الاسلام مشكلتنا وليس مشكلة الغرب- القسم الثاني

صالح بوزان
2019 / 5 / 27

المسيحية أيضاً كانت مشكلة في المجتمعات الأوروبية
يعتقد المفكرون المسلمون أن محمد الرسول ليس خاتم الرسل فقط، بل هو آخر المفكرين في هذا العالم. ولن يكون هناك كائن من كان باستطاعته تجاوزه فكرياً. وإذا رفض أحدنا هذه المقولة، فهل لذلك علاقة بالإلحاد أو عدم احترام مشاعر المسلمين أو الاساءة لمقدساتهم؟ بغض النظر عن اعتبار المسلمين للقرآن أنه كتاب سماوي كتبه الله بنفسه، ليرسم من خلاله استراتيجية للبشرية حتى يوم القيامة، فإن غير المسلم أو العلماني وحتى الملحد سيعتبر القرآن من بين أعظم الكتب في تاريخ الفكر البشري إذا اعتبرنا مؤلفه انساناً مثلنا وليس إلهاً.
إننا بحاجة إلى مناقشة الاسلام كمشكلة رئيسة في مجتمعاتنا من الناحية الفكرية والاجتماعية والسياسية، وليس مشكلة بيننا وبين الغرب، أو بين الاسلام والالحاد. إن الساسة والمفكرين وشيوخ المسلمين الذين يضعون الاسلام في هذه المواجهة عن دراية، هم يريدون تهييج عامة المسلمين ضد الغرب وضد العلمانية بهدف تبليد عقولهم حتى لا يبحثوا عن السبب الجوهري لمأساة المجتمعات الاسلامية.
عانت البلدان الأوروبية من المسيحية كما نتعاني البلدان الاسلامية من الاسلام. فقد ظهر على قاعدة الفكر المسيحي في أوروبا طغاة ارتكبوا جرائم ليس أقل من طغاة المسلمين. بل أن الفاتيكان نفسه كان وراء حروب دينية جعلت الخارطة الأوروبية كلها عبارة عن مقبرة للضحايا.
قام أحد أعمدة حركة الاصلاح الديني (البروتستانية) وهو كالفن(1509-1564) بتحويل الجمهورية السويسرية الديمقراطية إلى ديكتاتورية ثيوقراطية. تماماً كما فعل الدواعش في جمهوريتهم الاسلامية الفاشية في سوريا والعراق. لقد وضع كالفن شعاراً دقيقاَ لجمهوريته " العيش بحسب الإنجيل وكلمة الله" في دولة مسيحية. وكما نعلم أن الانجيل كتاب روحي قريب من الفكر الصوفي، فمن إذن سيشرح الانجيل للعامة ومن الذي سيحدد كلمة الله؟ إنه كالفن بنفسه. يقول هذا العالم اللاهوتي وصاحب المذهب الذي عرف بالكالفني والذي أثر على أوروبا عدة قرون أن "الله أعطاني النعمة لأعلن ما هو جيد وما هو سيء". بل قال لأحد مريديه: ما أعلمه، أتاني من الله، وهذا ما يؤكده لي ضميري". لقد فرض كالفن على سكان مدينة جنيف الصلاة، وماذا يجب أن يلبسوا ويأكلوا. منعهم من اللهو والغناء والرقص وشرب الخمر وتغزل العشاق ببعضهم بعضاً لدرجة أن الكاتب الألماني ستيفا زفايغ في كتابه "كاستيليو ضد كالفن" يقول أن الزائر للمدينة جنيف حينها كان يشعر وكأن المدينة في حداد. لقد أسس كالفن الشرطة الروحية، وهي تشبه شرطة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في السعودية، وشرطة "الحسبة" لدولة دواعش الاسلامية. كانت هذه الشرطة لها الحق الدخول في أي بيت وفي أي وقت للتفتيش. فيسألون الناس، هل حفظتم صلواتكم عن ظهر قلب؟ لماذا تخلفتم عن خطبة كالفن الأخيرة. لم تكن هذه الشرطة الروحية تكتفي بذلك، بل كانت تدس أنفها في كل شيء. فتتأكد من أثواب النساء إذا كانت أقصر من اللازم، وهل عليها زينة ما. كانت تتفحص شعر النساء ما إذا كان معقوداً إلى فوق بتسريحة ثرية. كانت تعد الخواتم في الأصابع والأحذية في الخزائن. كانت تفتش في المطبخ هل هناك مربا وحلويات أخفيت. وتدخل المكتبة بحثاً عن أي كتاب غير الكتب التي يسمح بها مجلس المدينة. بل كانت الشرطة الروحية تنزل إلى مستوى أكثر خسة، فتستجوب الخدم ليقدموا معلومات عن أسيادهم، وتستجوب الأطفال عن أخبار أهلهم. (راجع كتاب ستيبان زفائغ السابق الذكر).
هذا هو المجتمع الذي أقامه كالفن على الانجيل وكلمة الله.
أدرك كبار المفكرين الأوروبيين أن المسيحية هي مشكلة مجتمعاتهم الرئيسة. لكنهم لم يستطيعوا، رغم المحاولات الكبيرة، إصلاح المسيحية وتغيرها إلى دين للسلم والمحبة والاخاء. جاء الحل من خارج المنظومة المسيحية الكهنوتية. قدمه كبار المفكرين الأوروبيين الذي هيأوا بفكرهم المتنور لينقلب المجتمع نفسه على هذه المسيحية الاستبدادية. جاءت الضربة القاضية على يد ثوار الثورة الفرنسية. هذه الثورة التي قضت على أهم عنصر مقدس في المسيحية كنظام سياسي واجتماعي بإعدام الملك؛ ظل الله على الأرض. لقد سقط الاستبداد المقدس تحت شفرة المقصلة في باريس. وكان الدرس الأهم من هذه الثورة لكل البشرية أن من المستحيل اصلاح أي دين، ومن المستحيل اصلاح أي نظام ديكتاتوري من الداخل.
يتبع