الاسلام مشكلتنا وليس مشكلة الغرب - القسم الأول

صالح بوزان
2019 / 5 / 25

هناك العديد من رجالات الدين الاسلامي؛ من مفكرين وشيوخ ورجال الفتاوى ومفسرين ومؤولين يحاولون إعادة صياغة الاسلام بما يرضي الغرب. يصدرون كتباً جديدة، يحضرون مؤتمرات دولية، ويعيدون صياغة الاسلام النمطي بطريقة أقل تناقضاً مع قيم العصر، ولسان حالهم يقول للغرب أن الاسلام لبس كما فهمتموه وإنما هو كما يأتي في كتبنا الجديدة وفي خطاباتنا في هذه المؤتمرات الدولية. لنعترف أن أغلب هؤلاء المفكرين الاسلاميين يقومون بهذا العمل تحت ضغط الحكام المسلمين الطغاة الموالين للغرب أو تحت إغراءاتهم المادية والمعنوية. يبدو أن هؤلاء لا يدركون أن الاسلام لم يعد مشكلة للغرب. فالغرب قادر للدفاع عن فكره ومنظومته السياسية والاجتماعية وقيمه الحضارية والأخلاقية أمام الاسلام. ثمة قلة قليلة منهم، لديهم قراءات جديدة للإسلام وللقرآن مخالفة لقناعات "السلف الصالح"، وسعي صادق لإصلاح الدين كما حدث في أوروبا. لا شك أن الدول الغربية تتصرف مع العالم الثالث بمنطق استعماري جديد "متحضرة" بعكس منطقه الذي ساد في القرون السابقة. وراء هذه المنطق ليست قوانين دولية فقط، بل فكر أوروبي ليس بجديد. كان هناك العديد من المفكرين الغربيين يعتقدون أن الثروات في أي بلدن من بلدان العالم ليست ملكاً لشعب معين، وأن الكرة الأرضية ملكية بشرية جمعاء. وجاءت العولمة، ولا سيما من الناحية الاقتصادية والفكرية لتعيد إلى أذهاننا تلك الآراء. فعلى الرغم من أن العولمة لها نزعة رأسمالية استغلالية واضحة، لكنها أعادت إلى تفكيرنا مفهوم المواطن العالمي "الكوسموبوليتي" بمعنى أن المواطنة الحقيقية تعود إلى الكرة الأرضية كلها، وما الصراع بين الدول على ثروات الأرض ليس سوى اختلاف وفوارق في الانتاج والتوزيع.
لقد انتهت الحروب الصليبية في عقل الانسان الأوروبي. فهو لا يأتي اليوم إلى العالم الاسلامي حاملاً صليبه يريد تحرير بيت المقدس من "المسلمين الكفار". وأضيف إلى هذا، أن التطور الذي حدث ويحدث في الغرب واليابان والصين في المجالات العلمية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية هو في تسارع بحيث يجعل ما تسمى بـ"الشعوب الاسلامية" تسير سير السلحفاة خلف هذه الدول المتحضرة التي تركض إلى الأمام بسرعة الغزال.
مازلنا لا نريد أن نعترف أن الاسلام لم يعد مشكلة للمراكز الحضارية المعاصرة، وإنما هو مشكلة في موطنه. إنه مشكلة فكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية في موطنه. فهو في الأساس فكر مغلق وسياسة استبدادية وتخلف اجتماعي واقتصادي يدور في حلقة ينتج ذاته بعد 1400 سنة. بعكس قانون التطور الذي يحطم كل ما ندّعيه بالثوابت. لم تحافظ النظم الاسلامية، قديماً وحديثاً، على الحد الأدنى من القيم الانسانية والسلم الاجتماعي وحقوق الإنسان والشعوب. فتاريخ الاسلام هو تاريخ حروب الغزو والنهب والسلب. ورغم ما نهب المسلمون من ثروات الشعوب فإنهم بعثروا ومازالوا يبعثرون ثروات بلادهم هباء، وليس كما يدعون أن الغرب ينهبهم. الغرب يأتيهم كتاجر لديه من البضاعة ما ليست عند المسلمين. وقانون التجارة هو البحث عن الربح وليس عن العدالة. وإذا كان المسلمون يخسرون مع التاجر الغربي فالذنب ذنبهم وليس ذنب التاجر الغربي الذي يربح منهم أضعافاً. لو اعتبرنا اتهاب المسلمين للغرب بالتحايل في هذه التجارة صحيحاً، فالمفروض أن يأخذوا هذه المسألة بعين الاعتبار، ولا يكونوا أغبياء.
جاءت أمريكا إلى العراق عام 2003 كمحتل. لكنها أزاحت عن كاهل الشعب العراقي أحد أكبر طغاة الشرق وحشية. وخرجت منه بخسارات مادية، بل قيل أن بوش الابن سلم السلطة لأوباما وصندوق الدولة فارغاً، إلى جانب خلف وراءها آلاف القتلى من جنوده. فمن نهب العراق؟ هل أمريكا نهبت العراق أم حكام العراق الجدد نهبوه وينهبونه؟ تبين فضائح هؤلاء الحكام الجدد وأرصدتهم في البنوك الغربية أنهم أكثر نهباً من الطاغية صدام حسين، وأكثر استهتاراً بالشعب واستخفافاً به. وتتكون القناعة عن أغلب المراقبين أن الصراع بين الطغاة في العالم الاسلامي ومعارضيهم هو مجرد صراع بين طاغية يحكم وطاغية يسعى إلى الحكم، أما باقي الأمور فلا أهمية لها لا عند السابق ولا عند اللاحق.