يبدو انه ما زال ثمة من يريد الاستفادة من شحة الكهرباء في العراق

سعد السعيدي
2019 / 5 / 29

في نيسان الماضي اعلنت وزارة الكهرباء ما سمته بجولات التراخيص للاستثمار في الطاقة الشمسية ! وهو خبر بشكله هذا يثير الاستفهام ليس فقط بسبب الولوج في هذا الحقل ، وانما ايضا بسبب ما يستشف من كونه بداية عملية خصخصة هائلة لا نعرف حجمها ولا ندري بمعية اي قانون يجري اقامتها. ويكون من حقنا السؤال إن كان اللجوء للخصخصة بهذا الشكل هو ما سيؤدي الى حل مشاكل توفير الكهرباء للمواطنين.

كنت قد كتبت عن موضوع الكهرباء قبل سنوات حيث ذكرت مشاكلها الفنية التي كان وزير الكهرباء وقتها المحتال قاسم الفهداوي يتكتم عليها ولا يريد حلها (اصبح الآن نائبا في مجلس النواب). وكان هذا المحتال يصر على حصر هذه المشاكل بالجباية فقط كذريعة لاحالتها الى شركات جباية خاصة. وحقيقة مشكلة نقص الكهرباء التي حاول التكتم عليها كل وزراء الكهرباء الذين امسكوا بالملف هي باختصار ضياع الكهرباء المولدة بسبب انعدام صيانة شبكات التوزيع والتغاضي عن المتجاوزين وإهمال الجباية مما يؤدي الى تذبذب تجهيزها للباقين.

بالارقام اعيد التذكير بان نقص التجهيز هذا كان قد وصل الى مجموع 41 بالمئة من مقدار ما يولد في المحطات ! وهو مقدار مهول يكاد يقترب من نصف ما ينتج. ومصدر هذا الرقم هو وزير الكهرباء الاسبق عبد الكريم عفتان من محضر الجلسة النيابية رقم 40 في ايار 2012. ثلاثة ارباع هذه النسبة المئوية اي 30 بالمئة ، كانت نتاج إهمال القيام بالجباية من المتجاوزين وقتها وما زال. وإهمال قيام الوزارة بهذه الجباية (الذي واضح من كونه متعمد) معناه ضياع الكهرباء بين ايدي الفاسدين الذين سيستهلكونها بلا حساب. ولنا ان نتساءل عن سبب تقاعس الوزارة عن الجباية ، ولماذا كانت تحصرها بالمواطن فقط ؟ فهل لم يكن من متجاوز إلا هو ام لعل هنا ايضا كانت ثمة محاولة للتغطية على المتجاوزين الحقيقيين ، حيث لم ترغب هيئة نزاهة حسن الياسري من الاقتراب منها وقتها مطلقا ؟ الباقي من النسبة المئوية هو نتاج مشاكل البنية التحتية من اسلاك ومحولات وصيانة المحطات. ولا ادري مقدار تغير هذه النسبة الاخيرة نحو الزيادة او النقصان منذ ذلك الحين (1). إذ ما زالت وزارة الكهرباء تتكتم على الارقام بينما يبدع مجلس نواب الفساد في النظر الى الجهة المعاكسة ولا يبدو عليه الاهتمام لمثل هذا التلاعب. فهو كسابقه مليء بلصوص الكهرباء وغير الكهرباء. ولما كانت هذه المشاكل ما تزال تتسبب بهذا النقص في التجهيز فلا يمكن الكلام عن قرب توفير الكهرباء للمواطنين في اي وقت خصوصا في الصيف حيث ستستمر الشحة. وكانت كل الحكومات المتعاقبة منذ 2003 تريد استخدام العوبة الجباية هذه ليتحول افرادها والمرتبطين بها الى اثرياء من اصحاب الملايين. وهي عملية لا يمكن لها ان تحدث دون خداع وسرقة المواطن. وفي عهد العبادي كان قد حاول محتال الوزارة اعلاه الالتفاف على سعر الكهرباء من خلال ترك امر تحديده الى عناية شركات الجباية الخاصة. وهو ما تحول الى سرقة علنية للمواطنين الذين تصاعدت شكاواهم منها. وحيث قد صاروا يتساءلون عن حق عن سبب احالة الوزارة لعمل بسيط مثل هذا الى شركات خاصة عندما كانت تستطيع القيام به بنفسها دون التسبب في ارتفاع اجور الكهرباء. ولم تفلح هذه الالاعيب في منع انطلاق تظاهرات شعبية اوقفت في النهاية عمل هذه الشركات. وهذه كانت مرتبطة بالثنائي الفهداوي ورئيسه العبادي واصدقائهما. ولم يقم القضاء ولا هيئة النزاهة ولا مجلس النواب السابق او الحالي بالتحقيق بامر شركات الجباية هذه التي بعضها او ربما كلها كانت وهمية والتي كشف كاتب السطور احداها على الرغم من ادعاء المجلس الجديد نيته كشف الفاسدين وتقديمهم للقضاء (2). وكل العملية كانت خداع للمواطن بتغطية من هذا الثنائي وكل اعضاء مجالس الفساد غير الموقرة.

وارتباطا بهذه الوقائع فما زال الجميع يتذكر الصراع الذي جرى ايصاله الى الاعلام عام 2012 مع ما سمي بشركات الكهرباء الوهمية غير الرصينة. احد ابطالها كان المدعو بهاء الاعرجي عضو لجنة الطاقة الوزارية وقتها التي كانت تضع الخطط لادامة ازمة الكهرباء وتحويل تخصيصاتها الى ارصدة في حسابات هذا وذاك. ورئيس لجنة الطاقة هذه لم يكن إلا رئيس الوزراء نفسه. وكان واضحا بان هذا الصراع لم يكن في حقيقته إلا نزاعا بين المتنفذين بطريق شركاتهم للفوز بعقود الخصخصة. وبعد الضجة التي افتعلت في المقابلة المتلفزة حول تلك الشركة (والكشف في الاعلام عن مقرها في كندا الذي كان دكانا للوجبات السريعة او ما شابه!!) لم نرى حدوث ما كان يجب حدوثه في امور غش وتلاعب واضحة مثل هذه وهو تدخل القضاء والادعاء العام فيه ، خصوصا بعد اتهام الاعرجي لتلك الشركة علنا بكونها وهمية بعدما كان يتجادل معها امام انظار المشاهدين. وهو اتهام يثير الضحك بسبب من ان الحكومة التي كان هو جزء منها هي وحدها التي تستطيع تحديد رصانة اية شركة من عدمها بمعية ضوابط معمول بها دوليا. لكن الاعرجي كان يهدف الى استغلال جهل المواطنين بهذه التفاصيل للضغط على الشركة المنافسة للانسحاب وإظهار نفسه بموقع المدافع عن المصلحة العامة في تلك المسرحية البائسة. وهو ما لم يمنع مع ذلك من تصاعد مناسيب الشكوك به وبمسرحيته.

الآن مع وزير الكهرباء الحالي يراد اعادة الكرة مع قصة الاستثمار بالالواح الشمسية لتوليد الكهرباء. وكالسابق فإن غياب الكثير من التفاصيل حول هذا الموضوع يدفعني للشك بكونه محاولة جديدة للسرقة. إذ جرى الاعلان عن البدء بهذا الاستثمار بشكل سريع تقريبا وبشكل محدود قبل سنوات دون ان يثير انتباه احد (3). وفي الشهر الماضي قام وزير الكهرباء الحالي لؤي الخطيب فجأة بإطلاق ما سماه بجولات التراخيص للاستثمار في الطاقة الشمسية ! ولم يقم الوزير بتحديد سقف الطاقة الكلية التي يراد توفيرها بهذه الطريقة. وهو ما يدفعني للشك بانه يراد لهذا الاستثمار لان يصبح بمستوى الانتاج الحكومي التقليدي ، وربما يتجاوزه. ولم افهم كيف خول الوزير لنفسه اطلاق مثل هذه الجولات. إذ لا يوجد قانون في العراق يسمح بتسليم انتاج الكهرباء باي شكل كان للشركات الخاصة. وهذا الكلام كنت قد اوصلته ايضا الى انظار الوزير السابق. وهذا يحدث في نفس وقت تظاهر مجلس النواب بمحاربة الفساد ، لكننا هنا نراه يقوم بإحدى فعالياته التي يجيدها وهو الصمت على تجاوز الوزير دون القيام بردعه. كذلك فالاخبار اعلاه لا تشير الى مدى رصانة المستثمر الذي سيدير حقل الانتاج الشمسي هذا ولا عن الضمان حول كفاءة الالواح نفسها خلال فترة خدمتها. وضمان الكفاءة هذا تصدره الشركة المصنعة. فلا نعرف كيف ستكون حالة هذه الالواح في نهاية خدمتها وكيف سيتم تقييمها. فهل ستكون بنفس الكفاءة التي ابتدأت بها ام كيف ؟ وهل ستكون نفسها المعتمدة ام ستكون قد تجاوزها التطور التقني واستهلكت ؟ ويمكن لمن يرغب في الاطلاع على الضمانات من البحث حولها في الكوكل. كذلك قد ذكر في نفس الاخبار بان فترة الامتياز الممنوحة للمستثمر هو 15 عاما (باستثمار لا يتجاوز البضعة ملايين من الدولارات وبفترة نصب لا تتجاوز البضعة اشهر) يقوم بعدها المستثمر بتسليم المشروع للحكومة. وهذه مدة طويلة جدا بالمقارنة مع بساطة الجهد الذي بذله المستثمر الذي ابقي اسمه طي الكتمان. ووضع اسماء هذه الشركات في خانة الاسرار يدفعنا الى الشك بان للامر اهدافا اخرى من طراز ان الشركة تعود للوزير او احد اصدقائه. وبالنتيجة يكون مصير الاموال المدفوعة للشركة هو نزولها في رصيد الوزير بالمحصلة. وهذه هي حالة فساد واضحة خصوصا مع فضيحته الاخرى التي كشفت عن احالته لعقود من وزارته الى شركة يملكها هو والتي لا الادعاء العام ولا القضاء قد بادر الى التحقيق بامرها ما شاء الله. كذلك المسألة الاهم التي يريد كل هذا الرهط تجنب طرحها ابتداء من الوزير الى مجلس النواب مرورا برئيس الاول هي بكم ستباع الكهرباء المنتجة للمواطن ؟ كان يتوجب توضيح هذه النقاط سواء في الاعلام او في مجلس النواب بنقاش علني اولا ينتهي بقانون ينظم كل هذه الامور. واكرر بان انتاج الكهرباء يجب ان يبقى بيد الحكومة. فالكهرباء هي حق للمواطن ، لا باب للاثراء الشخصي. فلما لم يجر التوضيح اللازم من قبل الاخيرة ووزيرها لا يكون الموضوع بالمحصلة إلا محاولة اخرى جديدة للسرقة والإثراء باستغلال مشاكل نقص الكهرباء. كذلك غير مفهوم كيف سيتم تجهيز كل هذه الكهرباء للمواطن مع بنية تحتية متهالكة تستنزف حوالي نصف الانتاج مع تعمد الحكومة ووزيرها عن إهمال القيام بالصيانة الضرورية لها. ولو حدثت هذه الصيانة لامكن اعادة كامل هذه الضائعات الى ما ينتج حاليا من كهرباء (مهما كان مقدارها الحقيقي إذ لا ثقة لي بالارقام الحكومية) ولتُسهم في تقليل ساعات القطع الكهربائي عن كاهل المواطن بشكل كبير. لكن هذا لم ولن يحصل. وهو ما كان يجب ان يخجل منه بطل مصرف الزوية ووزيره هذا الذي اصطفاه بمعية مجلس النواب خصوصا مع الماضي الكالح بسواده الذي لف كل الحكومات السابقة مع هذا الملف. وهو ما يشير الى استمرار تواجد رهط المتلهفين انصار خصخصة الكهرباء في هذا المجلس. وهم معروفون حيث قد عادوا اليه بمسمى آخر وهو تحالف سائرون.

ويهمنا ايضا ما يدفع للشركة غير الرصينة مما يسمى اجورا. إذ قد ابقي هذا المقدار هو الآخر سرا. وبغياب اي قانون يحدد شروط التعامل مع هذا الملف وسد الباب امام امكانية معرفة ما يجري يكون الامر برمته ما يستحق التحقيق به من قبل هيئة النزاهة. واذكّر عادل زوية ووزيره بان غياب قانون يحدد كيفية التصرف في حقل الانتاج الكهربائي سواء التقليدي او الشمسي وكيفية ضمان حقوق المواطن لا يعني ان الموضوع كله تائه بحيث يمكن رأسا القفز نحو الخصخصة العارمة فيه. واية اموال ستستخدم فيه بالشكل الحالي سنعتبرها سرقة في رابعة النهار. فهذا مال عام يعود للشعب لا لاية جهة اخرى. وما يكون واضحا هنا هو تصرف الحكومة بلا حساب فيما يتعلق بهذا المال الذي لا يعود اليها.

ما نحن بحاجة اليه بشكل ماس هو تشريع قانون يمنع خصخصة انتاج الكهرباء في العراق ويبقيها في ايدي الحكومة. فالكهرباء هو بنية تحتية استراتيجية لا يجوز ترك استغلالها بيد الغير. بيد اننا نرى قيام هذه الحكومة بفتح باب الخصخصة (يسمونه استثمارا) دون الاتفاق مع الشعب مقدما وكأن البلد وما فيه ملك صرف لها ولمن يقودها.. ومن اتى بها ويدعمها. وكل هذا نتيجة تقاعس المواطنين عن المتابعة وعدم التدقيق في مرشحي الانتخابات ولا مطالبتهم ببرامجهم الانتخابية.

الكهرباء ليست تجارة. ليسمع هذا الكلام اولئك الذين يريدون خصخصتها. ولهم ايضا اعيد التذكير بان ثمة تعمد حكومي مع فساد نيابي لدفع الانتاج نحو التدهور وتدمير منظومة التوزيع عبر تعمد إهمال الصيانة. النتيجة هي ضياع جزء كبير من الكهرباء لتحصل شحة وليجري تحميل المواطن كامل نتائج هذه الشحة. ومع الطلب المتزايد على الكهرباء يجري مع نقص التجهيز الناتج محاولة الابتزاز لرفع اجورها بطريق شركات الجباية الخاصة وملء بعض الجيوب مع شركات كهرباء غير رصينة. وهذه الالاعيب لا تنطلي علينا.

روابط المقالة :

(1) الكذب والتضليل في موضوع الكهرباء
https://www.al-nnas.com/ARTICLE/SalSaedi/11k0.htm

مرة اخرى حول الكذب والتضليل في موضوع الكهرباء
https://www.al-nnas.com/ARTICLE/SalSaedi/28k0.htm

(2) اليست هذه الشركة وهمية يا وزير الكهرباء ؟
https://www.al-nnas.com/ARTICLE/SalSaedi/27u.htm

(3) العراق يتعاقد لإنشاء أربع محطات كهرباء بالطاقة الشمسية
http://www.alliraqnews.com/modules/news/article.php?storyid=67284

العراق يسعى لإنتاج ألف ميغاواط بالطاقة الشمسية
https://www.iraqakhbar.com/949808