الدكتور سليم الوردي الباحث العلمي الرصين

محمد لفته محل
2019 / 5 / 28

عندما كنت ابحث عن كتب الدكتور سليم الوردي (1942_2015) في شارع المتنبي اجابني بعض الباعة (تقصد علي الوردي؟) أو (عدنا بس علي الوردي) وبعض الباعة لم يكن يعرفه او لايعرف كتبه، وبقيت جمعتين ابحث عن كتبه حتى وجدتها؛ بعضها بين اكوام الكتب المتكدسة عشوائيا على الارض التي تباع بأسعار مخفضة. وشخصيا عندما سمعت اسم الدكتور سليم اول مرة ظننت انه ابن العلامة (علي الوردي) او امتداد لمشروعه. واول كتاب عرفني به هو (ضوء على ولادة المجتمع العراقي المعاصر) الذي فاجئني بدقة وعمق تحليله. وتلك ميزة الدكتور سليم اتصافه بالرؤية العلمية والرصانة البحثية مع ذلك ظل الدكتور مغموراً في شهرته الشعبية ومعروف نخبوياً في الوسط الثقافي. وعليه سأكتب ملاحظات عن اسلوبه بالكتابة وموجز لرؤيته التاريخية للمجتمع العراقي المعاصر كمقدمة ثم الخص كتبه الثلاثة التي اصدرها بعد 2003/4/9 لإعطاء صورة عامة عن كتبه. وهي (مقتربات الى المشروع السياسي العراقي 1921_2003، الزمان، 2005)(ضوء على ولادة المجتمع العراقي المعاصر، كتاب الصباح الثقافي ع15، 2009)(الاستبداد النفطي في العراق المعاصر، دار الجواهري، 2013) وهذا المقال هو اعداد اكثر منه تأليف.
كان الدكتور حريصاً على ان تكون كتاباته علمية تستند الى لغة الارقام وتحليل تاريخ الظاهرة المرصودة لفهمها واستشرافها بالمستقبل، وعدم الاعتماد على عامل واحد فقط في تفسير اسبابها. وكان اكثر حرصاً على ان تكون اللغة العلمية المكتوبة يسيرة لفهم القارئ وليست اكاديمية بحته من حيث المصطلحات والانشاء، وحرص على ايضاح اي مصطلح يفتتح به موضوع كتبه او فصول كتبه. واهتمامه بالقارئ (الذي يذكرنا باهتمام العلامة الوردي بالقارئ) يتعدى ذلك الايضاح والتبسيط الانشائي والاصطلاحي الى اشراك رأي القارئ عبر بريده الالكتروني الخاص به المكتوب في بداية الكتاب راجياً من القراء مراسلته عبره لطرح افكارهم وملاحظاتهم، وهذا ليس تواضعاً بقدر ماهو جزء من اسلوبه ومنهجيته في العمل الجماعي.
تجاوز صلابة الايديولوجيا الماركسية وراح يدرس الواقع العراقي موضوعيا مجترحاً مصطلحات اجرائية تتناسب مع الحالة الاجتماعية وهو ما كان يحض عليه العلامة الوردي قبله (علي حسين الوردي) فقد رأى الدكتور سليم ان الوضع الطبقي للمجتمع العراقي هلامي مخرب بفعل السياسة، وعليه لاتنطبق عليه فرضية صراع الطبقات الماركسية.
واتمنى من عائلته جمع مقالاته في كتاب ونشر مخطوطاته المتبقية وذلك لأهميتها المعرفية للمجتمع العراقي.
رحل الدكتور سليم عنا بصمت وهدوء مثقفاً مغموراً اعلامياً وشعبياً زاهداً الاعلام والسياسة، بعد ان ادى رسالته بوفاء للعراق والعراقيين راسماً معالم طريق للمستقبل عبر قراءة الماضي السياسي والاجتماعي وتحليله لاستشراف المستقبل. واتخيل لو ان الدكتور سليم بقي يكتب في العقود الثلاثة الصدامية لرفدنا بكتب افدنا منها كثيراً، لكن احداث العراق قادت لعطل كفاءاته وهجرة عقوله وتصحيره من نخبه المثقفة اسوة بتصحير مياهه. فعاش الدكتور بزمان غير زمانه.
تحية واجلال واكبار وتقدير للدكتور سليم الوردي الأبن البار للعراق راقدا بقبره بسلام.

رؤية الدكتور سليم العامة لتاريخ المجتمع العراقي المعاصر:
ان المستقبل لايمكن استشرافه ما لم نعود الى تاريخه لتتكشف حقائق الأشياء. وليس أمام الباحث إلا اللجوء الى تفكيك المشهد الى عناصره الأولية، والتحري عن جذورها في المشروع السياسي السابق. لتجاوز تعقيدات المشهد السياسي الراهن. وليس الهدف هو الرجوع للماضي واستعراض احداثه او استذكارها، بل نعيد قراءتها برؤية جديدة في ضوء النهاية المأساوية التي آل اليها المشروع السياسي السابق. ولهذا اعتدنا على التعامل التجزيئي، وقاد ذلك إلى: غياب الحكم الموضوعي للمنظومة بأكملها، ومحدودية المعرفة لمواطن ضعف المنظومة، وسيادة ردود الفعل في التعامل مع المشاكل. ان واحدة من اخطر إشكاليات وعينا السياسي: حكمنا على المنظومة من خلال احد عناصرها. ويخيل لنا ام معالجة هذا العنصر يكفل اصلاح المنظومة باكملها، ويفوتنا أن فساد هذا العنصر لايحدث من تلقاء ذاته، انما بسبب خلل في المنظومة. ولم يعد الخطاب التزويقي، للتمويه على انقسامات المجتمع العراقي أمراً مقبولا ومجديا، بعد ان افصحت هذه الانقسامات عن نفسها على نحو سافر وعنيف. بيد ان الاحكام لايجوز ان تأتي مستعجلة كرد فعل على الاحداث الجارية. فكون الانقسام الطائفي هو الذي طغى على سطح الاحداث بعد 2003 لايسوغ للباحث ان يرقى بهذا الانقسام الى مصاف التناقض الاساس الذي حكم مسيرة المشروع السياسي العراقي. ويغفل الانقسامات الأخرى التي غالباً ما كانت ولاتزال تتداخل معه. لم تمثل الطائفية تاريخياً التناقض السياسي البنيوي الأساس للمجتمع العراقي. ان السياسة الطائفية والشوفينية ترتويان من منبع واحد، وهو الاستبداد وضيق الأفق السياسي.
يختزن الفرد العراقي في اللاشعور بواعث على النفور من التقييم أسستها القيم الاجتماعية التي تدعو الى التستر على العيوب. ويصيب معظم قرائنا السأم من المقالات والنتاجات الفكرية التي تعتمد على الجداول الرقمية، ان استمرار عدم الاكتراث بالتقييم الدقيق للأشياء وخاصة التقييم الرقمي إنما يشف عن الاصرار على الانفلات المعرفي، والاستهانة بخطورة تداعيات ذلك في وعي المجتمع.
عاش العراقيين اطول فترة انقطاع حضاري سبعة قرون بعد زوال الحضارة العباسية نتيجة تلاشي الاطار المجتمعي الذي يجمعهم وانحلالهم الى جماعات متفرقة منكفئة على ذاتها. كانت الوطنية في العهد العثماني وحتى بدايات القرن العشرين مفهوماً هلامياً، الوطن كمقولة سياسية لايأخذ ابعاده الفعلية الا في اطار كيان سياسي مستقل: الدولة ذات السيادة الوطنية. وتجربة المجتمع العراقي مع مؤسسة الدولة مريرة للغاية، خاصة عبر زهاء سبعة قرون تعاقبت على حكمه دول اجنبية محتله، عمقت بينه وبين مؤسسة الدولة.
نشأت العشيرة في رحم القبيلة البدوية، وهي الوريث الشرعي لثقافة البداوة، ولكنها ليست مرادفاً لها. كما ان المدينة العراقية في العهد العثماني لم تكن تلبي مضمون ووظائف المركز المدني. وقد مرت العشيرة بأطوار استحالة نوعية بين (1858_1958) صدر قانون تمليك الاراضي العثماني، وبعد مئة سنة صدور قانون الاصلاح الزراعي. وتمليك الاراضي العثماني كان بغرض السيطرة على تمرد العشائر. وكانت العشيرة متماسكة في العهد العثماني مقابل هشاشة المدينة الى حد الضمور. ذلك ان عمر العشيرة يمتد عمرها الى الاف السنين. اما المدينة فتنشأ وتنتعش في كنف الحقبة المعينة، وتتقوض مع زوالها.
مع الغزو البريطاني لجنوب العراق وجد العراقيون انفسهم فجأة امام تطور عاصف لاحداث تجري بايقاع سريع. وهو ما سجل بشائر انخراطهم في المسيرة المجتمعية للعراق المعاصر. يتمثل اهم مستجد في تلك الحقبة، في فتح قنوات الاتصال والتواصل بين المدن والعشائر العراقية، ما اهلهم للانخراط في فعل مشترك يعد الاول من نوعه عبر قرون من الانعزال والتقوقع والجفوة والاقتتال.
حين تسنم الملك فيصل عرش العراق، وجد نفسه بين ثلاثة مدارات رئيسية: الانكليز والعشائر والمرجعية الشيعية. نجح في مناورته مع الانكليز والمؤسسة العشائرية ولكنه واجه مع المرجعية سداً عقائدياً. وهو ماجعل التصادم امراً محتماً.
لم يقيض لادارة المجتمع العراقي فكر أصيل مؤهل لاستيعاب جوهر مشكلاته وانقساماته، ومستوى نضجه لتقبل التغيير. سواء السلطة او المعارضة. ولقد عانى المشروع السياسي العراقي من الغربة بين المذاهب والايديولوجيات الحداثية التي تبنتها النخب الثقافية المتطلعة من جانب، وحقائق المجتمع العراقي وطبيعة انقساماته من جانب آخر. ثمت ذهنية سيطرت على المشروع السياسي العراقي طموحة في اهدافها، وتجلت في سياسة حرق المراحل وهي (الارادوية) التي تؤمن ان عماد التحول الثوري انما هو توفر الارادة في التغيير، وبصرف النظر عن توفر الامكانات الموضوعية لحدوثه.
اجازف واطلق على تأسيس الدولة العراقية المعاصرة صفة الليبرالية عندما خرجت الجماعات العراقية المنغلقة على نفسها، لتشارك في تشكيل المجتمع العراقي المعاصر مع زيادة الاتصال والتواصل فيما بينها. كما بدأت التنظيمات السياسية والمدنية العابرة للانقسامات العصبوية التي كانت مهيمنة في العهد العثماني. وكان بداية الانخراط في المجتمع المدني. واذا القي الضوء على انخفاض الضرائب وزيادة مرتبات الموظفين فذلك تفسيراً للركود النسبي في الحركات الجماهيرية، وتراجع العهد الملكي عن بعض الحريات السياسية المقننة، وميله الى سياسة القمع والبطش والاستبداد. انخرط العراقيون في مسيرة المجتمع المدني بدون تدرج فلم تكن قد نشأت قوى المجتمع المدني تنظيماً وثقافة، ولم تكن قد تأسست قاعدته الموضوعية: الاقتصادية والاجتماعية، كما ان رؤية معظم مكونات المجتمع العراقي للدولة كانت هلامية. وكان الانقسام بين العشائر والمدن متناشزاً مع دستور ليبرالي. ان الصراع بين البداوة والحضارة وجد له مسارات جديدة في البناء التحتي للمجتمع، حكمت من حيث الحصيلة المسيرة المتعرجة للمجتمع المدني في العراق والتناشز الذي اختزنته عبر صفحات المشروع السياسي 1921_2003 بسبب تجذر البنية العقائدية والايديولوجية لثقافتنا.
في العراق وبسبب تأخر بدايات التصنيع، وضعف تراكم رأس المال الخاص، فلم يقيض للمصالح الطبقية الجنينية ان تحدث اختراقاً في البنى الاجتماعية العصبوية التي تنتمي الى ماقبل المجتمع الصناعي. ولم تقتصر تجليات فشل المشروع الليبرالي على سلوك النخب الحاكمة فقط، بل وانعكست على المعارضة. وظهر ذلك في تحالفها مع القوى غير السياسية مثل العشائر والجيش. ومن تداعيات اخفاق المشروع الليبرالي استفحال السلبية في سلوك الجماهير.
هيمنت النزعة الانقلابية على المشروع السياسي العراقي، وافرزت الانقلابات عقيدة تجذرت في الوعي السياسي للعراقيين مفاده ان الجيش هو العامل الحاسم في تحريك الاحداث. وبالمقابل شعرت القوى السياسية المعارضة ان من المتعذر عليها ممارسة دورها في احداث التغيير دون الاستعانة بالمؤسسة العسكرية. وادرك الجيش مبكراً ان كلا من الدولة والمعارضة يعملان على توضيفه لخدمة اغراضهما. فقرر أن يلعب اللعبة لحسابه مستثمراً موقعه السلطوي الضارب من جهة وراكباً موجة المعارضة من جهة أخرى، متبنياً شعارات تتناغم وتطلعات الجماهير، ليضمن تأييدها.
انغرست في وعينا السياسي مفردة المؤامرة وتشعبت بها اجوائنا السياسية. والتآمر في حقيقته هو حصيلة اخفاق المشروع الليبرالي الذي يسمح بالصراع المكشوف بين السلطة السياسية الحاكمة والمعارضة. وحين تستخدم الدولة العنف في معالجة الصراع تلجأ المعارضة الى نهج التآمر.
مع ان التيار القومي لم يتبلور تنظيمياً على مستوى الجماهيري بصورة مبكرة، فأن تأثيره كان واضحاً في مجرى الاحداث السياسية والعسكرية. لقد تأثر التيار القومي بتجربة الوحدة الالمانية سطحياً. من دون دراسة المسيرة التاريخية التي قادت اليها. ما قاد الى اغتراب الايديولوجية القومية الوحدوية عن درجة نضج الشعوب العربية وتخلفها عنها.
قامت دولة البعث في العراق وسط هذا الصراع بين دولة العشيرة ودولة المدينة في الطور الاول من حكم البكر، صدر قرار بالغاء الالقاب في اسماء مسؤولي الحزب والدولة. ثم سجل صعود صدام الى رئاسة الدولة طور جديد من مجيء دولة العشيرة وانتقل الى عقر الدولة بالاستهانة بالقانون والمؤسسات الحكومية. تمخض عن مساعي انموذجا مشوهاً ورثاً لدولة العشيرة، غير جدير بالحياة والاستمرار.
تعرضت شجرة المواطنة لتقليم جائر وذلك في التشكيك بوطنية قطاع واسع من المجتمع العراقي، وابتسر مصطلح الوطنية على البعض دون البعض الآخر، وعشعش في قاموسنا السياسي ردحاً من الزمن مصطلح القوى الوطنية من دون أن ندرك وجهه الثاني المتمثل بتقليص الخارطة السكانية للوطنية. وتحول ذلك الى سياسات رسمية في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي تمخضت عنها سياسيات عرقية جائرة رمت بمئات آلاف المواطنين العراقيين الى خارج الحدود.
انقسم العراقيين في تقييم 9/4/2003 ما بين وصفه بالتحرير وما بين وصفه بالاحتلال والمهم هو النتائج التي ترتبت وتترتب على ذلك الحدث جديرة بالافصاح عن مغزاه واطلاق الفصل بحقه. وخيل للعراقيين ان سقوط نظام البعث الشمولي، وتدشين النظام الديمقراطي، واطلاق الحريات العامة، وتشريع دستور دائم، وممارسة الانتخابات. كل ذلك سينتشل العراق من ازماته. بيد ان الازمات آخذه بالاحتدام. ان ما يعانيه العراق ليس ازمات، بل معضلات يستعصى الخروج منها، وتمتد هذه المعضلات بجذورها الى معضلة بنيوية عامة في الدولة العراقية المعاصرة، وحري بنا ان نتابع ظروف ولادتها واستمرارها واحتدامها. ويرى البعض ان حكم البعث كان مجرد كابوس على المجتمع العراقي، وتحظى هذه الرؤية بالقبول لدى اوسع القطاعات. بيد ان الباحث ينبغي ان لاينقاد الى هذا المزاج الانفعالي فتكون احكامه واستنتاجاته ردود فعل تفقده البوصلة العلمية في تقييم الامور. ان النظرة التبسيطية والتسطيحية للظواهر تحرمنا من الوقوف على حقائقها. وقد كرس الاعلام بعد السقوط لتعرية النظام الصدامي، ولكنه لم يسلط الضوء حول كيفية بقائه 43% من عمر المشروع السياسي العراقي.
مرت قضية النفط في العراق بثلاث محطات رئيسية: تمثلت الأولى باتفاقية مناصفة الارباح مع شركات النفط الاجنبية 1952، والثانية في قانون رقم 80 عام 1962، الذي انتزع نسبة99% من الاراضي الخاضعة لامتيازات شركات النفط الاجنبية، اما المحطة الثالثة فقد تمثلت في تأميم النفط. مثلت قضية النفط حجر الزاوية في المشروع الوطني العراقي، الذي كان هدفه تحرير الثروة النفطية من الاحتكارات الاجنبية، ولكن جانباً جوهرياً من القضية بقي طي الاغفال، وهو ماتختزنه الثروة النفطية في ظل نظام مستبد واقتصاد متخلف من قدرة على صياغة علاقة غير متوازنة بي الحكومة التي تمسك بيدها السلطة والثروة من جانب، والشعب المغترب عن ثرواته من جانب آخر.
قد تنجح الحكومة في تطويق بعض الازمات ظرفياً، ولكن ذلك يكون على حساب احتدام ازمات أخرى، فمثلاً: تتجه الحكومات الى معالجة البطالة باستحداث المزيد من الوظائف العامة في اجهزة الدولة: المدنية والعسكرية، بيد ان هذه التدابير لاتقضي على البطالة، بل تنقلها من الشارع الى اجهزة الدولة وهو ما يؤدي الى استشراء البطالة المقنعة فيها، وتردي فاعلية أدائها. ويقود ذلك من جانب آخر الى زيادة هيمنة الدولة على المجتمع باتجاه احتواءه، وهذه واحدة من سمات الاستبداد النفطي.
ان الاستبداد المعاصر ليس نسخة من الاستبداد الشرقي الذي مر على العراق تاريخياً. على الرغم من السمات المشتركة التي تجمع بين البلدان الريعية فان ثمة خصوصيات تنفرد بها تجربة كل منها. ويذهب الكثير من الادبيات الاقتصادية والسياسية الى تفسير الاستبداد السياسي في البلدان الريعية بالقاعدة المالية التي يرتكز عليها (عوائد النفط) اي الاستبداد النفطي الذي يعبر عن زيجة بين تسيد عوائد النفط واستبداد النخبة الحاكمة، فيخضعان الاقتصاد والمجتمع لإرادة منفردة. وهو ماجعل المشروع السياسي العراقي تتأثر مباشرة بعوائد النفط، وكيف كان الاستبداد السياسي يستشري مع زيادة عوائد النفط وطغيانها على الاقتصاد العراقي، بينما تهتز اركانه عندما تقل تلك العوائد.
يشعر العراقيون بغربتهم عن ثرواتهم النفطية، ويجدون ان الحكومات غير أمينة في التصرف بها، وهو يمثل جوهر التناقض بين السلطات الحاكمة من جهة والشعب العراقي من جهة أخرى. ان منظومة الاستبداد النفطي هي حصيلة اتحاد السلطة الحاكمة المستبدة بالثروة النفطية، وسر استمرار هذه المنظومة هو التخادم بينهما، عوائد النفط تخدم هيمنة الحاكم المستبد على المجتمع، وهو من جانبه يخدم تفرد النفط بالاقتصاد العراقي وتهميش قطاعاته المنتجة، وفي الحصيلة النهائية قيّض للعامل السياسي أن يلعب الدور الحاسم في التحكم بمسارات تطور العراق: اقتصاديا ومجتمعياً، لهذا لم تسفر منظومة الاستبداد النفطي عن تركيبة طبقية واضحة المعالم، لان الطبقة مقولة اجتماعية اقتصادية تحتضنها السياسة، ولكن لاتلدها.
اهم خطوة في تفكيك الاستبداد النفطي في العراق، وذلك في انتزاع عوائد النفط والغاز من الحكومة، فلا تعود قيّمة عليها، تتصرف بها وفق مشيئتها ومصالحها. ويجب ترشيد جهاز الدولة، واعادة بنائها. ويجب تحويل الدولة الى واحدة من الجهات المستفيدة من العوائد النفطية لتحويل موازناتها العامة، بينما تخصص بقية العوائد لتمويل صناديق اجتماعية وانمائية. وينبغي ان لاتتجاوز تخصيصات باب النفقات التشغيلية نسبة معينة من اعتمادها الممولة من عوائد النفط، مايحفزها الى تنشيط ايراداتها غير النفطية، ويعد انخفاض هذه النسبة معياراً لفعالية اداء الحكومة، حينها لن تكون طليقة اليد في توسيع اجهزتها.
استهدف المشروع السياسي العراقي في بداياته تأسيس دولة عصرية وعلى اسس ليبرالية، ولكنها سجلت خطاً بيانيا تنازلياً. فمن دستور دائم الى دساتير مؤقته، ومن تعددية حزبية الى حكم الحزب الواحد، ومن حكم نخبة متمدنة، الى حكم نخب بذهنية ريفية. ومر على العراقيين ثمانية عقود ضربوا رقماً قياسياً في عدد الدساتير التي شرعوها لانفسهم. بيد انهم اخفقوا في صياغة عقد اجتماعي، يتفقون بموجبه على قواعد العيش المشترك فيما بينهم.

مقتربات الى المشروع السياسي العراقي 1921_2003:
ان المستقبل لايمكن استشرافه ما لم نعود الى تاريخه لتتكشف حقائق الأشياء. وليس أمام الباحث إلا اللجوء الى تفكيك المشهد الى عناصره الأولية، والتحري عن جذورها في المشروع السياسي السابق. لتجاوز تعقيدات المشهد السياسي الراهن. وليس الهدف هو الرجوع للماضي واستعراض احداثه او استذكارها، بل نعيد قراءتها برؤية جديدة في ضوء النهاية المأساوية التي آل اليها المشروع السياسي السابق. ولن تجدي القراءة الجديدة اذا غضضنا الطرف عن الانقسامات والتناقضات التي لاتروق لنا، ثم وجدنا تلك الانقسامات قد استشرت وراحت تلون بصبغتها نسيج المجتمع العراقي. ان العلل التي يعانينها الوعي لاتعالج بالتربيت عليها، بل بأسلوب الصدمة.
يقصد بالمشروع رؤية مؤملة يشرع بتحقيقها عبر صيرورة مستمرة. وينتهي المشروع اما بتحقيق هذه الرؤية او الأخفاق. ولان الدولة تستمد وجودها وآليات عملها من المجتمع ومؤسساته، تطورها وتخلفها يعبران عن تطور او تخلف المجتمع.
استهدف المشروع السياسي العراقي في بداياته تأسيس دولة عصرية وعلى اسس ليبرالية، ولكنها سجلت خطاً بيانيا تنازلياً. فمن دستور دائم الى دساتير مؤقته، ومن تعددية حزبية الى حكم الحزب الواحد، ومن حكم نخبة متمدنة، الى حكم نخب بذهنية ريفية.
يقصد بالمنظومة مجموعة من العناصر المترابطة فيما بينها على نحو يؤهلها لأداء وظيفة معينة. وهي موجودة في الكون والطبيعة والمجتمع. وأي خلل فيها يؤثر في المنظومات الأخرى ودرجة فعالياتها، ولا ينبغي ان نقيم المنظومة بدالة احد عناصرها فقط، وان لانتوهم ان مجرد ترميم عنصر فيها من شأنه ان يعالج مشاكل فاعلية المنظومة على وجه العموم.
ولهذا اعتدنا على التعامل التجزيئي، وقاد ذلك إلى: غياب الحكم الموضوعي للمنظومة بأكملها، ومحدودية المعرفة لمواطن ضعف المنظومة، وسيادة ردود الفعل في التعامل مع المشاكل، وضعف استيعاب علاقة المنظومة بالبيئة المحيطة وقنوات التفاعل والتأثير المتبادل فيما بينها. فعناصر تقييم المنظومة تشمل المحكومين والحاكمين على حد سواء. ويمثل المشروع السياسي العراقي حصيلة تفاعل تناقضات المجتمع باسره. وتتجلى فاعلية المنظومة السياسية في قدرتها على معالجة هذه التناقضات.
ان واحدة من اخطر إشكاليات وعينا السياسي: حكمنا على المنظومة من خلال احد عناصرها. ويخيل لنا ام معالجة هذا العنصر يكفل اصلاح المنظومة باكملها، ويفوتنا أن فساد هذا العنصر لايحدث من تلقاء ذاته، انما بسبب خلل في المنظومة.
يرى البعض ان حكم البعث كان مجرد كابوس على المجتمع العراقي، وتحظى هذه الرؤية بالقبول لدى اوسع القطاعات. بيد ان الباحث ينبغي ان لاينقاد الى هذا المزاج الانفعالي فتكون احكامه واستنتاجاته ردود فعل تفقده البوصلة العلمية في تقييم الامور. ان النظرة التبسيطية والتسطيحية للظواهر تحرمنا من الوقوف على حقائقها.
كرس الاعلام بعد السقوط لتعرية النظام الصدامي، ولكنه لم يسلط الضوء حول كيفية بقائه 43% من عمر المشروع السياسي العراقي. اما الحديث عن المصالحة فكيف يوصف الدواء قبل ان تشخص العلة، ثم هل المصالحة مرحلية ام ستراتيجية وهل تشمل الماضي فقط ام المستقبل؟
تنصب اطروحات الكتاب على دراسة المجتمع العراقي واشكالياته البنيوية الذي اهمله الخطاب السياسي العراقي. ان الظواهر السياسية بأشكالها وتجلياتها المختلفة، انما هي افرازات لواقع المجتمع العراقي، تناقضاته واشكالاته البنيوية. واذا غيبت هذه الحقيقة عن وعي المجتمع سيظل يفتش عن العلل خارجه، ويغفل العلل التي يعانيها. لهذا لانتصدى للبحث في المشروع السياسي بوصفه مرحلة تاريخية انتهت، بل مسيرة لانزال نعيش تداعياتها.
ثمت ذهنية سيطرت على المشروع السياسي العراقي طموحة في اهدافها، وتجلت في سياسة حرق المراحل وهي (الارادوية) التي تؤمن ان عماد التحول الثوري انما هو توفر الارادة في التغيير، وبصرف النظر عن توفر الامكانات الموضوعية لحدوثه. ان الوعي السياسي المعاصر نتيجة التحولات السياسية بسرعة بعد سبات استغرق مئات السنين. ففي زهاء عقدين عاش احداثاً لم يعش ما يماثلها خلال قرون. وولدت هذه السرعة المفاجئة في توالي الاحداث إشكاليتين في وعيه السياسي. تتمثل الاولى في استسهال عملية التغيير السياسي، والثانية في الخوف والتوجس من الخارج.
يترك التاريخ الحضاري لكل امة بصماته على حاضرها، بيد ان اثر هذه البصمات وفاعليتها لا يتحققان على نحو ميكانيكي بمعزل عن ظروف وشروط الحاضر. يخطئ من يتصور ان التفاعل مع التاريخ تحكمه وشائج القربى والنسب فقط. وقد يبدو غريبا القول: ان الوشائج بين رصيدنا الحضاري التاريخي وحضارة العالم المعاصر هي اقوى من وشائج النسب التي تربطنا به. ثمة اشكالية في عميق صميميتنا مع التاريخ، فنحن من اكثر الأمم حديثاً عن تاريخها وتعامل فج مع آثاره الحضارية في العراق.
كانت الوطنية في العهد العثماني وحتى بدايات القرن العشرين مفهوماً هلامياً، الوطن كمقولة سياسية لايأخذ ابعاده الفعلية الا في اطار كيان سياسي مستقل: الدولة ذات السيادة الوطنية. وتجربة المجتمع العراقي مع مؤسسة الدولة مريرة للغاية، خاصة عبر زهاء سبعة قرون تعاقبت على حكمه دول اجنبية محتله، عمقت بينه وبين مؤسسة الدولة.
التهرب الوظيفي يمثل ظاهرة اجتماعية وسياسية واخلاقية تشف عن الهوة بين الدولة والمجتمع، وعن خلل وتأزم بين طرفي معادلة المواطنة: الدولة والمواطنين. حين ينظر المواطن الى الدولة بوصفها أداة قهر وابتزاز، وتبديد الأموال العامة، يتلمس لنفسه العذر للتهرب من الضريبة.
تعرضت شجرة المواطنة لتقليم جائر وذلك في التشكيك بوطنية قطاع واسع من المجتمع العراقي، وابتسر مصطلح الوطنية على البعض دون البعض الآخر، وعشعش في قاموسنا السياسي ردحاً من الزمن مصطلح القوى الوطنية من دون أن ندرك وجهه الثاني المتمثل بتقليص الخارطة السكانية للوطنية. وتحول ذلك الى سياسات رسمية في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي تمخضت عنها سياسيات عرقية جائرة رمت بمئات آلاف المواطنين العراقيين الى خارج الحدود تحت ذريعة "التبعية الايرانية" وترك شرخاً عميقاً في بنية المجتمع، وآثاراً نفسية وقانونية، سيظل المجتمع العراقي يعانيها لسنوات قادمة. والعراقي وان كان يحمل هوية الاحوال المدنية تبقى متهما ب لاعراقيتك حتى تثبت براءتك بالحصول على شهادة الجنسية العراقية.
هيمنت النزعة الانقلابية على المشروع السياسي العراقي، وافرزت الانقلابات عقيدة تجذرت في الوعي السياسي للعراقيين مفاده ان الجيش هو العامل الحاسم في تحريك الاحداث. وبالمقابل شعرت القوى السياسية المعارضة ان من المتعذر عليها ممارسة دورها في احداث التغيير دون الاستعانة بالمؤسسة العسكرية. وادرك الجيش مبكراً ان كلا من الدولة والمعارضة يعملان على توضيفه لخدمة اغراضهما. فقرر أن يلعب اللعبة لحسابه مستثمراً موقعه السلطوي الضارب من جهة وراكباً موجة المعارضة من جهة أخرى، متبنياً شعارات تتناغم وتطلعات الجماهير، ليضمن تأييدها.
انغرست في وعينا السياسي مفردة المؤامرة وتشعبت بها اجوائنا السياسية. والتآمر في حقيقته هو حصيلة اخفاق المشروع الليبرالي الذي يسمح بالصراع المكشوف بين السلطة السياسية الحاكمة والمعارضة. وحين تستخدم الدولة العنف في معالجة الصراع تلجأ المعارضة الى نهج التآمر. لهذا فان فرشة تاريخية لنشوء وتطور العنف في العراق تبدو ضرورية لفهم التداعيات الارادوية المعاصرة في المجتمع العراقي. وهي في نفس الوقت مناقشة للرؤية التسطيحية الى تداعيات العنف الذي يشهده العراق اليوم. واختزاله الى مجرد ارهاب مستورد لاتربة له في المجتمع العراقي. وذلك لفشل المشروع الليبرالي، وعنف المشروع السياسي.
وحين نصف العراقيين بالعنف، لايحدونا التعريض بتاريخهم الحضاري. انما لشعورنا ان الفكر السياسي العراقي مازال يتهرب من تناول هذه الظاهرة، مكتفياً بالقاء مسؤولية ما يحدث على جهات وراء الحدود. ان الانتقال الى عراق خال من العنف لايتحقق الا بالاعتراف بهذه العلة وتسليط الضوء على عواملها التاريخية والراهنة. عندها فقط يمكننا فقط تلمس سبيل الخروج من دائرة العنف اللعينة.
يتطلب التقييم المنصف لي مشروع سياسي وطني، الوقوف على مستوى وعي المجتمع الذي اسس المشروع. وتقال بالمقابل فاعلية المشروع بدرجة تأثيره في تطوير هذا الوعي.
ان الاحزاب والتيارات الديمقراطية تقف عند حدود الهامش من الحرية او الحصول على بعض المكاسب السلطوية المتواضعة. وبسبب الرؤية الضيقة للوطنية، فان الحريات الديمقراطية كانت تطلب لقطاعات من الشعب، بشرط حجبها عن قطاعات اخرى. هل يقف استفحال التيارات الراديكالية وراء اخفاق المشروع الليبرالي ام ان اخفاق المشروع الليبرالي حفز استفحال التيارات الراديكالية؟ ان الدساتير والقوانين لاتخلق العلاقات الاجتماعية قسراً، فما هي إلا قواعد وآليات عقلانية لتنظيمها وتطويرها. واخفاق التجربة الليبرالية وبدء الانقلابات سجل بدء نشوء الاسلام السياسي.
يختزن الفرد العراقي في اللاشعور بواعث على النفور من التقييم أسستها القيم الاجتماعية التي تدعو الى التستر على العيوب. ويصيب معظم قرائنا السأم من المقالات والنتاجات الفكرية التي تعتمد على الجداول الرقمية، ان استمرار عدم الاكتراث بالتقييم الدقيق للأشياء وخاصة التقييم الرقمي إنما يشف عن الاصرار على الانفلات المعرفي، والاستهانة بخطورة تداعيات ذلك في وعي المجتمع.
ولم تقتصر تجليات فشل المشروع الليبرالي على سلوك النخب الحاكمة فقط، بل وانعكست على المعارضة. وظهر ذلك في تحالفها مع القوى غير السياسية مثل العشائر والجيش. ومن تداعيات اخفاق المشروع الليبرالي استفحال السلبية في سلوك الجماهير.
ان القرارات الاقتصادية والاجتماعية، مهما اكتسبت بالطابع التقدمي الثوري، تفقد فاعليتها ان لم تحتضنها منظومة سياسية عقلانية. فقرار التعيين المركزي لخريجي الكليات والمعاهد الذي اتخذ في السبعينات، قوبل بترحيب الجماهير، ولكنه قاد الى اتخام دوائر ومؤسسات الدولة بموظفين فائضين عن حاجتها. وهو في حقيقة تجييراً للبطالة من الشارع الى اجهزة الدولة.
مايثير الخوف استمرار الخطاب السياسي في النأي بنفسه عن الأشكاليات البنيوية للمجتمع العراقي. وما يثير الانتباه في الاحتلال الأجنبي للعراق2003 هو لامبالاة المجتمع، بل وترحيب بعض شرائحه بالاحتلال. لم تمثل الطائفية تاريخياً التناقض السياسي البنيوي الأساس للمجتمع العراقي. ان
السياسة الطائفية والشوفينية ترتويان من منبع واحد، وهو الاستبداد وضيق الأفق السياسي.

ضوء على ولادة المجتمع العراقي المعاصر:
عاش العراقيين اطول فترة انقطاع حضاري سبعة قرون بعد زوال الحضارة العباسية نتيجة تلاشي الاطار المجتمعي الذي يجمعهم وانحلالهم الى جماعات متفرقة منكفئة على ذاتها. فالجماعة مجموعة من الناس يوحدها العيش المشترك وتجمع افرادها قيم روحية تحكم انتمائهم الطوعي الى الجماعة. اما المجتمع فهو منظومة علاقات وقواعد تضبط ايقاع حركة الجماعات المتباينة من حيث المصالح والقيم والتقاليد والثقافة. ولايجمع شملها الا تحت خيمة الدولة، وبغيابها لايمثل الناس مجتمعاً بل جماعات مبعثرة، تتحرك وتتصرف طبقاً لمصالحها وقيمها المتباينة، والتي غالباً ما تتقاطع. وبقدر فاعلية سلطة الدولة على تلك الجماعات يتحدد مستوى تماسك المجتمع وقدرته على العطاء الحضاري. ولا يغير من هذا الاعتبار كون الدولة مستبدة فجميع الحضارات التي قامت بالعراق كانت مستبدة استبداداً منتج. الذي يعبئ الموارد البشرية والطبيعية لتشييد الصرح الحضاري. يقابله بالضد الاستبداد الطفيلي الذي يبدد ثروات المجتمع ويشرذم مكوناته، من دون ان ينتج ويشيد. وآخرها الاستبداد العثماني الطفيلي.
دأب المؤرخون على تقسيم التاريخ الانساني الى ثلاثة عصر (قديم وسيط وحديث)، وقد تأثر ذلك المعيار تحقيب تاريخ العراق بالمحورية الاوربية التي تفترض ان تاريخ البشرية يتمحور حول السياقات التاريخية لاوربا التي شوهت رؤيتنا لتاريخنا فنسبنا كل سلوك ظلامي الى القرون الوسطى، ويفوتنا انه خلال بعض تلك القرون شهدت الحضارة العربية الاسلامية ذروة تفتحها. ثم عدنا لاحقاً لنصف القرون المظلمة بالحداثة!. العصر حقبة طويلة في التاريخ تشهد تغيرات نوعية هامة، تميزها عن الحقب السابقة واللاحقة لها. وقد تتزامن جماعتين دون ان تتعاصران اي لا تتأثر بمعطيات ذلك العصر. مثل تزامن القبائل العربية البدوية للحضارتين الساسانية والبيزنطية دون ان تتأثر بهما. وكذلك الحال العراقي بعد تأسيس الدولة العراقية 1921 فهو مفهوم ملتبس. وازداد التباساً حين تأثرت طلائع المثقفين بالايديولوجيات الحداثوية، بينما لم يكن المجتمع العراقي قد قطع تاريخياً وموضوعياً، مشواراً يذكر في الحداثة التي اقترنت تاريخياً بالثورة الصناعية. وانعكست تلك التطورات في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي مثلت تغيرات في البنية التحتية للدولة، ماخلق توازناً بين الدولة والمجتمع. بينما شقت عملية التحديث في العراق المعاصر لحظات اندفاع مرة ونكوص مرة أخرى، واخفقت قوى الحداثة في تحقيق برامجها وارساء اسس المجتمع المدني. ولابد لنا للاجابة على هذه المسيرة ان نتحرى عن عناصر البنية التحتية للمجتمع العراقي. تناشزها وتجاذباتها في عملية التحديث. وهو ما يحيلنا الى فرضية التناشز ل(الوردي) والتخلخل ل(بطاطو).
ان الصراع بين البداوة والحضارة وجد له مسارات جديدة في البناء التحتي للمجتمع، حكمت من حيث الحصيلة المسيرة المتعرجة للمجتمع المدني في العراق والتناشز الذي اختزنته عبر صفحات المشروع السياسي 1921_2003 بسبب تجذر البنية العقائدية والايديولوجية لثقافتنا، بات من العسير علينا ان نتحرر من املاءاتها في فهمنا ورؤيتنا للظواهر والعمليات الاجتماعية. وصارت حتى الاطاريح المعرفية الليبرالية تختزل عندنا الى عقائد. حتى المجتمع المدني يبدوا وقع أسر هذه العقائدية. وقد وجدت الدعوات الى المجتمع المدني الى استجابة ما بعد 2003، واتخذت مسارات عديدة وفي مقدمتها تأسيس مئات منظمات المجتمع المدني بعضها برعاية منظمات دولية. بيد ان نضج المجتمع المدني لايقاس بكثرة عدد تلك المنظمات بل بفعالية ادائها. وهو ليس حصيلة جمع المنظمات المعنية بشؤونه. وعلى الناشطين تقصي الظروف التاريخية والمقومات المجتمعية التي حكمت مسيرة المجتمع في العراق منذ العشرينات، ليقفو على نجاحها واخفاقاتها. ولا يجب ان تتحول الحداثة الى ايديولوجية وعقيدة جامدة تصنف بمعيارها مكونات المجتمع الى مراتب. بعضها مؤهل للانخراط في المجتمع المدني وأخرى غير مؤهلة. تشف هذه النظرة الدوغمائية عن فهم مشوش لمضمون ووظائف المجتمع المدني. فهو في حقيقة الأمر ذلك المجتمع المؤهل لدمج مكوناته كافة دون استثناء.
انقسم العراقيين في تقييم 9/4/2003 ما بين وصفه بالتحرير وما بين وصفه بالاحتلال والمهم هو النتائج التي ترتبت وتترتب على ذلك الحدث جديرة بالافصاح عن مغزاه واطلاق الفصل بحقه. يجدر برجال الفكر ان يبحثوه، شرط ان يتطهروا من ادران التوصيفات المبتسرة: عميل، قومي، شعوبي، تقدمي، رجعي. وان لايستسهلوا الامر، فيعلقوا المسؤولية على اقرب شماعة.
مر على العراقيين ثمانية عقود ضربوا رقماً قياسياً في عدد الدساتير التي شرعوها لانفسهم. بيد انهم اخفقوا في صياغة عقد اجتماعي، يتفقون بموجبه على قواعد العيش المشترك فيما بينهم. يرجع البعض سبب ذلك الى الانقسامات الناشئة عن تعدد المكونات. ويبدوا ان الامر لايتعلق بماهية الانقسامات، بل في تعصب اطرافها فيما بينهم. وقد افصحت ثقافة التعصب عن نفسها بعد 9نيسان بين المكونات السياسية المتحاربة وحسب، بل واحياناً بين كتل سياسية تجمع بينها عقود طويلة من التعاطف والتآلف. لايمكن رد الانقسامات الى الصراع الطبقي كما يؤمن الماركسيون، ولا الصراع بين الشعوبية والوحدوية، كما يشيع القوميون، ولا التقاطع بين الرؤيتين العلمانية والدينية.
ان دمغة الانحراف قد شاعت في اجوائنا السياسية. وما يثير الاهتمام هي موضوعة الانحراف ذاتها وتوضيفها في تفسير الانتكاسات التي شهدها المشروع الوطني العراقي. هل هناك انموذج معياري للوطنية العراقيه النقية يصلح لقياس الانحرافات. ان وجود مثل هذا النموذج المعياري يتطلب وجود رؤية موحدة للوطنية العراقية، بينما دللت الاحداث ان الوطنية العراقية كانت ولازالت فكرة هلامية ولذا نجدها قد تحولت من نواة كان يجدر بالقوى السياسية ان تنسج حولها مشتركاتها، الى اداة لتكفير بعضها البعض الآخر، واتهامه بالمروق عنها.
يثير موضوع الانتقال من منظومة اجتماعية الى منظومة أخرى، العديد من الاشكالات النظرية والتطبيقية، فالمنظومة الاجتماعية الجديدة لاتولد عن فراغ، بل تنشأ مقدمتها في رحم المنظومة القديمة. وضوء ذلك يميز جوزيف شومبير بين نمطين للانتقال: الانتقال الناضج، والانتقال الغير ناضج. ان الطبيعة الانتقالية للحقية المعينة تملي على الباحث ان يتعاطى مع ظواهرها ضمن شروطها الانتقائية. ان الطابع الانتقالي الذي وسم حركة المجتمع العراقي منذ عشرينات القرن الماضي منذ عشرينات القرن الماضي والى الان، يجعل المجازفة اطلاقة اطلاق الاحكام القاطعة.
مصطلحا الوردي وبطاطو التناشز/التخلخل الاجتماعي ظاهرة انتقالية تقع خارج اطار المنظومة المتماسكه. هي طور انتقالي لتشكيل المنظومة الاجتماعية الجديدة. فالوحدة العشائرية لاتعاني من تناشز واذا ما نشز احد افرادها يحاصر وينبذ، لكن حين تفرض الظروف على الوحدات العشائرية الانخراط مع مكونات اجتماعية اخرى تنشأ حينئذ امكانية التناشز. ان التناشز من جانب آخر يعبر عن حراك المجتمع. وانفتاح مكوناته بعضها على بعض. ولا مجال للحديث عن تناشز المجتمع العراقي في العهد العثماني. وقبل الحرب العالمية الاولى لم يكن للعراقيون مشروعاً وطنياً مستقلاً، ولقد ولد المشروع الوطني العراقي في رحم الاحتلال البريطاني.
في العراق وبسبب تأخر بدايات التصنيع، وضعف تراكم رأس المال الخاص، فلم يقيض للمصالح الطبقية الجنينية ان تحدث اختراقاً في البنى الاجتماعية العصبوية التي تنتمي الى ماقبل المجتمع الصناعي.
تكتسب صراعات المجتمع طابعاً عقلانياً واعياً، ويصبح تطور المجتمع سالكاً. ولكن حين يتباطأ نشوء ونضج تلك التناقضات، يصبح نسيج المجتمع هشاً، قابلاً للاختراق عن اية انقسامات تتوفر على دينامية عصبوية عالية، مستندة الى تراث مؤسسات اجتماعية تنتمي الى ماقبل المجتمع المدني.
نشأت العشيرة في رحم القبيلة البدوية، وهي الوريث الشرعي لثقافة البداوة، ولكنها ليست مرادفاً لها. كما ان المدينة العراقية في العهد العثماني لم تكن تلبي مضمون ووظائف المركز المدني. وقد مرت العشيرة بأطوار استحالة نوعية بين (1858_1958) صدر قانون تمليك الاراضي العثماني، وبعد مئة سنة صدور قانون الاصلاح الزراعي. وتمليك الاراضي العثماني كان بغرض السيطرة على تمرد العشائر. وكانت العشيرة متماسكة في العهد العثماني مقابل هشاشة المدينة الى حد الضمور. ذلك ان عمر العشيرة يمتد عمرها الى الاف السنين. اما المدينة فتنشأ وتنتعش في كنف الحقبة المعينة، وتتقوض مع زوالها. حين يطلق صفة المؤسسة على العشيرة يرمي الى المؤسسة الاجتماعية التي تولد في كنف ظروف تاريخية معينة، ويستغرق تشكيل البعض منها قروناً متعاقبة. ولاتزول الا بزوال تلك الظروف، وليس بقرار سياسي أو اداري. فهي ذات تدرج تاريخي في تشكيلها، واستقرار قواعدها ومعاييرها، وصرامة التعامل مع اعراض الانحراف عن القواعد، ومنعتها ازاء المؤسسات الأخرى.
ان نكوص المسيرة الحضارية في العراق، لم يترك اثر في المؤسسة القبلية. اذ انصب الدمار على المدن العراقية. ويعود ذلك الى ان القبائل البدوية لاتتعرض للدمار الذي تتعرض لها المدن على ايدي الغزاة. فهي لاتملك من الموجودات والانشاءات والقلاع والاسوار، ما يمكن ان يتعرض للدمار، وليست مجبرة على الاستيطان في مناطق محددة. لقد افتقرت المدن العراقية وقت ذاك الى الديناميكية الحضارية للتاثير في المجتمع العشائري. بل يصح العكس. فقد كانت المؤسسة العشائرية تخترق حياة ابناء المدن في الكثير من مفاصلها الثقافية والسلوكية، وتملي عليها مشيئتها. ان الكثير من احياء المدن كانت تسكنها امتدادات عشائرية وتحمل اسمائها.
مع الغزو البريطاني لجنوب العراق وجد العراقيون انفسهم فجأة امام تطور عاصف لاحداث تجري بايقاع سريع. وهو ما سجل بشائر انخراطهم في المسيرة المجتمعية للعراق المعاصر. يتمثل اهم مستجد في تلك الحقبة، في فتح قنوات الاتصال والتواصل بين المدن والعشائر العراقية، ما اهلهم للانخراط في فعل مشترك يعد الاول من نوعه عبر قرون من الانعزال والتقوقع والجفوة والاقتتال. لان تقوقع الجماعات على نفسها يخفي وراءه خوفهم ووساوسهم ازاء بعضهم البعض، ما يدفع الى التخندق وحماية انفسهم، كل على طريقته وادواته الخاصة. ان اهم معالمها ان العراقيين خرجوا من القوقعة الفكرية التي كانوا عليها طيلة العهد العثماني، والتي صورت لهم ان فكرة الاستقلال تعد بمثابة المروق على الاسلام. وتصدى ابناء المدينة لرسم معالم الاختيار الجديد: الاستقلال الوطني. وتحولت بغداد بؤرة اعلامية للثورة رغم انها تحت قبضة قوية للانكليز ونجحت في تسليط الضوء على طابعها الوطني لثورة العشرين. وحين انخرطت فيها كافة الجماعات المتباينة من حيث انتمائاتها: الدينية والعرقية والطائفية والمناطقية وهذا ينفي الرأي الذي يسعى الى اختزال ثورة العشرين الى مجرد تمرد عشائري على بريطانيا. غرست ثورة العشرين لدى الجماعات التي شاركت فيها بذرة الوطنية بيد انها تباينت في ادراك استحقاقاتها وقد تجلى هذا التباين اثناء تأسيس الدولة عندما انخرط عقد التحالف بين العشائر والمرجعيات الدينية والافندية.
شعرت العشائر ان ابناء المدن قد زجو بها في حرب مع الانكليز وتكبدو خسائر وتضحيات، بينما ابناء المدن وحدهم يقطفون ثمار تلك التضحيات من خلال تشكيل اجهزة الدولة. وادركت العشائر انهم في منافسة غير متكافئة مع ابناء المدن التي طالما نظرُ اليهم بعين الريبة والاحتقار. لذلك توجهت العشائر للتعامل المباشر مع الانكليز ان ادماج العشائر في المسيرة المدنية مهمة عسيرة مادفعها لتشريع نظام المنازعات المدنية والجزائية وفق تقاليدها العشائرية. وكان هذا رغم ارادة المدينة. وهذا ما دفع العشائر للتكتل لإقرار النظام قانونياً. وادركت المؤسسة العشائرية ان قانون الخدمة الالزامية تهديداً لها فرضته رفضاً باتاً بمساعدة الانكليز. واثبتت الاحداث ان الجيش وظف لاحقاً في قمع الشعب وليس محاربة عدو خارجي. لكن الموازين تغيرت لاحقاً لصالح ابناء المدينة فقد تحولت بغداد الى حواضر للإدارة الحكومة للتجارة والثقافة، ومركز للحراك السياسي والاجتماعي. وبالمقابل تعرضت العشيرة لتغيرات جوهرية في نسيجها الاجتماعي، وبدأت تفقد بالتدريج العلاقة الابوية التي حكمت العلاقة بين ابناء العشيرة وشيخها، بعد ان بدأ يمارس الاكراه الاقتصادي على ابناء عشيرته بوصفه مالكاً لمساحات شاسعة من الاراضي الزراعية، وهم منزوعو الملكية مرغمون على العمل عنده. وتحسنت العلاقة مع الدولة الفتيه بعد ان اقرت الدولة قانون "اللزمة" وعندما ادركت الحكومة ان الخطر عليها يأتي من ابناء المدن بالانقلابات وليس من العشائر، فقام بتعزيز وشائجه مع المؤسسة العشائرية في العقدين الاخرين له. فما كان من ابناء العشائر المسحوقين، الا ان يفكروا بالهجرة الى العاصمة بغداد، لينتزعوا بأيديهم فرص العيش. وعلى النحو بدأت مسيرة طلائع المهاجرين من ابناء العشائر الى بغداد من ثلاثينيات القرن الماضي. منذ ذلك الحين رسم التقسيم الاجتماعي لهيكل الجيش العراقي: الضباط من ابناء المدن، ومعظم الجنود والمراتب من ابناء العشائر. ان الاندماج المجتمعي لايحكمه الجوار الجغرافي لمكونات المجتمع وحسب، بل شروط وظروف هذا الجوار، وطبيعة الاتصال والتواصل بين المكونات المتجاورة. والسؤال لماذا وصل المهاجرون من ابناء العشائر تشبثهم بثقافة العشيرة على الرغم من نزوحهم من ديارهم؟ في حين ضنت الحكومة انها ستخترق العشيرة باستقبال المهاجرين.
قامت دولة البعث في العراق وسط هذا الصراع بين دولة العشيرة ودولة المدينة في الطور الاول من حكم البكر، صدر قرار بالغاء الالقاب في اسماء مسؤولي الحزب والدولة. ثم سجل صعود صدام الى رئاسة الدولة طور جديد من مجيء دولة العشيرة وانتقل الى عقر الدولة بالاستهانة بالقانون والمؤسسات الحكومية. تمخض عن مساعي انموذجا مشوهاً ورثاً لدولة العشيرة، غير جدير بالحياة والاستمرار. فدولة القبيلة تولد من رحم كيان قبلي يختزن ديناميكية تؤهله لقهر واخضاع الكيانات القبلية الاخرى، وهو مالم يتوفر لصدام فلجأ الى ان يلبس دولة المدينة رداء العشيرة، فجاء فضفاضاً، جعل الدولة تتعثر في مشيتها حتى سقطت.
العصبوية: مصدر صناعي من العصبة، التي تعني القوم او الجماعة التي ينصهر افرادها بعضهم بعضاً. وهي ظاهرة اجتماعية تقوم على القرابة وصلة الدم من حيث المبدأ. وتعد العائلة الخلية الاولى للعصبية. وفي المجتمعات العربية المعاصرة، وجدت العصبية مسارب وتجليات جديدة لها مثل: المناطقية والطائفية والمذهبية والاثنية ولم تسلم من امتداداتها تنظيمات سياسية حداثية، مثل الاحزاب العلمانية. ولم يكن للطائفية المذهبية في صفحات التاريخ العربي الاسلامي الدلالات السياسية التي باتت تحملها في زماننا، فقد كانت تطلق على الفرقة المذهبية التي تبعد عن السياسة، اما اليوم اصبحت تحمل مضموناً سياسياً صرفاً.
لم يعد الخطاب التزويقي، للتمويه على انقسامات المجتمع العراقي أمراً مقبولا ومجديا، بعد ان افصحت هذه الانقسامات عن نفسها على نحو سافر وعنيف. بيد ان الاحكام لايجوز ان تأتي مستعجلة كرد فعل على الاحداث الجارية. فكون الانقسام الطائفي هو الذي طغى على سطح الاحداث بعد 2003 لايسوغ للباحث ان يرقى بهذا الانقسام الى مصاف التناقض الاساس الذي حكم مسيرة المشروع السياسي العراقي. ويغفل الانقسامات الأخرى التي غالباً ماكانت ولاتزال تتداخل معه. العصبوية نمط حياة اجتماعي تفرضه الظروف التاريخية التي تعيشها الجماعات ولا تظهر الا حين تخترقها علاقات جديدة، تتطلب فضاء مجتمعياً اوسع من المحيط الضيق للعصبة. وهي ظاهرة اجتماعية مركبة متعددة الاوجه وما الطائفية الا واحد من اوجهها. وما كان للعصبوية ان تفصح عن نفسها لولا ظهور نقيضها تباشير المجتمع المدني.
انخرط العراقيون في مسيرة المجتمع المدني بدون تدرج فلم تكن قد نشأت قوى المجتمع المدني تنظيماً وثقافة، ولم تكن قد تأسست قاعدته الموضوعية: الاقتصادية والاجتماعية، كما ان رؤية معظم مكونات المجتمع العراقي للدولة كانت هلامية. وكان الانقسام بين العشائر والمدن متناشزاً مع دستور ليبرالي.
حين تسنم الملك فيصل عرش العراق، وجد نفسه بين ثلاثة مدارات رئيسية: الانكليز والعشائر والمرجعية الشيعية. نجح في مناورته مع الانكليز والمؤسسة العشائرية ولكنه واجه مع المرجعية سداً عقائدياً. وهو ماجعل التصادم امراً محتماً.
1_ان المرجعية الشيعية لم تطرح نفسها سياسياً طيلة العهد العثماني، مع ذلك كانت المرجعية اول من دعا للجهاد ضد الغزو البريطاني.
2_لم تغير المرجعية الشيعية موقفها العقائدي على الرغم من هزائم الاتراك العسكرية.
3_كان الدور الطليعي الذي لعبته المرجعية في ثورة العشرين استمراراً لموقفها العقائدي 1914.
4_لاتفصح القوى المنخرطة في الثورة عن برامجها واهدافها في معمعان المعارك، وترجئ ذلك الى مابعد انتصارها.
لم يقيض لادارة المجتمع العراقي فكر أصيل مؤهل لاستيعاب جوهر مشكلاته وانقساماته، ومستوى نضجه لتقبل التغيير. سواء السلطة او المعارضة. ولقد عانى المشروع السياسي العراقي من الغربة بين المذاهب والايديولوجيات الحداثية التي تبنتها النخب الثقافية المتطلعة من جانب، وحقائق المجتمع العراقي وطبيعة انقساماته من جانب آخر. ويعود ذلك الى ظروف الحقبة التي بدأت فيها شريحة المثقفين بالتشكل. عندما احاطته الحكومة الفيصلية المثقفين بالرعاية لبلوغ النهضة، وفاته ان الشريحة ليس بمستطاعها بهذه المهمة بمفردها، بغياب عوامل التطور الموضوعية، علاقات المجتمع ومستوى تطور قوى الانتاج. ومن هنا نشأت بداية الغربة بين تطلعات الشرائح المتنورة ومعارفها الفضًة من جانب، والواقع العصبوي للمجتمع من جانب آخر. حين انبهرت بالانجازات الحضارة الغربية، وتبني بعضها مذاهب وايديولوجيات غربية. طناً منها انها بلسماً لامراض التخلف التي يعانيها المجتمع العراقي. رأى فيها انصارها عنواناً للالتزام في تغيير المجتمع. بينما اشاع مناؤوها انها دليل التزمت والتعصب والجمود العقائدي وانتهاك القواعد العلمية.
تستمد الايديولوجية اصالتها وفعاليتها من قدرتها على الكشف عن تناقضات المجتمع الحقيقة والمشكلات التي يعانيها، بما يؤهلها لتصميم برامج سياسية جديرة بتعبئة الجماهير لتغيير النظام القائم، ما يمهد لأقامة نظام اجتماعي افضل مؤهل لتقديم حلول لمشكلات المجتمع. ولا تقاس فاعلية الايديولوجية برشاقتها النظرية وجاذبية اطروحتها، ولا في قدرتها على استثارة الجماهير وحسب. فهي قد توهم الناس بأهليتها لقيادتهم. ولقد وجدت الايديولوجية تربة خصبة لدى العراقيين لما يختزنونه من موارد ثرّة للسجال والجدل ورثوها عبر القرون.
مع ان التيار القومي لم يتبلور تنظيمياً على مستوى الجماهيري بصورة مبكرة، فأن تأثيره كان واضحاً في مجرى الاحداث السياسية والعسكرية. لقد تأثر التيار القومي بتجربة الوحدة الالمانية سطحياً. من دون دراسة المسيرة التاريخية التي قادت اليها. ما قاد الى اغتراب الايديولوجية القومية الوحدوية عن درجة نضج الشعوب العربية وتخلفها عنها. اما الايديولوجيا الماركسية فقد اعتنقها عدد من المثقفين المعارضين، وتمرسوا على اساليب العمل الجماهيري. كما انهم لم يعلنوا بعد تأسيس الحزب الشيوعي. ولم يفصحوا عن دلالات طبقية لوعيهم. ان الواقع العراقي غير مؤهل لبرامج اشتراكية طبقية. وعبر بقوة عن رغبات صغار المنتجين والتجار، ولم يؤثر الطبقة العاملة بموقع خاص، عدا المطالبة بحقوقها الاقتصادية المشروعة. لهذا يصعب عن حضور فكري ملموس للايديولوجية الماركسية وقتذاك. خاصة وان مصادر التثقيف بالأدبيات الماركسية كانت شحيحة، وتقتصر على من كان يجيد الانكليزية. اما النفوذ الاعلامي للماركسية فقد جاء من الانتصارات التي حققها الاتحاد السوفيتي ولذلك اصبحت الاشتراكية السلعة الفكرية الاكثر رواجاً لمعظم الاحزاب العراقية التي تنادي بها. وقد وضعت ثورة 14 تموز القوى السياسية امام مسؤوليات جديدة اعقد من مهمة اسقاط الحكم الملكي. وترتب على كل منها ان يبلور رؤيته. وكان على الحزب الشيوعي ان يستنفر ايديولوجيته ليبلور موقفه من التحولات السياسية الجارية. وقد اثبتت التجربة ان خزينه الايديولوجي كان في غاية التواضع. ومما يجدر ذكره ان الشيوعيين العراقيين الذين طالما تمسكوا بالمخطط الطبقي للماركسية، معياراً هادياً في تحليل حركة المجتمع العراقي، بدأوا يدركون في الاونة الاخيرة انه لم يعد مؤهلاً لتفسير حراك المجتمع العراقي. فقد تعرضت بنية المجتمع العراقي ومكوناته الطبقية الى تبدلات متواصلة فرضتها حالة عدم الاستقرار ونهج وسياسات النظام المباد، واطلقت حراكاً اجتماعياً افضى الى طمس المصالح والحدود الفاصلة بين الفئات والشرائح واعاق عملية تبلورها.
دأبت الاوساط السياسية منذ عقود على تداول مصطلح المثقفين، وضرورة انخراطهم في النشاط السياسي. وعد من لايلبي متطلبات هذه الضرورة سلبياً وانهزامياً ومتقوقعاً. ويختلف رجل الفكر عن رجل السياسة من حيث غايتهما. غاية الاول بلوغ الحقيقة المعرفية او الدنو منها. اما غاية الثاني فهي الوصول الى السلطة. يستغرق الحدث السياسي اهتمام السياسيين، بينما يمثل للعلماء احد تجليات الظاهرة، ما يحفز فضولهم الى التقصي عنها والبحث في جوهرها. ولهذا لايحسن بالعلماء اصدار احكامهم بدلالة الحدث المنفرد، لما يكتنفه من طابع عرضي، ظرفي. اما بالنسبة للسياسيين فيمثل الحدث رأسمالاً لهم، والشاطر من يوظفه لصالحه، أو يتفادى من أن يوظف ضده. ولهذا تتسم احكامهم ومواقفهم بالظرفية والذرائعية. واذا ما ساير العلماء ذلك عندها تفقد المعرفة رصانتها العلمية وفعاليتها في تفسير حركة المجتمع وتوجيهها في الاتجاه الصحيح.

الاستبداد النفطي في العراق المعاصر:
سؤال يلح على العراقيين: لماذا وصل بهم الحال الى ماهم عليه من واقع مزر، مع ان العراق تتوفر فيه جميع عوامل التنمية المستدامة: المادية والمالية والبشرية؟ يحسن بنا الا نتعجل الاجابة لكي لاتأتي مبتسرة بدلالة عامل واحد: السياسة او الاقتصاد او المجتمع. فان هذه العوامل مجتمعة قد انخرطت في تشكيل المجتمع العراقي المعاصر. وباتت الاجابة عن هذا السؤال اكثر الحاحاً بعد 2003/4/9 حين تكشفت امام العراقيين ضرورة ان يحددو قواعد النظام السياسي والاقتصادي لدولتهم. ولم تعد ادانة نظم الاستبداد السابقة كافيه لتأشير استحقاقات هذه المهمة. اذ يتطلب ذلك دراسة معمقة لجوهر المنظومة الاقتصادية والسياسية بين المجتمع والسلطة الحاكمة.
دأبت منذ اصدار كتبي السابقة على استهلالها بفصل مدخلي يحمل عنوان (مقتربات) ويعود ذلك في جزء كبير منه الى الطابع الانتقالي الي يسم الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية في حركة المجتمع العراقي المعاصر، وهو ما يملي على الباحث ان يتعاطى مع المقولات المعرفية التي يعتمدها في بحثه، بوصفها انتقالية من حيث دلالاتها. ولا يحسن بالباحث ان يؤشر نفسه بالدلالات المألوفة لتلك المقولات التي درجنا عليها، ولايغرينا ماتواضعنا عليه من تعاريف واضحة. فالمقولات المعرفية التي تبدو سهلة التعريف، غالباً ماتكون هشة، ولاتصمد أمام ثقل متغيرات الواقع، فلا تيسر لنا الاقتراب من حقائق الأشياء.
فمقولة (الصراع الطبقي) التي ينتظمها معيار ملكية وسائل الانتاج من عدمها، قد تربك رؤية الباحث في مكونات الطبقة الوسطى العراقية، لعدم تملك شرائحها الاساسية لوسائل الانتاج، بينما تمثل هي عنصراً أساسياً في قوام الطبقة الوسطى العراقية. ما يقتضي تفكيك مقولة (الصراع الطبقي) في ضوء المعطيات والتناقضات الانتقائية التي وسمت تطور المجتمع العراقي.
تختزن الظاهرة الانتقائية تناقضات بين نمط الحياة القديم ونمط الحياة المتوخى. ونعتمد على جملة عوامل تتباين افرازاتها ونتائجها من مجتمع لآخر، بالارتباط مع الظروف التاريخية، وفي مقدمتها هل حدث التغيير نتيجة ديناميكية المجتمع، ام تحت تأثير عامل خارجي. لقد جاءت التغيرات السريعة في حياة العراقيين نتيجة انخراط العراق في الحرب العالمية وانتصار الجيوش البريطانية 1917 وفي اقل من عقد شهد العراق الكثير من التطورات التي لم تشهد لها مثيلاً عبر اكثر من 6 قرون.
نحن لانفهم "بالانتقال" الدلالات السياسية التي طالما روجت لها الانقلابات العسكرية، وكان يراد بها فسحة من الوقت يحكم الانقلابيون قبضتهم على الدولة والمجتمع. اما الانتقال بالدلالة التاريخية فيعني التحول من نظام حياة الى آخر اكثر تقدماً. وفي مقدمتها المستوى الذي يحكم العلاقة بين سلطة الحاكم والمجتمع. وفي المجتمع العراقي يعني الانتقال من المجتمع العصبوي الى المجتمع المدني. وعلى هذا فان الشرط الذي قطعه المجتمع العراقي في غاية التواضع، فلم يبرم العراقيون بعد العقد الاجتماعي حول نظام العيش المشترك الذي يصبون اليه. ان الاقرار بالواقع الانتقالي يجعلنا اكثر واقعية في التعامل مع التناقضات المجتمعية، من دون ان نستسلم للتحديات. الحياة مقدمات ونتائج، فدعونا ندرس المقدمات، ونعمل على التحكم بمساراتها.
خيل للعراقيين ان سقوط نظام البعث الشمولي، وتدشين النظام الديمقراطي، واطلاق الحريات العامة، وتشريع دستور دائم، وممارسة الانتخابات. كل ذلك سينتشل العراق من ازماته. بيد ان الازمات آخذه بالاحتدام. ان ما يعانيه العراق ليس ازمات، بل معضلات يستعصى الخروج منها، وتمتد هذه المعضلات بجذورها الى معضلة بنيوية عامة في الدولة العراقية المعاصرة، وحري بنا ان نتابع ظروف ولادتها واستمرارها واحتدامها.
قد تنجح الحكومة في تطويق بعض الازمات ظرفياً، ولكن ذلك يكون على حساب احتدام ازمات أخرى، فمثلاً: تتجه الحكومات الى معالجة البطالة باستحداث المزيد من الوظائف العامة في اجهزة الدولة: المدنية والعسكرية، بيد ان هذه التدابير لاتقضي على البطالة، بل تنقلها من الشارع الى اجهزة الدولة وهو ما يؤدي الى استشراء البطالة المقنعة فيها، وتردي فاعلية أدائها. ويقود ذلك من جانب آخر الى زيادة هيمنة الدولة على المجتمع باتجاه احتواءه، وهذه واحدة من سمات الاستبداد النفطي.
ان الاستبداد المعاصر ليس نسخة من الاستبداد الشرقي الذي مر على العراق تاريخياً. على الرغم من السمات المشتركة التي تجمع بين البلدان الريعية فان ثمة خصوصيات تنفرد بها تجربة كل منها. ويذهب الكثير من الادبيات الاقتصادية والسياسية الى تفسير الاستبداد السياسي في البلدان الريعية بالقاعدة المالية التي يرتكز عليها (عوائد النفط) اي الاستبداد النفطي الذي يعبر عن زيجة بين تسيد عوائد النفط واستبداد النخبة الحاكمة، فيخضعان الاقتصاد والمجتمع لإرادة منفردة. وهو ماجعل المشروع السياسي العراقي تتأثر مباشرة بعوائد النفط، وكيف كان الاستبداد السياسي يستشري مع زيادة عوائد النفط وطغيانها على الاقتصاد العراقي، بينما تهتز اركانه عندما تقل تلك العوائد.
ركز الاعلام السياسية بعد 2004/4/9 على احياء الطبقة الوسطى، ودأبت الحكومات المتعاقبة على دم مرتبات الموظفين. وتعود الاشكالات النظرية في دراسة الطبقة الوسطى الى تركيبها المتخلخل ولأنها تفتقر لمقومات الطبقة. ولطالما لعبت دور الوسيط بين الطبقتين (العليا والدنيا) وبعد ان اجهزت الفصائل السياسية للطبقة الوسطى على النظام الملكي، ارتقى ممثلوها الى سدة الحكم، وتناحرت هذه الفصائل لتسيد المشهد السياسي، وسعت الى تقويض الطبقة العليا من كبار ملاك الأراضي الزراعية. وقد وفرت لها عوائد النفط المتزايدة هامشاً واسعاً لتمرير خطابها الثوري المتنطع.
مرت قضية النفط في العراق بثلاث محطات رئيسية: تمثلت الأولى باتفاقية مناصفة الارباح مع شركات النفط الاجنبية 1952، والثانية في قانون رقم 80 عام 1962، الذي انتزع نسبة99% من الاراضي الخاضعة لامتيازات شركات النفط الاجنبية، اما المحطة الثالثة فقد تمثلت في تأميم النفط. مثلت قضية النفط حجر الزاوية في المشروع الوطني العراقي، الذي كان هدفه تحرير الثروة النفطية من الاحتكارات الاجنبية، ولكن جانباً جوهرياً من القضية بقي طي الاغفال، وهو ماتختزنه الثروة النفطية في ظل نظام مستبد واقتصاد متخلف من قدرة على صياغة علاقة غير متوازنة بي الحكومة التي تمسك بيدها السلطة والثروة من جانب، والشعب المغترب عن ثرواته من جانب آخر.
قامت دولة العراق المعاصرة 1921 على اساس ثروات العراق الزراعية، وفي العهد النفطي اصبحت الموازنة العامة تعتمد بالدرجة الاولى على عوائد النفط ما دفع الزراعة خارج حلبة التنمية. وتتكشف حد خطورة هذه الحقيقة حين استعاضت الحكومة عن الايرادات الضريبية بعوائد النفط، عندما لم يعد هاجسها الأول التنمية الاقتصادية للبلد، بل زيادة عوائد النفط. وشهد القطاع الزراعي تراجعا، الأمر الذي ادى الى زيادة اعتماد العراق على استيراد المواد الغذائية. وهكذا عملت الزيادة في العوائد على استقلال السلطة الحاكمة عن المجتمع العراقي والاستقواء عليه.
اجازف واطلق على تأسيس الدولة العراقية المعاصرة صفة الليبرالية عندما خرجت الجماعات العراقية المنغلقة على نفسها، لتشارك في تشكيل المجتمع العراقي المعاصر مع زيادة الاتصال والتواصل فيما بينها. كما بدأت التنظيمات السياسية والمدنية العابرة للانقسامات العصبوية التي كانت مهيمنة في العهد العثماني. وكان بداية الانخراط في المجتمع المدني. واذا القي الضوء على انخفاض الضرائب وزيادة مرتبات الموظفين فذلك تفسيراً للركود النسبي في الحركات الجماهيرية، وتراجع العهد الملكي عن بعض الحريات السياسية المقننة، وميله الى سياسة القمع والبطش والاستبداد.
يشعر العراقيون بغربتهم عن ثرواتهم النفطية، ويجدون ان الحكومات غير أمينة في التصرف بها، وهو يمثل جوهر التناقض بين السلطات الحاكمة من جهة والشعب العراقي من جهة أخرى. ان منظومة الاستبداد النفطي هي حصيلة اتحاد السلطة الحاكمة المستبدة بالثروة النفطية، وسر استمرار هذه المنظومة هو التخادم بينهما، عوائد النفط تخدم هيمنة الحاكم المستبد على المجتمع، وهو من جانبه يخدم تفرد النفط بالاقتصاد العراقي وتهميش قطاعاته المنتجة، وفي الحصيلة النهائية قيّض للعامل السياسي أن يلعب الدور الحاسم في التحكم بمسارات تطور العراق: اقتصاديا ومجتمعياً، لهذا لم تسفر منظومة الاستبداد النفطي عن تركيبة طبقية واضحة المعالم، لان الطبقة مقولة اجتماعية اقتصادية تحتضنها السياسة، ولكن لاتلدها.
وفي ظروف الحصار الاقتصادي عندما سحقت الطبقى الوسطى، لجأت السلطة الى محاولة تنشيط المؤسسة العشائرية. نشأت الفئة المثقفة في العراق على امل ان تنهض بالتطور الذي يشق طريقه ان مخرجات التعليم العالي تبقى بائرة وكاسدة، ان لم تقترن بتنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية. لقد اثبتت نخب الطبقة الوسطى الحاكمة في العراق انها تفتقر الى الافق التنموي المتكامل لتطور العراق. النخلة كانت رمزاً للعراق في جميع الحضارات، وجاء الاستبداد النفطي فنكل بها.
اهم خطوة في تفكيك الاستبداد النفطي في العراق، وذلك في انتزاع عوائد النفط والغاز من الحكومة، فلا تعود قيّمة عليها، تتصرف بها وفق مشيئتها ومصالحها. ويجب ترشيد جهاز الدولة، واعادة بنائها. ويجب تحويل الدولة الى واحدة من الجهات المستفيدة من العوائد النفطية لتحويل موازناتها العامة، بينما تخصص بقية العوائد لتمويل صناديق اجتماعية وانمائية. وينبغي ان لاتتجاوز تخصيصات باب النفقات التشغيلية نسبة معينة من اعتمادها الممولة من عوائد النفط، مايحفزها الى تنشيط ايراداتها غير النفطية، ويعد انخفاض هذه النسبة معياراً لفعالية اداء الحكومة، حينها لن تكون طليقة اليد في توسيع اجهزتها.
ويجدر بالأحزاب السياسية التي تتبنى الدفاع عن حقوق الشعب ان تضع قضية توزيع عوائد النفط في صلب برامجها، وان تثقف الجماهير وتقود نضالاتها من اجل التوزيع العائد لعوائد النفط ضمن برامج ملموسة. ان سوء ادارة وتوزيع عوائد النفط يمكن ان تقود الى تفجرات اجتماعية، بل ويمكن ان تصبح جذوة لحرب اهلية تتعكز على انقسامات مجتمعية. وينبغي توزيع عوائد النفط ضمن صناديق اعانة كصناديق الاعانات الاجتماعية، وصندوق اسكان الاجيال القادمة، وصندوق دعم الثقافة.
هذه الملخصات لاتفي ابدا كتب الدكتور سليم الوردي، والهدف منها اعطاء صورة عامة عن كتبه، لتحريض القارئ على قراءتها كاملة، لهذا انصح بمراجعة كتبه الثلاثة.
__________________
*ولد سنة 1942 في مدينة بغداد- الكاظمية، أكمل الدراسة الإعدادية سنة 1959 والتحق بالبعثة الدراسية في جمهورية بلغاريا، وأنهى دراسته في اختصاص الاقتصاد السياسي سنة 1965. تعين في شركة التأمين الوطنية سنة 1968، وسافر في إجازة دراسية إلى جمهورية بلغاريا. وأنهى دراسة الدكتوراه في الاقتصاد السياسي سنة 1974.
أمضى حياته الوظيفية في قطاع التأمين العراقي وفي العام 1994 تفرغ للتدريس الجامعي في كلية التراث الجامعة. ونال لقب الأستاذية سنة 2001. حاضر في الدراسات العليا في جامعة بغداد وأشرف على عدد من أطاريح الدراسات العليا. شارك في عضوية العديد من لجان مناقشة أطاريح الماجستير والدكتوراه في جامعة بغداد، والجامعة المستنصرية، وجامعة البصرة.
الآثار العلمية: (أولاً) في الشأن التأميني: ألّف كتابين منهجيين يدرّسان في بعض الكليات: أ- تسويق خدمات التأمين، بغداد، 1993. وإدارة الخطر والتأمين، بغداد،1999. و ترجم أربعة كتب في الشأن التأميني. نشر نحو 40 مقالة في الدوريات والصحف. و أنجز 10 أبحاث تطبيقية.
(ثانياً) علم الاجتماع: كتاب “علم الاجتماع بين الموضوعية والوضعية”، والذي طبع في بغداد عام 1978. وقد كان طابع منهج التحليل المادي هو الغالب على عمله هذا. و سلسلة مقالات لمناسبة مرور عشر سنوات على رحيل الدكتور علي الوردي. نشرت في صحيفة الزمان، بغداد للأيام 13-18/7/2005.
(ثالثاً) في الشأن السياسي: إصدار كتاب تحت عنوان “مقتربات إلى المشروع السياسي العراقي 1921-2003″، بغداد، سنة 2005. مع نشر البحث كاملاً على موقع الباحث على الإنترنت، "ضوء على ولادة المجتمع العراقي المعاصر"، "الاستبداد النفطي في العراق المعاصر".
*عن موقع موسوعة علم الاجتماع في العراق