أنا أفريقية وأفتخر!

فاطمة ناعوت
2019 / 5 / 28

ملاحظاتٌ على أزمة "شيخ الحارة”!
========================

الواقعة:
الفنان "ماجد المصري"في برنامج "شيخ الحارة"، يحكي للمذيعة "بسمة وهبة"، عن أحد المقالب التي دبّرها صديق عمره، حين أوهمه أن ثلاث فتيات جميلات مفتونات به يرغبن في لقائه في الثانية بعد منتصف الليل في ميدان روكسي. ابتهج الفنانُ وكان على الوعد منتظرًا في سيارته، حتى جاءت الفتيات واستقللن السيارة متوشحّات بما يخفي وجوههن. فسألهن "المصري" أن يرفعن الأوشحة حتى يأنس بجمالهن. وما أن كشفن عن وجوههن، واكتشف أنهن أفريقيات، قام "بركلهن" وطردهن من السيارة.
انتهت الحكاية التي لم تُضحِك أحدًا من الشعب المصري إلا المذيعة، وساردُها. وهنا لدينا بعض الملاحظات.
***

الملاحظات:
== حين شاهدتُ ذلك المشهد، تصدّع قلبي بالوجع، ولم أصدّق ما أسمع. ولكنني لسببٍ ما تصوّرتُ أن الأمرَ سيمرُّ كما تمرُّ عديد المحن العنصرية في بلادي، دون أن يغضبَ أحد. لكن ما حدث هو العكس.

== اشتعلتْ مواقعُ التواصل الاجتماعي بالغضب من الفنان والمذيعة. ومنحني هذا الثقةَ بأن جوهر المصريين مازال نقيًّا ومتحضِّرًا؛ يرفضُ التنمّرَ والعنصرية والسخرية من الآخر، حتى وإن كان الكثيرون من هذا الشعب يمارسون تلك العنصريةَ وذلك التنمّر في حياتهم اليومية، ربما دون أن يشعروا بهول ما يصنعون. تمامًا مثلما لم يشعر الفنانُ بأنه يقول "هولاً"، ولم تشعرُ المذيعةُ بأنها تضحك على "هول”.

== الحلقةُ "مُسجَّلة". وليست على الهواء مباشرة. بما يعني أن فرصةً عظيمةً أفلتها المخرج والمونتير وفريق العمل وصاحب القناة، والمذيعةُ ذاتُها، لحذف ذلك المقطع المشين من الحلقة. وهذا يعني أن جميع العاملين في البرنامج لم يروا في العنصرية مشكلةً، ومرّروها في الحلقة باعتبارها "طُرفةً" سوف تُضحكُ الجمهور وتُزيد من نسبة المشاهدة.

== الفنانُ صاحب الواقعة يفخر بأنه حافظ القرآن الكريم، ونسي إحدى أجمل آياته الكريمات: “يا أيّها الذين آمنوا، لا يسخرْ قومٌ من قومٍ، عسى أن يكونوا خيرًا منهم.” وقهقه متفاخرًا بأنه كان "يركل" الفتيات بقدميه لطردهن من السيارة، بمجرد رؤية وجوههن.

==المذيعةُ التي بدأت مشوارَها الإعلامي في تقديم برنامج ديني لتُعلّم النساءَ الفضيلة ومبادئ التُقى، شاركت الفنان قهقهاتِه على تلك الواقعة العنصرية المخجلة.

== المذيعةُ التي يقوم نجاحُ برنامجها وذيوعُ صِيته على النبش في الأسرار العائلية وهتك سَتْر الأبواب واقتحام الغرف المغلقة لفضح أسرار البيوت، لم يخطر ببالها أن تستوقف ضيفَها لتأخذ عليه نقطة في الحلقة، كما هي طبيعة برنامجها "شيخ الحارة"؛ الذي يعتمد على النيْل من الضيف ووضعه في موقف "المتهم"، حتى يبدأ في التبرير والدفاع عن نفسه فيشتعلُ اللقاء؛ كما هي طبيعة برامج الـ Hard Talk Show.

== كيف أضاعت "بسمة وهبه" فرصةً ثمينة من مواجهة "ماجد المصري" بجريمته العنصريّة في حق الأفارقة، كما تفعل دائمًا مع جميع ضيوفها في "شيخ الحارة"، بل شاركته الضحك على واقعة مخجلة أغضبت الشعب المصريّ؟ الإجابة: أنها لم تنتبه إلى خطأه أصلا! وهذا يضع علامة تعجّب كبيرة، ويثير سؤالا صعبًا حول مقدار وعي تلك المذيعة وحجم ثقافتها ومفهومها المغلوط عن القيم والأخلاق والتحضّر والخطأ والصواب وما يجب وما لا يجب.

== اعتذر الفنانُ عن سخريته من الأفارقة، مبرِّرًا ذلك بأنه أفريقي، فكيف يسخر من قومه؟! ولم تعتذر المذيعة!

== اعتذاره الواهي ذكّرني برواية "الوصمة البشرية" للأمريكي فيليب روث، التي ترجمتُها للعربية وصدرت عن "الهيئة المصرية العامة للكتاب" ثم عن "دار المدى". وفيها يتبرأ أستاذ الأدب الإنجليزي من جنسه الأفريقي الملوّن، لأن صدفةً چينية جعلت بشرته بيضاء.
فيُخفي جذوره السمراء عن الجميع ويتزوج من فتاة بيضاء ويرتعب مع كل حمل لزوجته أن يلعب الجينوم البشري لعبتَه فتُنجب له طفلا ملوّنًا وتنكشف الحقيقة. لدرجة أنه يُتّهم بتهمة عنصرية تدمّر حياته وتفصله من الجامعة، وليس بينه وبين النجاة من التهمة إلا الاعتراف بجذوره الملوّنة، لكنه لا يفعل ويُفضِّلُ الضياعَ والانتحارَ على الاعتراف بتلك "الوصمة البشرية". لكن الفارق بين الواقع الأمريكي والواقع المصري أن بطل الرواية تمّت محاكمته وفصله من الجامعة، بينما في الواقع المصري لن يُقاضى الفنان ولا المذيعة، لأن أحدًا لم يتقدم ببلاغ ضدهما. في حين كان الشعب المصري والرأي العام المحترم هو القاضي العدل.

== في مقال قديم لي بعنوان: “جميعُنا قتلة، لا أستثني أحدًا"، ناقشتُ ظاهرة قيامنا بالقتل العمدي مع سبق الإصرار والترصّد، عن طريق السخرية من الآخرين دون قصد. كما فعلنا مع الممثلة "حنان الطويل" التي دفعتها سخريةُ الناس إلى الانتحار. وكما فعلنا مؤخرًا مع الفنان الجميل "محمد ممدوح" الذي تغافل بعضُ الناس عن موهبته الاسثنائية في التمثيل، وسخروا من أسلوب نطقه للحروف.

== نحتاجُ أن نزن الكلمةَ قبل نطقها لأن "الحرف يقتل".

== أنا أفريقية وأفتخر.

== “الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”