتحقق نتائجها حين تكون حادثة وفاعلة، فلا إلجاء قهري فيها دون أن تتجسد هي ونقيضها على الواقع لأن الله لا يمضي أمرا ويسلب ممن خلقه القدرة على فهمه ووعيه بعلاته لأنه أعدل من أن يفرض أمرا غير أن يبين فيه المصلحة والتوافق مع النظام العام الذي وضعه قبل أن يشاء، وحتى النص الذي يورده الجبريون كدليل على القهرية الملجئة لا يعطي هذا المعنى لو تدبرناه في سياق مفهوم الأشاءة كاملا (قلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) ﴿١٨٨ الأعراف﴾ـ فمن يعرف النفع والضر هو من خلقهم أولا وجعل لكل منهم وجود ونتائج وحدود وبالتالي فالإحالة هنا إحالة ليست للنتيجة أو الأشاءة بل متعلقة في تكيف وتحديد المعنى فيهما أولا.