خليل حسونة ديوان -لو-

رائد الحواري
2019 / 5 / 26

خليل حسونة
ديوان "لو"
ديوان لشعر كالرواية، نجد فيه المكان، مجموعة أحداث، وتعدد المشاهد، لكن اللغة المستخدمة في ديوان الشعر تبقى محافظة على صوت (الشاعر) رغم تبانين الأحداث والانتقال من مكان إلى آخر، لكن للغة تأتي بطريقتين، طريقة الوعي، وطريقة ألا وعي.
من قرأ للشاعر "خليل حسونة" يجده يركز على التراث العربي الإسلامي، من هنا نجد تناص مع القرآن الكريم في أعماله الشعرية، اضافة إلى التراث الأدبي العالمي، ونجد في شعره حضور المدن الفلسطينية والبحر، والمرأة تبقى حاضرة ومؤثرة في شعرية، سنحاول التركيز على عناصر متميزة في ديوان "لو" ونحاول أن نربطها بما يحمله العقل الباطن للشاعر، وهذا سيقودنا للوصول إلى التوحد بين الشاعر والقصائد.
القرآن الكريم
هناك مجموعة من التناصات مع السور والآيات القرآنية، لكن الشاعر يركز على سورة النجم وسورة العاديات التي جاءت في أكثر من موضوع، يقول في قصيدة "وشوشات":
"2 تعرف أن للشجر نسغاً .. ,
يمتص عناوين الأرض ..
وينزاح من فيض رماده وسنٌ ...
يلم دفاتر بَوحِهِ .. ,
قاب قوسين وأدنى من لهفةِ أنجمٍ .,
تضرّجت وجناتها ..
تحضنها عيوني ..."
قبل الدخول إلى المقاطع السابقة نتذكر سورة النجم ولقاء النبي محمد (ص) وربه، والذي جاء بهذه الآيات: "وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11)" نجد المكان متخيل غير معروف/مشاهد، واللقاء بين حبيب وحبيب، وحوار صادق خارج من أعماق القلب، هذه العناصر الأهم في الآيات السابقة، والشاعر نجده يستخدم عين المعطيات في الآيات السابقة، فهناك مكان متخيل غير محدد/معروف "للشجر، الأرض" واللقاء الحميم جاء من خلال:
"تعرف أن للشجر نسغاً .. ,
يمتص عناوين الأرض"
وتم الحصول على المعرفة/الفكرة "عناوين، دفتر" بصورة العلاقة بين الشجر والأرض، "قاب قوسين أو أدنى" وهذا يؤكد على العلاقة الحميمة، وعلى قيمة وأهمية المعرفة/الأفكار التي يأخذها الشاعر، وبهذا تكون القصيدة متأثرة ومتطابقة مع الآيات القرآنية.
يأخذنا الشاعر إلى سورة النجم أكثر، من خلال هذا المقطع الذي جاء في قصيدة "فضول":
"3 الأرض تتدثرُ بكحلِ اليمامة ..,
وتهمس للقادمين .. أن امتشقوا
ناركمُ ..
ملامح الفقد لم تزل
تفصدها الشمسُ ..,
وهي تتدثر بقارعةٍ تزلزلُ .,
التفاصيل بالتفاصيل ..
جوقةً إثر جوقةٍ ..,
تدور حول سدرةِ المنتهى ..
فتغيبُ رؤاي مرة أخرى ..
أحاول فصدها ..
.. ..
إنه الفضول .. !!"
وفي سورة النجم نجد هذه الآيات:
"أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) "
الآيات السابقة تتحدث عن عدم تصديق كفار مكة للقاء الذي تم بين النبي محمد (ص) وبين الله، فجاءت "أفتمارونه، ما زاغ" كتأكيد على حالة الصراع والتشكك عندهم، لكن النبي، والمؤمنون به، على يقين بصدق وحقيقة اللقاء، ويؤمنون بالمعرفة/بالأفكار التي نقلها النبي محمد (ص) إليهم، فالمعرفة لا تأتي بسهولة، بل بعد جهد وتعب، لهذا يجب المحافظ عليها، وتقويتها من خلال مواجهتها بأفكار/بأشخاص آخرين.
وإذا ما عدنا إلى المقاطع الشعرية نجد فيها الصراع "ملامح الفقد، تزلزل، تدور، فتغيب" وهو يدور حول حدث/فكرة/مكان: "تتدثر، تهمس، اليمامة، تفصدها، تدور، فتغيب" والشاعر يؤكد على حدوث الصراع واشتداده من خلال "وهي تتدثر بقارعةٍ تزلزلُ" فالقارعة والزلزلة" هما يوم القيامة، اليوم الأشد هولا على الناس.
وإذا عندنا إلى الفاظ "تتدثر" التي استخدمها الشاعر "الأرض تتدثر بكحلِ اليمامة/ وهي تتدثر بقارعةٍ تزلزلُ" فالاستخدام الأول جاء كدعوة للنهل من التاريخ/الماض وأخذ الحكمة منه، وفي الثانية جاءت كدعوة لأخذ العبر من (هولا) القادم إذا تجاهلنا حكمة التاريخ، فالعلاقة بين الماضي والمستقبل يحسم جدواها القارئ/المتلقي، فهو يستطيع أن يستفيد من كحل زرقاء اليمامة، ليتجنب هول القارعة والزلزلة.
واللفظ المجرد "تتدثر" الذي يتلاقى فيه حرفي "التاء" معا، يشير إلى حرص وأهمية الأفكار التي يقدمها الشاعر، لهذا نجده يكرر "التفاصيل، جوقة" ومعنى التفاصيل، الإحاطة والمعرفة بالشيء، ومعنى الجوقة التي تردد ما هو مطلوبا منها، وهذا يشير إلى حالة الصراع بين التفاصيل/المعرفة وبين الجوقة/الجهل.
أما بخصوص سورة العاديات، فقد استحضرها الشاعر في أكثر من قصيدة منها قصيدة "وشوشات":
"صباحٌ صامتٌ .,
يعانق وقفة يخالها مضت ,
فتحضنه رؤىً سابحة على سطح الأرض ..,
تنطلق على سروج خيولها .
مفعمة بحُمّى تلازمه .. ,
عند امتداد ريح الصَبا , في الفضاء ..,
دون عِلّة ..
يزفُرُ عشقٌ ثابتٌ في الصدور ,
مرشوقةً أيامه بأمل يدور .. ,
في الزوايا الصاحيات .
فتضبحُ العاديات ,
بصبايا يملأن جرار أشواقهنّ .. ,
بخمر يسكر الشادي .. وبعض الأمسيات .,
تلثم الأقمار ...
رجال يرفضون المذلة .. ,
يقفون على صفيح ساخن .,
والنخلات طالعة .. .. ,
طالعة هي النخلات ..
تذرفُ التمر لمن تناسى .. يوماً
ينوء بنوايا قائمة , على امتداد الجُرحِ ,
والأطيار ,
تستنطق أحلام نخله .."
قبل الدخول إلى القصيدة نذكر بما جاء في سورة العاديات:
" وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا"
فاتحة السورة تتحدث عن الخيل، فهو محببة عن العرب، ولها اهميتها في الحروب والمعارك، والشاعر يتناول الخيل المحببة، الجميلة، وايضا يتناول الحرب والصراع، فنجد الخيل والحب والجمال في: "صباح، يعانق، فتحضنه، رؤى، سابحة، سطح، الفضاء، عشق، بصبايا، يملأن، جرار، أشواقهن، الشادي، الأمسيات، تلثم، الأقمار، النخلات، الأطيار، أحلامه" فأثر الخيل والخير انعكس في عدد الألفاظ البيضاء التي استخدمها الشاعر في القصيدة.
ونجد خيل الحروب والمعارك في: "صامت، وقفة، مضت، تنطلق، سروجها، بحمى، تلازمه، امتداد، الريح، عله، يزفر، ثابت، الصدور، يدور، الزوايا، الصاحيات، رجال، يرفضون، المذلة، يقفون، صفيح، ساخن، طالعة، تذرف، تناسى، ينوء، الجرح" فهذه الألفاظ بشكلها المجرد تشير إلى حالة الحرب والمعركة، والألفاظ المجردة يتداخل فيها فكرة/معنى الحرب والحب، وهذا التداخل يخدم فكرة الاشتباك بين الحرب والحب، وبهذا يكون الشاعر قد أوصل لنا فكرة "العاديات" وحفزنا على التقدم من السورة القرآنية لنتوقف متأملين بما جاء بها من جمال وفكرة.
ويقول في قصيدة "درة الكوثر":
"عاشقٌ يقفُ بين "قيسٍ وليلى" ....,
يصبُ نواياه في جيب سُترتهِ ..,
على قدر يجيءُ ..,
وامتثال الحنايا حكايا صبوحة ..
جنونها لهبٌ مسعرْ ..
أمدُ شفاهي .,
متبتلاً لكرز الثغر ..,
أعانق هوجتي ..
فيقوم مُناي ..,
من على عرشها ..
تصدُّ العاديات ..
ورياح القبيلة .. تستبينُ الصُبح كل نزلةٍ .
جسداً تضجّ به الروح ..,
أمام الكائنات والأقمار ..
بركان مَرمرْ .."
يستوقفنا حضور البياض الكامن في الفكرة والألفاظ: "عاشق، قيس ، ليلى، حبيب، الحنايا، الحكايا، صبوحة، شفاهي، لكرز، الثغر، أعانق، عرشها، تستبين، الصبح، الروح، الأقمار، مرمر" والملفت للنظر أن الألفاظ القاسية جاءت بعد "تصد العاديات": "ورياح، القبيلة، نزلة، تضج، بركان" أكثر من تلك التي سبقت "العاديات": "يصب، جنونها، لهب، مستعر" وكأن "العاديات" ذكرت الشاعر بأن هناك ضرورة لها في الحرب، فهناك عدو وأرض مغتصبة وهي بحاجة إلى "العاديات".
وفي قصيدة "حنظلة" يقول:
"7 الريحُ تلعب بأوتارها ..,
إذا حنَّ المساء ..,
إلى شارع يصطفيه حضور الفضاء ..
عبر أفقٍ , راقت له جملة العادياتِ ..,
التي عزفت أوتارها ..,
في صحارى الخباء ..
تعي ما تناهى لها شارعاً .. شارعاً ..
تصفقُ للسُبات ..
تظل سائرةً إلى آخر مدى ..
في لوثةٍ مُهمله .."
نجد البياض هو الحاضر في بداية المقطع: "تعلب، بأوتارها، حن، المساء، يصطفيه، حضور، الفضاء، أفق" لكن بعد "العاديات" نجد القسوة في: "صحاري، تصفق، للسبات، لوثة، مهملة" فالألفاظ المجردة تُوصل لنا فكرة الشعر حتى لو لم ننتبه لمعنى الفقرة.
وهناك تناص مع سورة "التين" وسورة "الذاريات" كما جاء في قصيدة "قهوة الصباح":
"القهوة وعدٌ صامتٌ .,
له من الأمنيات بوح الجُمل ..
وانتباهة تحدق في شظايا نجم ,
يحفُ بالتين والزيتون ...
إذا الأُم حدّقت بأرقٍ يلعبُ "الدومينو" .. ,
بمقهى الجَبلْ ..
ينسجُ قصص الهلاليّ .. ,
وعنتره .. ,
فتحيك الثرثرة خيوطها ,
على ضفاف الأزل ..
وتقدحُ الذارياتُ أوار ليلٍ تصدع ,
لكل ذاريةٍ مَثل"
"التين والزيتون" لم تأتي بصورة بياض ناصع، بل خالطه السواد، فكانت الصورة تجمع بين الفرح والألم، القهوة وعاصف، الأمنيات وشظايا، بأرق ويلعب، تحيلك والثرثرة، تقدح وليل" وكأن الصراع الحاضر في الألفاظ المجردة هو انعكاس لحالة الصراع في أرض "التين والزيتون" ويتماثل مع فكرة الرياح، فأحيانا تأتي بالخير وأحيانا بغيره.
وفي قصيدة "أقمار الغفران" نجد تناص مع سورة "القارعة":
"4 العشقُ
نسغ الحضور ..,
يحملُ جرحاً يسافرُ ,
عبر موج سوح الحياة ...
ينطلق نحو الفضاء ...
طفلٌ لم يزل يحبُو .. تثغو له قصةٌ دامعة ...
ترسله نحو حلمِ سماواتها السابعة ..,
تزقو العصافير ..,
وترفده الدُنا .. بالجراحاتِ الجديدة ..,
وامتهان القارعة ..
طفولةٌ يذبلُ لحن الناي فيها .. وبعض ندى ..
يعانق غيمة صيف رائقٍ . يجددُ بيعته ..
على كل صفحة هوى .."
ينعكس العنوان الأبيض "العشق" على الألفاظ، فنجد البياض يتغلب على السواد، "الحضور، الحياة، ينطلق، الفضاء، طفل، قصة، سماواتها، تزقو، العصافير، ترفده، الجديدة، لحن، الناي، ندى، يعانق، غيمة، رائق، يجدد، صفحته" وحضور لأفعال ووصف الطفل جاء ليضيف نعومة وهدوء على الفكرة التي يحملها المقطع، لكن ما علاقة هذا بالقارعة، بيوم القيامة وما فيه من هول؟، علنا التقدم من السورة القرآنية لنعرف ما فيها:
"الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)"
إذن هناك حياة راضية في سورة القارعة، وإذا ما أخذنا عنوان المقطع "عشق" والحديث عن الطفل، يمكننا الاستنتاج أن الشاعر أخذه العقل الباطن إلى البياض وعالم الهناء، فاجتماع الطفولة والعشق وجمالية اللغة القرآنية لتكون في بوتقة واحدة، ساعد على تحرير من هول القارعة والتقدم من البياض.
وفي قصيدة "حنظلة" نجد ذكر لسورة "الزلزلة":
"8 صمتُ البيارقِ ,
عند امتداد حُزن العيونِ ..,
يقرأ سفر النوى ..
في عنفوان الوَله ..,
ينام في فراش الأميرةِ ..
وتنطلقُ المسيرة ..
لشجر أحمر يلتهب , إذا قرع البرقُ ..
أجراسه ..
وقامت الزلزلة .."
في هذه المقاطع نجد السواد طاغي، على النقيض من المقاطع السابقة، فرغم تقارب السورتان في الحديث عن هول القيامة، إلا أننا نجد تباين عند الشاعر، وهذا يجعلنا نتأكد أن موضوع/عنوان المقاطع والقصيدة له أثر في الألفاظ المستخدمة، ومن ثمة سينعكس ذلك على الفكرة المقدمة، لكن هناك جامع بين نهاية الآيات في سورة الزلزلة: "إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)" ونهاية المقاطع في القصيدة، فكلاهما ينتهي بحرف الهاء أو التاء المربوطة التي تلفظ هاء، والتي تعطي معنى الألم والوجع.
وإذا ما أخذنا أسماء السورة "القارعة، الزلزلة، العاديات، التين، النجم، نجد توازن بين بين هول القيامة والنعيم الجنة، فالقارعة والزلزلة، فيهما القيام وأهوالها، والتين والعادات فيهما الحياة السعيدة والهناء، وهذا يشير إلى أن الشاعر يمر/يعيش حالتين، الفرح والقسوة معا، لهذا جاءت الآيات القرآنية والمقاطع الشعرية يخلط ويتشابك فيهما الفرح والألم.
المرأة
المرأة والطبيعة والكتابة عناصر تخفف من حدة الألم، وتجعل الشاعر يشعر بالهدوء والسكينة، لهذا يلجأ الكتب والشعراء لمرأة لتخلصهم مما علق بهم من ندوب وتشويهات، "خليل حسونة" يقدم المرأة بطريقة، يقول في قصيدة "قهوة الصباح":
"1 القهوة اختبار المذاق .,
تأملٌ في الذكريات .
عناق حلمٍ مؤجلٍ لامرأةٍ .,
رضابُها من عسلْ ..
خيمة تعانق نجمة بما لها من حُلل ..
وحجلةٌ تبتسم لوردةٍ بين الحجلْ ..
حفنةُ أمنيات ..
خدٌ أسيلٌ لأنثى نجمية الطلعة ..
ترشقني بالقُبل .. "
يكاد أن يكون المقطع مطلق البياض، فالألفاظ: "القهوة، المذاق، تأمل، الذكريات، عناق، حلم، لامرأة، رضاءها، عسل، تعانق، نجمة، حجلة، تبتسم، لوردة، الحجل، أمنيات، أسيل، لأنثى، بالقبل" تتوحد مع الفكرة البياض، ليكون هناك لفظ وفكرة بيضاء، وهذا ما يريح الشاعر والقارئ معا، فكلاهما يستمع ويسعد بمثل هذه الألفاظ وهذا المعنى، فالمرأة هي من حررة الشاعر من واقعه القاسي، وأخذته إلى هذا العالم الجميل والناصع.
ويقول في مقطع آخر من نفس القصيدة:
"5 القهوةُ امرأةٌ ..
لها حلو الكلامِ .. ,
ورشق الغمام .. ,
تقف طقوس الصمت على قدميها .. ,
شاهرةً مالها من ساريات .
والنوارس تنقر الأمواج بهجتها ,
بين الماء والماء , دون وجلْ .
وحين يتربع في الصدى .. النسيان ..
تبتسم لها وردتان .
.. ..
.. أتربع على مصطبة باب دارنا ... ,
أرشف قهوتي بتلذذ.. أبتسم...وأنا أرى كيف,
تقرأ لي جدتي .
مستقبل الفنجان .. !!
الذي تلفّه بالأمل .. !"
رغم أن الألفاظ جاءت أقل بياضا مما سبقها في المقطع الأول، إلا أن حضور الجدة أعطا المقطع لسمة تراثية ناعمة، وهذا ساهم في إحداث تقدم نحو البياض، ونجد الطبيعة التي جاءت من خلال النوارس والأمواج أخرجت المقطع من زحمة المدن إلى فضاء أوسع، وهذا يجعلنا نقول أن المرأة هي خالقة/الواجدة لبقية عناصر التخفيف، فبدونها تكون الحياة سوداء غارقة في القتامة.
العقل الباطن
هناك ألفاظ وكلمات يستخدمها الشاعر إذا ما توقفنا عندها نستطيع أن نعرف حقيقة ما في داخل الشاعر، فالكلمات المجردة تشير إلى الحالة التي يمر بها الكاتب/الشاعر، وهي تعكس حالة الا شعور، التي هي أصدق مما يظهره العقل الواعي، في قصيدة "فضول" يستوقفنا هذا المقطع:
"1 لا أؤمن به .. ,
لكنه الفضول .. ,
وردة تحاكي نجمة تلألأت رغم الأُفول ...
وليل يطول ...
يشرب قهوة دون سكر .. ,
هو هكذا عندما يردد الذكريات ..
يجمع أحلامه والأماني .. تذاكر العبور ..
لدوامة الممكنات .. ,
وامرأة تحلمُ .. ,
بقبضة ريح تُعري صمتها .. ,
إذا اشمخر لظى عينيها بتراتيل .,
تعضُّ النائبات .,
تغربلها واحدةً .. واحدةً ..,
ثم تطول ...
فأخلّصُ ذاتي ..
من هواجس يومٍ , مفعمٍ بشرر ..,
تنادت شذراته ..,
لا أؤمن به ..,
لكنه الفضول ..!"
استخدام الشاعر لكلمات ذات حروف مكررة ومتماثلة في الكلمة الواحدة: "تلألأت، يردد، الممكنات" وتكرار كلمة "واحدة" يشير إلى عاطفة الجياشة وإلى ميله نحو التوحد مع الحبيب، فحالة الحرمان جعلته يستخدم كلمات تتلاقى فيها الحروف ليعوض عما يعانيه من ألم الفرقة والابتعاد عن الأحبة، وهناك ألفاظ ذات معاني تشير إلى توقد العاطفة عند الشاعر مثل: "الذكريات، يجمع، تذاكر العبور، تحلم، تنادت" كلها تشير إلى حالة الغربة التي يمر به الشاعر وحنينه إلى "الوطن/المرأة/الأصدقاء/اللغة/..."
"3 الأرض تتدثرُ بكحلِ اليمامة ..,
وتهمس للقادمين .. أن امتشقوا
ناركمُ ..
ملامح الفقد لم تزل
تفصدها الشمسُ ..,
وهي تتدثر بقارعةٍ تزلزلُ .,
التفاصيل بالتفاصيل ..
جوقةً إثر جوقةٍ ..,
تدور حول سدرةِ المنتهى ..
فتغيبُ رؤاي مرة أخرى ..
أحاول فصدها ..
.. ..
إنه الفضول .. !!"
أيضا نجد كلمات مكررة "تتدثر، التفاصيل، جوقة" ونجد حرف التاء مكررة في "تتدثر" والزين واللام في "زلزلة"، وكلمات تحمل معنى الحنين والميل للآخر الحبيب: "الأرض، للقادمين، لم تزل، تدور" كلها تشير إلى أن هناك غربة تثقل كاهل الشاعر، لهذا نجدها حاضرة في كلماته وألفاظه.
"4 الفراشات تبتسم ..,
لرفيف عصافير تتوالى شقشقاتُها ..,
وترى كيف يغني اللوز .. وهو يشربُ .
ماء العشق حتى الثُمالة ..,
فينزُ من عينيه الخدر .
ألملم ذاتي ...
وأعلقُ لَيلكي على جدائلِ غيمةٍ ..,
عند الصهيل ..
أحدقُ عبر لحظكِ اللاغب في العذوبة ,
فتوقد الرياحينُ أشواقها ..,
تحلُ شعرها ..
على حافة جسرٍ ..
يرحلُ كل صباحٍ .. إلى مرافئ الغيم ..,
وأرضٌ تدخل دائرة الفيض .
تستعيدُ قصائدَ شوقها , زمن الولادة ..,
تروم الدُخول ..
وتعرف كيف يكون
الفضول ..

يتجه الشاعر إلى الطبيعة لتحرره من ثقل الواقع، فنجدها حاضرة في الفكرة وفي الألفاظ: "الفراشات، العصافير، اللوز، ماء، غيمة، الرياحين، الصباح، الأرض" ونجده يعطي الطبيعة سمات إنسانية وأنثوية: "تبتسم، ترى، يغني، يشرب، فينز، جدائل، أشواقها، يرحل، تدخل" وهذا يؤكد على أن الشاعر يتعاطى مع الطبيعة كما يتعاطى مع الناس، لهذا يقدمها بصفات إنسانية، ويتقدم الشاعر إلى من عناصر الفرح فيحدثنا عن أدواته كشاعر، ككاتب من خلال: "القصيدة، أشواقها، الولادة" وبهذا يكون الشاعر استخدم ثلاثة عناصر للفرح، الطبيعة، المرأة/الإنسانية، والكتابة/القصيدة، لهذا نجد هذا المقطع مطلق البياض، يجتمع فيه المضمون واللفظ في خدمة الفكرة.
وتستوقفنا هذه الفقرة:
" الفراشات تبتسم ..,
لرفيف عصافير تتوالى شقشقاتُها ..,"
فالشاعر قدم الفراشات المؤنث على العصافير المذكر، وهذا يشير غلى انحيازه للأنثى، كما نجد كلمات "لرفيف" تكرار حرف الفاء، وفي "تتولى" تكرار حرف التاء، وفي "شقشقاتها" تكرار حرفي الشين والقاف، وهذا يعطينا دلالة إلى حالة الهيام التي يمر بها الشاعر والذي انعكس على الألفاظ والكلمات التي يستخدمها.
ويقول في قصيدة حنظلة:
"12 كلما هَزني الشوقُ
لعينيها ..
صار جسدي المُتاح ..,
منثوراً على صفحة الماء ..,
بخليج "عكا" ..
يتدفقُ الفتى نارا .. تحطُّ ,
على دوائر موتهِ ..
تتوزع على موائدِ السلاطينِ ..
فيعطي نفسه مزاجاً .. تسري عبرهُ
أهازيج "ظريف الطول" ..
و"الأوف مشعل" ...
فيعانقُ الناس أرضهم بالهلهلة ."
افتقاد الأنثى "هزني الشوق" جعل الشاعر في حالة توتر وغضب، مما انعكس على مضمون المقطع وعلى الألفاظ: "هزني، نارا، دوائر، موته" والملفت للنظر أن بعد لفظ "ماء" والذي من المفترض أن ينعكس تأثره ايجابا على الشاعر، نجد يستخدم بطريقة قاسية:
" يتدفقُ الفتى نارا .. تحطُّ ,
على دوائر موتهِ"
فقد تحول الماء إلى نار، وهذه الصورة تمثل ذروة انفعال الشاعر وتأثره على الغياب عن "عينيها/عنها" لكن العقل الباطن للشاعر يتدارك أنه يتحدث عن "عكا" التي يحب ويعشق، لهذا يستحضر الغناء التراثي الشعبي "زريف الطول، والأوف مشعل" فنجد يعبر عن حنينه لهذا التراث من خلال "فيعانق" ومن خلال "بالهلهلة" التي يتكرر ويتلقى فيها حرفي"اللام والهاء" والتي جاء شكلها متشابك ومتداخل.
إذا كانت فاتحة المقطع السابق عنيفة وقاسية، والخاتمة هادئة وناعمة، ففي هذا المقطع نجد صورة مغايرة:
"13 تنادي الجموعُ .. الجموع ..
تتهادى .. ويتهادي الرجاء :
إمرأة تسيرُ كما الدفء يسري .
على جبين الأرض ..,
من ماءٍ لماء ..
صهيلٌ تدفق ناره .. مزاجاً بلونِ الصمتِ ,
يعرف لماذا غاب الترابُ ذات وجعٍ ,
ولماذا أحلامه لم تعد مُوغلة !!"
الشاعر يكرر كلمات: "الجموع، تتهادى، ماء لماء" وهناك تقارب في المعنى بين "تسير ويسري" وهذا التكرار يشير أيضا إلى الحنين الذي يحمله الشاعر، وإذا أخذنا مضمون الماء، الذي من المفترض أن يكون مهدئ للشاعر، والذي تحول إلى "صهيل يتدفق ناره" يتأكد لنا حجم المعاناة التي يمر بها الشاعر، فإذا تحول الماء إلى نار، فما ستكون عليه الأشياء الأخرى؟.
قصيدة "درة الكوثر"
في هذه القصيدة تسيطر حالة اللا الوعي على الألفاظ والحروف، بحيث نجد هناك حروف "س، ش، ض، ص، ق، ف" هي الأكثر حضورا في القصيدة، وسنحاول ان نأخذ نماذج منها، لنرى كيف يكون اللا وعي على الكلمة واللفظ والمعنى، إذا ما توقفنا عند (شكل) هذه الحروف نجده مشابه، إذا ما تجاهلنا النقاط التي تميز الحرف عن الآخر:
" درة الكوثر ..
.. ..
.. لعينيها ينتمي الصبحُ ,
إذا أطل صبحٌ .. ,
يُطلقُ اللحظً النبيذيّ جمراً ..,
تهب شموسه , ومضة بوحٍ ..,
يعلقُ العشق ذوائبها .. كل موجةٍ ..
تمتدُ من الخافقينِ , للخافقينِ ..
تصفد الهوس المعفرْ ..,
امرأة تقدحُ النار شفتيها ...
فيها أرى ما لا يُرى ..,
فيضج صوتٌ .. ظلت حناياهُ ..,
تخضُ ودقاً , يموجُ على صهواتِ ,
خيلٍ. تسارعت , نحو خمائلَ سكبتْ
عيون سماواتها ..
بقلب نابض ..
إن كرز العشق على الشفتين عسكرْ .
صمتت خلاياهُ لحظةً .. وترجلت شظاياها ..,
هبطت عن تراتيلها , الأهازيج الجميلة .
وأنثى على جمرِ نبراتها .,
ترسم لفحة الجسد المُخدّر ..
وردة تغارُ منها الفراشات ..,
تعانقها العصافير الشفيفة ..
والحكايا اللطيفة .."
هناك تكرار لكلمات "الصبح، الخافقين، أرى، الشفة/تين" وهذا يعطينا فكرة الحنين عند الشاعر، وفي الكلمات: "الصبح، ومضة، تصفد، فيضج، الصوت، تخض، صهوات، نابض، صمتت، العصافير" حرفي الصاد والضاد، وفي كلمات: " شموسه، العشق، الهوس، شفتيها، تسارعت، سكبت، سمواتها، العسكر، شظاياها، ترسم الجسد، الفراشات، الشفيفة" حرفي "السين والشين، وفي كلمات: "يعلق، العشق، الخافقين، تصفد، المعفرة، تقدح، شفتيها، فيها، فيضج، ودقا، بقلب، الفراشات، العصافير، الشفيفة، اللطيفة" اعتقد ان وجود هذا الكم من الكلمات المكونة من حروف متماثلة يشير أيضا إلى المشاعر الجياشة عند الشاعر، لهذا نجدها حضرة وبكثرة في القصيدة.
واعتقد أن اختلاط البياض مع السواد في القصيدة جاء ليشير إلى اضطراب الشاعر وإلى معاناته، التي يحاول من خلال الكلمة أن يتجاوزها، فهذا المقطع يشير إلى وجود تيه وصراع بين حالتين: "
"تغلي في ثناياها النار ..,
تهاتف موجة الفيض الغنوج ..,"
"النار والموج" كلمات متنافرة، وهي جاءت لتشير إلى وجود صراع عند الشاعر.
السواد

في قصيدة "إنه أنا" نجد سواد قاتم، فالشاعر من خلال هذه القصيدة يبين حجم المعاناة التي يمر بها، فنجد ذكر لأصوات الحيوانات ونجد ألفاظ قاسية،
"2 متْ .. ذبتُ في الأرضِ ..
حيواناً تشكلتُ ..,
صرت أعوي .. أموءُ .. أخورُ .
أنقنِقُ ..,
وعندما هاجت الجولةُ المقفرةُ ..
أصبحت إنساناً .. إعتقدتُ أنني سأبقى .
وتبقى لحظتي المُبهرة .
واحد منهمو أنا ..,
همتُ معهم .. في بحار الخيال .
لكننا تخندقنا حول فضائنا .,
قالت لي الكائنات :
عندما مِتُ مرةً أُخرى .
صرتُ أعرف أن كل شيءٍ إلى زوال .
وعدت إلى أنا .. !!"
ذكر الحيوانات في النصوص الأدبية يشير إلى حالة الاحتقان التي يمر بها الكاتب، هذا ما وجدناه في العديد من الأعمال الأدبية منها رواية "المفتاح الباب المخلوع" لراشد عيسى، هذا ا أكده "خليل حسونة" في هذه القصيدة التي نجد فيها أصوات:
" حيواناً تشكلتُ ..,
صرت أعوي .. أموءُ .. أخورُ .
أنقنِقُ ..,"
وإذا ما أخذنا "مت، هاجت، المقفرة، تخندقنا" يمكننا أن نصل إلى حالة الألم والقسوة التي يمر بها الشاعر، لكن الشاعر لا يفقد الأمل، لهذا نجده حتى بعد الزوال/الموت يجدد الحياه فيه:
" عندما مِتُ مرةً أُخرى .
صرتُ أعرف أن كل شيءٍ إلى زوال .
وعدت إلى أنا .. !!"
اعتقد أن هذا المقطع يؤكد على حاجة الشاعر للآخر، للحبيب، من هنا جاء لفظ "وعدت" المتعلق بحالة ماضية/سابقة، يحن إليها.