حصة الكرد من الضغوطات الأمريكية على إيران

محمود عباس
2019 / 5 / 23


من الطبيعي أن تحرك الإمبراطورية الأمريكية، كأية إمبراطورية في التاريخ، معظم أدواتها، وتستخدم جل إمكانياتها ضد أية دولة تهدد مصالحها. ففي مسيرة الصراع المتفاقم في منطقة الشرق الأوسط، تجاوزت إيران كل الخطوط المسموحة، وتعرضت بشكل مباشر لمصالح الإمبراطورية وأصبحت تهدد بشكل يومي حليفتها الأهم إسرائيل، ومحمياتها من دول الخليج، وكرد فعل على هذه التجاوزات صعدت من حصارها الاقتصادي على صادراتها إلى الحدود المدمرة لدخلها القومي، وبالتالي لأدواتها في المنطقة، وذلك من خلال تهديد كل من يستورد نفطها وغازها، أو كما ذكرها وزير خارجية الإمبراطورية (مايك بومبيو) " إما تتعاملون معنا أو ضدنا مع إيران" ومن جهة أخرى بدأت بنشاط دبلوماسي وعسكري واسع. والكرد رغم أنهم الحلقة الأضعف ضمن الإستراتيجية الأمريكية في هذا الصراع، لكن المتوقع أن يكونوا ذات فعالية في حال استمرت المواجهة، ولا شك هنا لا نتحدث فقط عنهم في الداخل الإيراني، كما لمح إليها الوزير ذاته قائلا: أن الكرد في إيران أكثر عددا من كرد العراق وسوريا معاً. وحذرها الرئيس دونالد ترمب بدوره وبلهجة شديدة في توتيره البارحة، قائلا " إذا أرادت إيران القتال فستكون النهاية الرسمية لها، لا تهددوا الولايات المتحدة مرة أخرى أبداً" فسرها البعض من المحللين الاستراتيجيين، أنه يعني تقسيم إيران حسب القوميات المتواجدة في جغرافيتها، وفي مقدمتهم الكرد، والتحريك الأمريكي لهم لن تنحصر في الجغرافية الإيرانية، بل ستتضمن القوى في جنوب وغربي كردستان، أي العراق وسوريا، والأخيرة بشكل خاص، أي لربما نحن أمام تطورات نوعية في سوريا وشرقي الفرات بشكل خاص، وقضية المنطقة الأمنة الكردية المؤجلة والضبابية حتى اللحظة.
لا شك أن دول الخليج وعلى رأسهم السعودية قبل إسرائيل أكثر من يحرك هذا الصراع، ويدفع بلوبيها في أمريكا لتصعيد ضغوطاتها الاقتصادية، وخاصة على مبيعاتها من النفط والتي بلغت ما دون المليون برميل يوميا مع المباع في الأسواق السوداء والتي عادة أسعارها متدنية، بعدما كان قد حدد لها تصدير النصف من حصتها المسموح لها في الحالات العادية ضمن منظمة أوبك، وهي بحدود المليونين وثمانمائة ألف برميل يومياً، وأستمر سقف إنتاجها المتفق عليه ضمن المنظمة المذكورة ما بين عامي 2012-2015م إلى قرابة المليون والنصف برميل يوميا، إي قبل الاتفاقية النووية بينها وبين أمريكا في عهد الرئيس براك أوباما، وتصاعد الإنتاج والتصدير بعد الاتفاقية لتقترب من السقف الدولي المسموح، إلى المرحلة التي سحب فيها الرئيس الجديد دونالد ترمب أمريكا من الاتفاقية، وطالب بإعادة النظر فيها، وعلى أثرها جدد الحصار وصعده إلى مستويات أعلى بكثير مما كان قبل الاتفاقية، وحدد سقف الاستيراد للدول المتعاملة معها وبمرحلة زمنية لا تتجاوز نصف السنة، وهذا ما حصل حتى أذار الماضي، فالصين حصلت على قرابة 600 ألف برميل، وكوريا الجنوبية على 380 ألف برميل، والهند قرابة 260 ألف برميل، واليابان بحدود 200 ألف برميل، وتركيا 97 ألف برميل، إلى جانب 226 ألف برميل لم يحدد هوية المشتري، وتدرج عادة ضمن مبيعات السوق السوداء.
فالولايات المتحدة ومنذ الشهور الأولى لرئاسة دونالد ترمب، بدأت بالطعن في اتفاقية عام 2015م النووية، وعلى أثرها حاولت قبل شهور تحديد سقف صادراتها النفطية، مصرحة أنها تهدف إلى تحجيمها لأدنى مستوياتها ليس فقط بحدود النصف مليون برميل يوميا كما صرحت به موقع بلومبرغ الأمريكي بل إلى الصفر، ومن جهة أخرى التحكم في مدخول الصادرات الجارية والذي سيكون على شكل مقايضة، مصاريف للأغذية والمواد المعيشية الضرورية، أي ما يسمى عادة بالترتيبات غير النقدية، رغم إدراكها لصعوبة تحقيق مثل هذا الأمر وخاصة مع دول مستوردة مثل الصين والهند، وللنتائج الوخيمة الناجمة عنها، ومنها انعكاسها على أسعار النفط العالمية. مع ذلك ولتنفيذ الخطة، حذرت أمريكا العالم قبل سنة بعدم شراء نفطها، خاصة بعد مرور 180 يوما المستثنية فيها ثمان دول كبرى منها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا، مع تحديد كميات الشراء، وقد أعلن وزير خارجيتها مايك بومبيو في الأسبوع الماضي عن بدء مرحلة الحظر التام وانتهاء المدة المسموحة للشراء وهي 2 أيار. هذه الإستراتيجية هي التي تتوقعها أمريكا أن تجبر سلطة أئمة ولاية الفقيه على تعديل الاتفاقية النووية، أو تجفيف مخزونها النقدي من العملة الصعبة، والتي ستحد فيما بعد: من تطويرها لمشاريعها النووية العسكرية، وتهديداتها لدول الجوار عن طريق أدواتها، وهيمنتها على المنطقة، وإضعافها ليس فقط من الداخل كنظام، بل في الأبعاد الجغرافية العديدة، بدءا من أفغانستان إلى اليمن ولبنان وسوريا، وحتى المغرب والتي أدت قبل سنتين إلى امتعاض الملكية في المغرب من تدخلاتها وبلغت حد توجيه التهديدات.
وفي الواقع تبينت وعلى مر التاريخ الحديث أن الضغوطات الاقتصادية على الأنظمة الدكتاتورية كثيرا ما لا تجدي نفعا، لكن يتوقع المراقبون أن تكون هذه الجدلية مختلفة مع الواقع الإيراني، لأنها قد تؤثر على أدواتها في الخارج، وقد لوحظ تأثيرها على الداخل السوري، فمنذ اليوم الأول من الحصار على النفط الإيراني، ظهر وبشكل مفاجئ أزمة الوقود الحاد في معظم المناطق التي تسيطر عليها السلطة، والتي لم تشهدها سوريا بهذه الشدة طوال السنوات الثمانية من الحرب. ولا يستبعد أن تظهر تأثيراتها في القادم من الزمن على الحوثيين في اليمن وحزب الله وسلطة بشار الأسد، رغم أن ترساناتهم من الأسلحة لربما كافية لسنوات قادمة، مع ذلك نتائجها ومن جوانب أخرى ستكون ثقيلة مع استمرار الحصار، خاصة وأن التهديد الأمريكي شمل كل هؤلاء، وبتصريح من المتحدثة الرسمية باسم الوزارة الخارجية (هيذر نويرت) قائلة إن دولتها ستحاسب إيران " حال ضلوع ميليشياتها بالوكالة في تنفيذ أي من تلك الهجمات".
وبالمقابل، تبينت وحسب استطلاعات العديد من مراكز البحوث، أن التحركات العسكرية الأخيرة كلفت أمريكا خلال شهر واحد أكثر من 2 مليار دولار، منها مصاريف تحريك أساطيلها، والمناورات العسكرية في المياه الإقليمية المحيطة بإيران، وحماية الممرات المائية الدولية من اعتداءات محتملة، والتي جاهرت بها إيران، كمضيق هرمز وباب المندب، إلى جانب احتمالية تعويضات لبعض الدول الحليفة عن مقاطعتها للنفط الإيراني، ومنها ما ادعت أن مصافيها مصممة على نوعية نفطها والأن تحتاج إلى تغيير فيها لتتلاءم والنوعية البديلة. علما أن معظمها مدفوعة من قبل دول الخليج، وهذا ما أدى إلى أن يعقد جيمس ماتيوس وزير الدفاع الأمريكي في دولة الإمارات اجتماع ضم العديد من المنظمات ودول الخليج، ليظهر فيها متانة العلاقات بينها وبين محمياتها، وفي مقدمتها العسكرية في هذه الفترة.
بجانب هذه المشاهد تجري حروب عسكرية وسياسية خفيفة جانبية، وتحركات دبلوماسية على كافة الأصعدة، ومحاولات لتقوية أدوات يثقون بهم، ومن المتوقع أن تكثف الإمبراطورية الأمريكية المساعدات لحلفائهم (كما يصرحون) الكرد في سوريا، والرسالة المفاجئة المقدمة من قبل 400 عضو برلماني وسيناتور أمريكي إلى الرئيس ترمب، ستلقي بالضوء على الكرد وقواتهم وبالتالي على القضية الكردية بشكل عام في سوريا وربما في إيران مستقبلا. فالرسالة وعلى الأغلب يقف ورائها اللوبي الإسرائيلي ودول الخليج، الذين يتحركون بشكل مكثف في هذه الفترة، للضغط على إيران من كل الأوجه، وبما أن القضية السورية واحدة من القضايا المهمة لإيران، لذلك فأمريكا على الأرجح ستعيد النظر في العديد من مواقفها السابقة، ومنها قضية سحب قواتها من شرقي الفرات، وقد نتجت عن الرسالة تحركات على المستويات العليا، بلغت حد المطالبة من روسيا وعن طريق مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص لسوريا (جيمس جيفري) اليوم، الانضمام إلى جهود التصدي للتدخلات الإيرانية في سوريا، ولاستخدام نفوذها على بشار الأسد لسحب القوات الإيرانية وميلشياتها منها، مضيفا أنه " لدى الولايات المتحدة وروسيا مصالح متبادلة في سوريا مستقرة وآمنة ".
فالزيارات السرية والمفاجئة إلى العراق وجنوب وغربي كردستان، كزيارة مايك بومبيو لبغداد لم تكن عابرة، بل بعد دراسة وعن تخطيط، ومنها مناقشة الصادرات النفطية، وخلفها تهديدات مبطنة، ولا يستبعد أن تتم تعديلات على الموقف الأمريكي من الكرد لتصعد إلى درجة التعامل السياسي معهم في شرقي الفرات، وتبين بعض الاستطلاعات على أن المنطقة أصبحت تدرج ضمن المعتمدة عليها في التحركات العسكرية ضد إيران، وقد تدعم عسكريا وتدفع بها لمواجهة التواجد الإيراني في سوريا أو على الأقل في شرقي الفرات.
لا شك، منطقة الشرق الأوسط تتجه نحو تغيرات جيوسياسية، بعد الهدوء الذي سادها طوال القرن الماضي، وحيث الاستقرار النسبي للتكوينات الجغرافية العشوائية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وهيمنة بريطانيا وفرنسا، وهنا لا بد أن ننتبه إلى أية درجة تدرك الأنظمة الحالية خطورة التطورات المحتملة، ومدى قدرتها على تفاديها، والحفاظ على وجودها، وإلى أية درجة نحن الكرد جاهزون أو قادرون على إدارة ذاتنا، وهل إمكانياتنا الحالية كافية، وإن لم يكن، فماذا نحتاج؟
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamkurda@gmail.com
22/5/2019م