التكامل في ديوان -فاء أنا- رضوان قاسم

رائد الحواري
2019 / 5 / 27

التكامل في ديوان
"فاء أنا"
رضوان قاسم
أن نجد تواصل وتكامل بين الكلمات والمعاني فهذا يشير إلى أن الشاعر يتوحد مع قصيدته، قصيدة "وطني" فاتحة الديوان تُشرع لنا الأبواب بترحاب لنتقدم بسرعة وشوق إلى ما فيه:
"وطني أحبك
لا تلمني
إن طال نزفي والجراح
هذي جراحك في فمي
فلم تشرده الرياح
هذي دمائك ، لا دمي
في كل شهر من ثرى دمك المباح" ص7،
التكامل بين "وطني وأحبك، ونزفي والجراح، ودمائك ودمي، ودمك والمباح" كما نجد تكامل في معاني الفقرات " هذي جراحك في فمي، و بين هذي دمائك ، لا دمي" فجراحك ودمائك كلاهما في، فمي ودمي، فمثل هذه التكاملية بين الكلمات والمعاني تجعلنا نشعر بأن هناك علاقة حميمة بين الشاعر والقصيدة.
وفي قصيدة "هم" يقول:
"الشوك ورد من بنيها جلدتي
والجرح شهد ليس يؤلم شاعرا
فإذا سرقت فقد سرقت أحبتي
من ليل منفى صاح فيهم هادرا
ولقد أقمت على المواجع بينهم
ما كنت يوما بالخيام متأخرا
هم علموني كيف أكتب حزنهم
هم في القصائد يرتدون الأسطرا
فإذا ارتقبت على المنابر شاعرا
أمسوا لشعري صرخة ومنابرا
أهلي ولو مر النسيم بأرضهم
لخشيت يجرحهم ويخدش مظهرا
وبقد أتاني الوحي من جرح بهم
جرح الفلسطيني يؤرق الثرى
من ذاق طعما للمنافي مثلنا
لا بد يصبح شاعرا أو ثائرا!!!" ص11.
لو أخذنا كل بيت على حدى، نجد فيه التكامل والاضافة، فهاك تكامل بين "الشوك ورد والجرح شهد" فالأول جاء بالألم "شوك" وأتبعه بالجمال "ورد" والثاني جاء بالألم "جرح" واتبعه بالفرح "شهد".
وفي البيت الثاني نجد علاقة بين "سرقت" المكررة وبين المنافي وصاح وهادرا" ففعل "سرقت" تبعه منفى وصراخ وهادرا.
والبيت الثالث نجد التكامل بين "أقمت ويوما" والمواجع والخيام.
وفي البيت الرابع بين "أكتب والقصائد ويرددون والأسطرا"
وفي الخامس بين "المنابر وصرخة" وبين شاعرا ولشعري".
وفي السابع بين "جرح بهم وبين جرح الفلسطيني"
وفي الثامن بين "المنافي وثائرا" فكل بين فيه التواصل والتكامل في المعنى، وإذا ما أخذنا القصيدة كوحدة واحدة، نجد فيها الألم والقسوة: "الشوك، والجراح، يؤلم، سرقت، ليل، المنفى، صاح، هادرا، المواجع، بالخيام، متأخرا، حزنهم، صرخة، لخشيت، يجرحهم، ويخدش، جرح، يؤرق، للمنافي" كلها تجتمع فيها معاني القسوة والألم والشدة، وهذا ما جعلنا نقول أن القصيدة متكاملة ومتواصلة، وإذا ما أخذنا تكرار بعض الكلمات مثل "سرقت، جرح، لمنفى" يمكننا أن القول أن الشاعر يتوحد مع قصيدته، فتكون القصيدة هي من يُكتب الشاعر، والشاعر هو من أخرجها بهذه الكلمات.
ونجد التكامل في قصيدة "أراك سخي الدمع..."
" يا محجري أهطلا دمعا كما السحب
فالنار تجعلنا في ذمة الحطب
في كل نافذة شمس لنا غربت
واستودعت ألما في قلب كل أبي
والأرض على مدن تقتات باللهب
ما بال أمتنا نامت على ضيم
ما كان ظني بها أوهى من القصب
ما عدت أفخر بالأعراب أصل دمي
قد بت أخجل من أصلي ومن نسبي
حارت شجوني فأين الدمع تسكبه
أبكي على القدس أم أبكي على حلب!!!" ص21.
هناك علاقة بين "السحب وأهطلا" وعلاقة بين النار والحطب واللهب والقصب، فالسحب هي من يجعل المطر يهطل، مما يستدعي وجود النار، والتي بحاجة إلى الحطب والقصب ليحصل اللهب، وكل هذه الفعال لها علاقة بالشمس التي غربت" فحدث البرد، هذا على صعيد معاني الكلمات، لكن الشاعر يختم قصيته بطريقة رائعة بقوله:
" حارت شجوني فأين الدمع تسكبه
أبكي على القدس أم أبكي على حلب!!!" فصيغة السؤال والربط بين وجع القدس/فلسطين وحلب/سورية هو المذهل والرائع، وهذه الطريقة في تقديم الفكرة تجعلنا نستمع بالشكل الذي قدمت به الفكرة وبطريقة الربط بين ألم القدس وحلب.
الإنسان في الهلال الخصيب تعامل مع التضاد الطبيعة على أنها حالة طبيعية، فكل فصل يكمل الفصل الآخر، فالشتاء يتبعه الربيع، والربيع يتبعه الصيف، والصيف يتبعه الخريف، والخريف يتبعه الشتاء، وهذا الأمر انعكس على المعتقدات الدينية، فالإله "بعل/تموزي" رمز الخصب يغيب في الخريف ويظهر في الربيع، والإله "موت" يظهر في الخريف ويغيب في الربيع، في قصيدة "صقيع" نجد هذا الموروث الثقافي حاضرا في القصيدة:
"رويدا روريدا يضيق النهار
وينثر وجه السماء غبار
يخيم ليل مقيت الظلال
ولآخر ضوء يعاني احنضار
أرى عبرتين على وجنتين
هما رودتان بأرض قفار
تعض الشفاة بقايا الكلام
وينطبق وجهي حريف اصفرار
ولا سيف دفء بحضن يدي
فكيف سأحمي منام الصفار
أقص الحكايا للطفلتين
لعل الحكاية تمسي دثار
لعا الأميرة ترمي بثوب
وشمس تضيء فتشعل نار
لعلي أنام وأنسى الصقيع
وأهزم حولي بعض انكسار
أبي خبئ الأمنيات بعيدا
لكي لا يراها جنون الدمار
أبي وشوشتني العصافير قالت
نهاية درب الرحيل جدار
أترجع لي لعبتي وسريري
أم الليل أيضا طواهم وسار
فخذني أبي من يدي أغني
لأرض بها اليل يأتي نهار!!!" ص22و23.
هناك التضاد بين "يضيق وينثر، وبين يخيم وضوء، وبين جنتين و قفار، وبين تعض الشفاه وبين ينطق، وبين الشمس والصقيع" فهذا التضاد يخدم فكرة التكامل والوحدة العامة في القصيدة التي تتحدث عن الألم والقسوة.
وإذا ما توقفنا عند فكرة القصيدة وما فيه من ألم وقسوة، والتي جاءت من خلال الألفاظ والكلمات، نجد أن الشاعر كان يعيها، فحاول أن يخفف على المتلقي من خلال حديثه عن الأميرة والعصافير، فالأمير شيء مثير ومحبب للمتلقي وكذلك الأمر بالنسبة للعصافير، ومن خلال الصورة الشعرية التي جاءت في:
" أبي وشوشتني العصافير قالت
نهاية درب الرحيل جدار
فخذني أبي من يدي أغني
لأرض بها اليل يأتي نهار!!!" فالحتمة الأولى "جدار" واجهها ب "الليل يأتي نهار" وهذا التضاد بين الليل والنهار يخدم فكرة تكامل وتوحد الطبيعة، ومن ثم حالة الإنسان، إن كان معافى، قوي وسليم، أم مريض، تعب ومنهك.
ونجد تضاد الهلالي في قصيدة "تداعيات في المنافي":
"طريق
بلا قمر نعبر الليل نحن
بلا نجمة للصباح تشير
إلى أين يفضي الطريق تراه؟
إلام إلام تظل نسير؟!!
سنشعل دمع العيون شموعا
ليبصر منا الطريق ضرير" ص54.
تبدو القصيدة وكأنها مكتوبة في عصر "البعل/تموز" فنجد ندب لغياب الخصب المتمثل في "البعل/تموز وعشتار" فرغم حالة الحزن والشدة إلا أننا نجد حتمية حدوث/وصول الخير "يبصر" من هنا نقول أن الإرث الثقافي للأمة يبقى حاضرة وفاعلا فيها رغم تباعد الزمن الذي وجدت فيه تلك الثقافة.
ونجد الحتمية الهلالية حاضرة في قصيدة "تذكرة عبور":
"فإذا فخذني أبي من يدي أغني
لأرض بها اليل يأتي نهار!!!"ردتم أن تذودوا حياضكم
ورأيتم المحتل أغلق معبره
فدعوا الفلسطيني أول عابر
وخذوه جسرا للوصول وتذكرة" ص63، فرغم حالة المنع في: "أغلق معبره" إلا أن هناك: "جسرا للوصول وتذكرة" فمثل هذه الحتمية التي جاءت بصورة جميلة، تخفف من قسوة وتمنح المتلقي أمل بحدوث وقدوم الخصب.
علاقة الفلسطيني بالمكان علاقة توحد وتكامل، فحضور المكان يساوي حضور الفلسطيني، وغياب المكان يعني غياب الفلسطيني، بهذا الشكل يتعاطى الفلسطيني مع المكان، ولهذا تميز الادب الفلسطيني في ذكره وتناوله للمكان، فهو الغذاء الذي يستقوي به في غربته، في قصيدة "كما الشمع..." يذكر الشام والقدس والأرض العراق وفلسطين، فالشاعر يتوحد بتعاطفه مع المكان "الشام والعراق"، مبدي توحده مع حالتهما التي تماثل مع حالة فلسطين، فهناك التشرد والغربة والحاجة للحياة السوية على الأرض، أرض الوطن.
كما أن الفلسطيني وفي للشهداء الذي كانوا منارات لمن جاءوا، الشاعر يخصص قصيدة "نبوءة" يتحدث بها عم "غسان كنفاني" والجميل في هذه القصيدة أنها لم تناول غسان بطريقة مباشرة، بل من خلال الاشارة إلى اعماله الأدبية:
"كيف تنبأت لنا يا غسان
أدمت أيدينا جداران الخزان
...
سرير الرقم الثاني عشر
...
والخيمة لا تفرق عن خيمة" ص68.
من خلال هذه الاشارات يمكن للمتلقي أن يصل إلى رواية "رجال في الشمس، أم سعد،" ومجموعة "موت السرير رقم12"، وكأن الشاعر يدعونا ـ بطريقة غير مباشرة ـ إلى التقدم من هذا الأديب ومن اعماله، ولنا بعدها أن نأخذ أو نترك بما جاء فيها.
الديوان من منشورات دار دلمون الجديدة، سورية، دمشق، الطبعة الأولى 2018.