هايكو : جناح الفراشة

مقداد مسعود
2019 / 5 / 23


التوغل في أغوار القراءات، يضخ فينا جسارة التمرد المسؤول عن خسائره المبهجة : كيف نتحرر من جهامة اللغة؟ متى نخلّصها مما ترفل فيه ؟ علينا أن نفصّل للغتنا الشعرية ثيابا تكثّف ما نريد قوله وليس ما تريد اللغة نفسها أن تقوله من خلالنا . ربما بالطريقة هذه فقط يكون الكلام الكثيف لجاما لشعرية شعورنا، حين نضع كل ما في حساسيتنا في منفذ التطبيق، ستكون لنا عينا جديدة ترى في أثاث حيواتنا، بعيدا عن العين القارة ،المطمئنة على ثبوتية الأشياء في مستودعها.بالطريقة هذه تكون الإحيائية الدؤوبة في أنسنة الحيوان والنبات والجماد هي مسلكنا بعيدا عن المعيار البلاغي، وزخرف القول والإطناب والإسهاب حد ترهل جلد النص المتوفر في الأسواق الثقافية وفضائيات الثقافة الرسمية. هنا ينتصر أسلوب الدلالة، وتنتقل الدلالة وهنا أيضا مثلما نريد التحرر اللغوي، علينا تحرير العلامة من جهويتها المنمّطة
(*)
في العنوان الفرعي : (قصيدتي) من كتابها الهايكوي الريادي عراقيا وعربيا: (بقية شمعة قمري) يتحاوران شخصها ونصها، والأثنان يستمدان من ندى الفجر هدوء الورد .فهي تحس القصيدة والقصيدة تنظرها وتنتظرها فتتجالسان القصيدة وشاعرتها في لحظة فجرٍ، وسيكون الفجرُ خيطاً والقصيدةُ لها خفة ألطاف الروح ومبهجة كالطفولة :
(خيط ُ الفجر
والقصيدة ُ
: طائرتي الورقية)..

ومثلما للقصيدة صمت الندى..فلها أيضا دويها الصائح، والقصيدة هنا تنتهك المخبوء، وتحيلنا إلى حكي يتجسد في الهايكو التالي
(كل فجرٍ حين تبكي
القصيدة..
أتلمسني
.. أطمئن )
(*)
في هذا المفصل النقدي نتوقف عند جدلية النص / الذات المبدعة، يتجسد ذلك تحت مظلة العنوان الفرعي التالي (طوعاً حملت ُ إليه رسائلي : الرؤيا)، وقبل هذه المظلة الهايكوية الملوّنة، نقف دقيقة تأمل في قفا الكتاب : تحت عنوان باللون الأحمر
: دقيقتان ..
ودقيقة واحدة واحدة
نقرأ الهايكو التالي :
(تأوهت ثم انصرفت ْ
فكرة ٌ
لم أدونها)
هذا المدوّن في قفا المطبوع :ليس ملصقا دعائيا للمطبوع، بل يختزن إيماءة ً شفيفة َ الشحنة، ثمة فكرة تنتظر أن تتحوّل من المجرد إلى المسطور، وحين ملت من الأنتظار أو مل الانتظار منها فإذا بالفكرة تنصرف خائبة، تعلن خيبتها من خلال فعل التأوه (تأوهت ).. هنا المحذوف هو فعل الكتابة أعني ماهي الفكرة؟ ماهو مضمونها؟ لماذا لم تكترث لها الشاعرة؟ هل كانت منشغلة بتفكرات أخرى، أما كانت الشاعرة مطوّقة بشروط الحياة اليومية . أم أن الفكرة كانت محض مشروع لم تكتمل ملامحه،أو كائن هايكوي من الخدج..؟ تساؤلات قراءتي هذه لا تنتظر أجابة بل تود التأكيد عن ثراء شحنة الهايكو الذي يستفز أسئلة ثرة لدى فطنة القارىء المتذوق للنص،وربما نصوص الشاعرة تعرف الشاعرة أكثر منا وبشهادة بلقيس خالد :
(لا تبالي هذه القصيدة
بشعوري
الآن)
إذن نحن في حضرة النص المفكر بذاته، وتفكرات النصوص تتجاور مع الرواية المفكر بذاتها أو ما يطلق عليها بالرواية الواعية بذاتها.حيث الروائي يقطع تسلسل الحدث ويخبرنا بظل الرقيب الحكومي على النص المبدع،كما فعلها مع رواية(صندوق أسود آخر) الروائي إسماعيل فهد إسماعيل – طيّب الله ثراه -..في هذا السياق: الشاعرة بلقيس خالد ترى في لا مبالاة القصيدة الهايكوية بمنتجتها: كينونة ً متعالية ً،كيونة ً منشغلة بكائنيتها هي وليس بمشاعر منتجتها بلقيس خالد وهنا التشخيص العيادي أن نصوصنا ذوات مستقلة عنا، في مستقر هذا النص أتذكر نصا عظيما لسيد البلاغة وإمام نهجها:(أولادكم ليس لكم) وهكذا علاقتنا مع النصوص، علينا أن لا نحملها فوق طاقتها ونقوّلها ما لاتود قوله ضمن السياق كما يجري عند البعض للأسف .
(*)
شخصية النص تتعارض مع شخصية الشخص/ منتجة – منتج النص : كما يحدثنا في (وجع الكتابة) الروائي مهدي عيسى الصقر، أنه خطط لرواية ذات أبعاد مرحة، فإذا بها تكون رواية موجعة ويكون عنوانها بعد ذلك (صراخ النوارس)..من كل هذا سنعرف أن كتابة الهايكو تحتاج حراثة من طراز خاص هكذا تعتني شاعرة ٌ حرثت في أرض بكر ومنحت الهايكو لأول مرة جنسية عراقية، فتسابق بعدها الجميع ليستبقوا معها ويمنحون الهايكو هويات أقليمية بلا تعميق ملامح خاصة بهذه الهوية أو خاصية جديدة بشعرية الكتابة الهايكوية، فأغلبهم يتصور الهايكو : نصف سطر، مع توزيع عشوائي للكلمات.
(*)
في مفصل (طوعا....) يستوقفني الشرط أو الطقس الواجب توفير حين يريد القارىء قراءة كتابها :
(إقرأ بصمت ٍ
صمتاً
أكتبه الآن)
ألا يمكن بهذا الخطاب الآمر (إقرأ) يصنّع فعل الأمر منصة ً لملامسة صمتا مسموعا في النصوص كافة التي تكتبها الشاعرة بلقيس خالد؟ ألا يمكن أن يكون هذا الهايكو قنديلا ملونا آخر ينير لنا نزهاتنا في حدائق هايكوات الشاعرة بلقيس؟ وأنا اتحسس النص وهو يهامسني أيها القارىء كن وحدك مع صمتك لتغدق عليك نصوصي مصابيحها..إذن الصمت ملقط ينظف هدأتنا من صخب اليومي وأغبرته وشراسة أضويته الساطعة وزعيق الفاصل الإعلاني في الفضائيات وفي الحياة التي صرنا نتذكرها أنها كانت حياة ً ذات نهار مطمئن على روحه فينا؟ الصمت رأيته بعينيّ هاتين في قصائدها: ندى ًنيسان يترشح في فجر الأزهار والعشب وخواصر شجر الحدائق .وينبجس من أسيجة البيوت، والشعر هو الإبن الشرعي للصمت ويصاب الصمت بتثبيتات السعادة ويحن الصمت إلى صمته ..لكن علينا أن نضع في الحسبان أن الصمت كشرط : ينبذه وينتبذ عنه : صخب قبائل الفيسبوك، وفي الصمت كمشروطية قراءة تثبت ُ الشاعرة صمتا أعمق بلاغة من الكلام، وهنا نكون مع كلام هو سليل مياه جوفية ناعمة باردة، والقراءة الصامتة توفر للقارىء بدلة غوصٍ يتوصل خلالها إلى طبقات متراكبة في نص الشاعرة الهايكوي ، كما أن القراءة بعمقها الصامت،تجعل الهايكو في منأى من عشوائيات التشارك الجمعي الفيسبوكي. والشاعرة بلقيس خالد بالفراشات تطرّز هايكواتها،فمن صمت الفراشة توصلت بلقيس إلى فراشة الصمت
(علمني الهايكو: كنه الصمت
لحظة إكتشاف الجمال )
فالعلاقة متواشجة وعميقة المذاق وثلاثي الأبعاد بين كينونات ٍ رابعها : شخصية منتجة النص
المتوارية خلف عسل ٍ وزهرة ٍ وتفاصيل هايكو
(بعمق قطرة ِ عسل ٍ
في قلب ِ زهرة ٍ
: دقائق الهايكو)
وكأن الهايكو التالي شاهد عدل يعاضد ما ذهبت قراءتي إليه :
(الكلمة النائية بنفسها
: زهرة ٌ تخبىء)
مابين القوسين يكتمل نصا هايكويا بدرجة أمتياز، فالجمال يكتفي بجمالياته، ونأي الكلام فيه صفو البال وصفاء السريرة، وللنأي مسبباته الواقية من الخليط النباتي وغير النباتي،وما بعد المقبوس بمنزلة حاشية هايكوية على المتن الهايكو السابق، ومن تنساق/ تضافر هذا المثنوي الهايكوي ينهض تألق النص
(بين
بتلاتها
سماً
أو
دواءً)
والحاشية تكنز جهويتي ضديد : سالب / موجب : شفاء/ خديعة قاتلة
ليس بالنأي وحده ينتعش الهايكو بل بالطواف أيضا هناك منجاة، فيتحول المكتوب إلى فضاء منعش وحصين
(أدور
حول
القصيدة
كلما بحثت ُ عن مستقر)
هنا يتجاوز فعل الكتابة وظيفته المنمطة،ويصبح ملاذا للمكين،ولا مكان سواه، لامكان للشاعرة خارج قصيدتها،أليست الشعرية في حد ذاتها ينظر إليها(بوصفها كائنا أنثوياً)؟! وعلمتنا المعرفيات الكبرى أن نص العالم ينهض من مثنوي الإشارة والشبيه، ومن تقاطع الطبيعة واللسان وهو من التقاطعات المتوازية ينص نص العالم/ العالم كنص. والكتابة هي الملء الذي لا فراغ فيها ولا حذلقة المتفارغين والفارغين، والفعل هنا للكلمة الفاعلة
(لا أريدني فراغا بين الأقواس
أكتبني كلمة ً
وإن كانت لا تشبهني)
بلقيس خالد كشاعرة لا تناصب الفراغ عداوة ً،لكنها تعرف كيف تضيئه بنقاط ثرة التأويل كما فعلت ذلك في كتابها الهايكوي الريادي عراقيا وعربيا: (بقية شمعة قمري) تحت العنوان الفرعي(أوتار بكماء) في الصفحة المعنونة (الوتر الثاني) نقرأ الهايكو التالي .أكرر : نقرأ
( .......................
........................
........................... )
ربما نجد تأويل التنقيط في الهايكو التاليف في: (دقيقتان ...ودقيقة واحدة) وإلى اشتغالي على مفصل (طوعا حملت إليه رسائلي :الرؤيا) :
(بِلا كلمات ٍ
أفعل
قصيدتي )
في هذا المسطور النقطوي الثلاثي، تلامس أذن القارىء نغمة عميقة الصمت،أقول تلامس وأنا هنا أحاكي الشاعرة بلقيس خالد، في الهايكو الأول في مفصل (زقزقة )
(بحاسة السمع :أتلمس النهار
عمياء الشمس
لولا العصافير / 48)
ليس المهم التطابق، بل الكتابة، هنا الكتابة تحيلني إلى بدايات الكتابة كمرحلة (أمتداد لبصرية وجسدية النقوش المصورة..) أما الفراغ فيحيل إلى شفرة عامة مغلّقة لا تشخيص فيها، لذا فالكلمة التي تنكتب بها ذاتي، من قبل غيري الذي يكون مني ولي، هكذا كلمة تكون لغة ٌ في اللغة..
(*)
الكتابة تضيق بطقوسها، والشاعرة تضيق بكتابتها، إذن لابد من جهوية ٍ جديدة :(قلت ُ: سأكتب عن الوطن
قالت : أحفري ...
أحفري..
في هذه البقعة، كي لاتكون جذورها
في السطح )
هنا جهوية ٌ جديدة ٌ بجهد ٍ مختلف، الكتابة تتحول أحفورية ً، والكتابة غراس يحتاج عمقا لتشتبك جذورها في ظلمة الماء والتراب
نلاحظ أن الصوت الأنثوي لم يقل : أكتبي، أو طرزي،أو أرسمي ..ربما لأن هذه الأفعال تلامس من الأشياء مسطحاتها. فتعوض القصيدة فعل الحفر، بسطرين منقطتين تهبط بها القصيدة مواصلة حفرياتها ويتكرر ثلاثيا فعل المضارع المستمر
(......................
.........................
وها أنا أحفرُ
أحفرُ...
أحفرُ...)
وخلافا لكل الأوطان فأن مصابيح عراقنا في باطن الأرض، لا يستفيد منها سوى الظلام المترب،أو المستغلون، وغالبا من يتم في خلسة من ليل الحكومات المتعاقبة البساطيل يتم وأد مصابيحنا جماعية ..
(ليستضيء الوطن
من سكّان مملكة العظام
العظام !/38- مملكة العظام من كتاب سماوات السيسم)
القول الشعري هو فعل ميداني كابداته عوائلنا بعد ثلث قرن من البربرية
أثر سقوط الطاغية..وهنا القصيدة بلا نبرة من اللافتات ذات بصمة عراقية ساخنة .
(*)
التنقيط يتخذ جهوية ً أخرى والموضوعة نفسها، والتخاطب بين المرأتين، في قصيدة (مسرح- مدفأة ) الحفيدة تسأل والجدة لاتجيب بلسانها، فهمي مثلما علمتها حفريات النص في القصيدة السابقة فهي هنا تعلمها القول الصامت، فالذي يتكلم ليس لسان الجدة بل كفها
(في ليلة ٍ شتوية الإيقاع،لم أسألها
: حكاية ً
سألتها :عن وطني...)
نلاحظ أن هذا المقطع من النص تام الوضوح ، لنتأمل في طريقة جواب الجدة وستتجاوز قراءتي على النص وتقوم بتقطيعه وترقيمه :
(1) تنهدت ..
(2) تأملتني..
(3) تنهدت.. ثانية ً
نحن من خلال النسق الثلاثي أمام تمثيل صامت،بلاغته أمض من الكلام.
والتمثيل هنا شبه ساكن أو حركته وهو في مكانه: تنهدتان بينما تراسلا ً بصريا، مبثوث من الجدة إلى الحفيدة، بعد هذه العتبة المسرحية تنتقل الجدة،وهي في مكانها إلى تحريك اليد:
(ثم بالماء،بللت كفها، نثرت
قطرات ٍ
على سطح المدفأة)
هنا ينتهي دور الجدة، وهنا تبدأ مؤثرية دور كفها البليلة التي نفضت بللها على مسطح المدفأة
(النار: ... تركل القطرات
القطرات .. تقاوم
النار.. تركل
القطرات
تقاوم
تقاوم تقاوم
تقاوم تقاوم تقاوم )
هنا في هذه الصورة النارية وجيز سيرة سنوات العراق الدامية كلها
العلاماتية المسرحية أكثر بلاغة من أي وسيلة أخرى من وسائل التوصيل
ثم ينتقل النص إلى الخطوة الميلو دراما
(القطرات : وهنت
ألتصقت ْ بالسطح
تلاشت...)
نسق ثلاثي مرة أخرى : وهنت/ ألتصقت / تلاشت ...
بعد هذه التجربة الفيزياوية، بعد هذه المواجهة بين جيلين : الحفيدة / الجدة
تستعمل الجدة لسانها تستعمله حاشية ً قولية ً على متن تطبيقي
(قالت جدتي : هكذا الوطن
و... نحن )
هذا التلاصق بين جيلين، وهذا التماهي بين الجدة وحكيها، من خلال آصرتي : التلاصق/ التماهي : ستنصص الجدة أي تكون نصا وتدخل في حكايات حفيدتها وستكون الجدة مخيلتنا أجمعين
(... لم تعد تحكي
صارت نصا حكائيا
به تستعين
دفء المواقد
: جدتي/89/ سماوات السيسم)