محمد ممدوح … صمتُه كلامٌ!

فاطمة ناعوت
2019 / 5 / 22


قال "أرسطو" لتلميذه: “تكلّمْ حتى أراك". لأن الكلامَ هو فِكرُ الإنسان المسموع. فكان الفيلسوف الإغريقي يقيس عقولَ تلامذته، ويُقيّمُ قدراتهم على التفكّر والتفلسف عن طريق سماعهم وتقييم أفكارهم. ولكنّ ما ينطبقُ على "الفلسفة" لا ينطبقُ على "الفنّ”. الفلسفةُ لغةُ العقل، والفنُّ لغتُه الشعور. الفلسفة تُسخِّرُ جميع الحواس لالتقاط الفكرة حتى يلتقطها العقل. بينما الفنونُ تُغلق أبوابَ الحواسّ؛ لتفتحَ أبوابَ الوجدان والمشاعر. فيصيرُ "الإحساسُ" عينًا ترى، وأُذنًا تسمعُ، ويدًا تلمسُ، ولسانًا يتذوَّق، وأنفًا يستنشق. لوحات "ڤان جوخ" مثلا، تجعلك تشمُّ بأنفك رائحة سنابل القمح، وتتذوّق بلسانك طعم شرائح البطاطس في صحون الفلاحين، وتلمسُ بيديك نسائمَ الهواء تطارده الطواحينُ فيرفض أن يمضي قبل أن يراقص ريشاتُها.
أعظمُ قصائدِ التاريخ هي التي لا تقول كثيرًا، وتُخفي أكثر مما تعلن. وأعظم لوحات الدنيا تقتضبُ في الخطوط ولا تُثرثرُ في اللون. وأعظم السوناتات تضنُّ بالنغم حتى تستنطق الموسيقى من أحاسيس سامعيها. وأجملُ النغمات لا تظهر إلا بمقدار مساحات الصمت التي تجاورها.
والحقُّ أنني من المفتونين بأداء الفنان "محمد ممدوح" لإيماني بكل ما سبق. الممثلُ العبقري هو الذي ينطِقُ صمتُه بالكلام. هو الذي تتكلم ملامحُه بقدر ما يصمتُ لسانُه. لهذا أبهرنا هذا الفنان الاستثنائيُّ في "جراند أوتيل" حين تلعثمت الكلماتُ فوق لسانه، وشحَّت وندُرَت، بينما كانت ملامحُ وجهه وخلجات جسده، أداتَه للكلام. بريقُ عينيه تارةً، وانطفاؤهما تارةً، ظلالُ ابتسامه حين يلمحُ حبيبته، وغيومُ حزنه حين تغيب عن عينيه، جبروته الصامتُ الغضوبُ حين اكتشف غدرها فحملها مثل هِرّة مزعورة على كتفيه ليُلقي بها إلى النسيان، وحنوُّ ذراعيه العملاقتين على طفلٍ رضيع ليس من صُلبه. صمتُ هذا الفنان كلامٌ في كلامٍ في كلام.
"محمد ممدوح" فنانٌ من طراز شديد الخصوصية. لا يشبه إلا نفسَه. جميلٌ لأنه نسجٌ وحدَه، ويبقى جميلًا بقدر ما يتمسّكُ بأن يظلَّ نسجًا وحدَه.
حين باغتته المذيعةُ بانتقاد أسلوب نطقه للكلمات وشكوى بعض الناس من عدم وضوح الحروف على لسانه، أجابها بأعسر وأصعب إجابة يمكن أن ترِدَ على لسان: “آسف!” مقرونةً بابتسامة الواثق الذي يعرفُ مكامن تميّزه وفرادته. لم يُبرّر ولم يغضب ولم يتجهَّم. فقط ابتسم واعتذر! لأنه فنانٌ حقيقيّ ومثقفٌ فنيَّا ويُدركُ أن أداةَ الممثل "صمتُه" وليس "كلامُه”. لهذا لم ينزعج من النقد بل ضحك في أعماقه واعتذر عمَّا لا يُعتَذرُ عنه. وهل يُعتَذرُ عن التميّز والفرادة؟!
الأمير البريطاني "ألبرت" الذي ورث عرش بريطانيا العظمى بعد أبيه الملك جورج الخامس، وتخلّي شقيقه إدوارد الثامن، ولي العهد، عن الحكم، كان "يتلعثم" في الكلام. وتولّى ألبرت الحكم ليصبح اسمُه "جورج السادس"، ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا، وآخر أباطرة الهند؛ حتى ورثته ابنتُه الملكة إليزابيث الثانية. في فيلم " The King s Speech "، من إخراج "توم هوبر"، عالجت الدراما حكاية ملك مصاب بإعاقة الثأثأة. أخفق في إلقاء كلمة على شعبه عبر ميكروفون الإذاعة؛ فاكتشف هو وزوجته، الملكة إليزابيث الأولى (الملكة الأم)، أن إعاقته الكلامية ستصنع بينه وبينه شعبه جدارًا من الصدود. فتبدأ الزوجة المحبّة رحلة تحطيم ذلك الجدار. إنها مأساة رجل تلازمة إعاقة كلامية منذ الطفولة، أصبح ملكًا على أهم عروش العالم، في الوقت الذي كان هتلر يهدد نصف العالم، وستالين يهدد النصف الآخر. أخفق أطباءُ القصر في علاجه حتى ظهر "ليونيل لوج"، الذي يهوى تمثيل مسرحيات شكسبير، فيُخضع الملكَ لتمارين تنفّس وجلسات تخاطُب مطوّلة، ويجعله يقرأ مقطعًا لشكسبير، على خلفية من الموسيقى الكلاسيك، حتى لا يسمع صوتَه وهو يتكلم فيرتبك ويتلعثم. ويراهنه الطبيب على "شلن" إن نجح. ويكتشف المعالجُ الذكيُّ أن الملك كان أعسرَ في طفولته، وأُجبِر على استعمال اليمنى قسرًا وفق البروتوكول الملكي، وكان ذلك سرّ تلعثمه وانعدام ثقته بنفسه، إضافة إلى سخرية شقيقه الأكبر من لعثمته. ويُعالَج الملكُ وينجحُ في إلقاء خطاب إعلان الحرب على ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. ثم تكتشفُ استخبارات القصر السرية أن المعالجَ الفذَّ ليس طبيبًا ولا يحملُ مؤهلا أكاديميًّا، بل هو "ممثلٌ فاشل" يتقن فنَّ الخطابة فامتهن تدريب المتلعثمين على التخاطب بمنحهم الثقة في النفس وغرس فن التواصل مع الآخر. واستحق الملكُ عرشَه، وانتصرت بريطانيا في عهده، وحصد محبة الشعب الإنجليزي واحترامه.
أحدُ أدوات الملك خطابُه لشعبه. لكن للفنان أدواتِه الأخرى. لهذا يظلُّ شطرٌ من فرادة "محمد ممدوح" كامنًا في تلك الكلمات الغامضة على لسانه. تلك منحةُ الله لذلك الفنان الموهوب، فهل نفرّط في منح الله التي تصنع تفرّدنا؟! أيها الفريد الذي صمتُكَ كلامٌ، أحبُّكَ كثيرًا.
“الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”

***