المكلّف بالتوت : فوزي كريم

مقداد مسعود
2019 / 5 / 21

المُكلّف بالتوت : فوزي كريم .
مقداد مسعود
لم تهبط رأيتك يا فوزي وأنت تصعد نحو مياه ٍصقيلة ٍ ناعمة ٍ عميقة ٍ، وحدك وحدك ستقف بقدميك في القاع الرزين الهادىء البياض،ولا تدحرجك المياه كما دحرجتهم. وحين رأيتَ دهشتني،همستني (النسيم الذي يدفعه سعف النخيل من خلفي يمسّني،ويمسُّ فراشي،ويمضي إلى سبيله،يتسع أتساع العبّاسية التي تنتظر النوم.المحلة التي أحببت ُ دعتها وأستراحتها الكسول على ضفة نهرها الذي ينتسب لها...) سألتك مبتسما : يبدو مازلت تتنزه في الجزء الأول من (مروج الذهب ومعادن الجوهر) بحثا عن فرية المسعودي: مدينة النحاس ..
(*)
وحدك هبطت من سماواتك على دراجة ٍهوائية ٍ هل مازلت تكوّر قبضتيك وترفع يديك احتجاجا؟
(*)
رغم الضجيج وصنّاجات قصائد أوّل مربد تحضره، بعد سقوط الطاغية : أجبتني بهدوئك المبتسم ونحن نتحدث: ها أنا أحاول العودة إلى كاردينيا لا وجود لها الآن إلاّ......
(*)
في كل جهودك الناصعة، كان أرخميدس يحاكي فعلك الشعري في السرد والشعر.
وحده أرخميدس رآك ففعل فعلتك الكونية نفسها: قفز َ خارج أثينا وخارج الكرة الأرضية ورسمَ كرة ً أرضية ً، وحملها على ظهره، لينقلها إلى هناك البعيد عن اللغط والقريب من الوتين!! هل هكذا يكون تفصيلُ ملابس الأمبراطور بنسخة ٍ مزيدة ٍ؟
(*)
في زيارتك الأخيرة لبصرة مهرجان المربد الشعري، غبتَ عن المنصة مرتين
:لم تقرأ قصيدة ً
*وفي ليلة الختام نادى... عريف الجلسة لتستلم الشهادة التقديرية.........
ليلتها بحثت ُ عنك فرأيت ُ صوتك في دمي وفي فمي يتلو ما تيّسر من مزمورك (الحان الزجاجي) : وحين أبصرتك ليلتها على كورنيش البصرة،رأيتُ يديك تحملان ما لا يُرى تبسمتَ في وجهي وغنيت :
(لاشيء في اليدين
إني مع العمر أغني ألم اليدين)..
ها نحن نتمشى في كورنيش البصرة، فجأة تصحبني معك وأنت تدخل نخيل العباسية في كرادة مريم وتهمسني (كانت العباسية هامشا متواضعا ومنسيا على نهرها الخاص وكلا التواضع والنسيان أضفيا مسحة ً من الخيال على قدرات أبنائها )
(*)
فوزي ..
ياخيّاط ملابس الأمبرطور الجديدة
لا من القديسين أنت ولا من السحرة، لا أجدك إلا هناك ترتشف الموسيقى وهنا في العباسية تعتلي شجرة التوت في بيتكم فأناديك... يأتيني صوتك وقد لونته الغصون (أنا المكلّف بصعود الشجرة، وألتقاط الثمار الناضجة.. تجمعها أختي فيما بعد في صحن كبير،تغطيه بنثارالثلج، وتتركه على الأرض لمن يأكل )

(*)
أراك اشتقت وتشوقوك: المنسيون المهرسون بعجلات ثلث قرن من البربرية العراقية .. عمتك البصيرة..أخوك عامر الموظف في الخطوط الجوية الذي انقذك من الحوت.. من طيبة هؤلاء المنسيين المجبولين من الغربة ووعي الغربة تبدأ الأشياء..
(*)
.هل حقا لصوتك مزايا الدماء؟ لماذا إذن كلما تصفحت فانوسا من فوانيسك ظللتني الفراشات وغمرني ظلٌ نحيلٌ من نايات الجنوب ؟ البارحة 17/5/ 2019 زرتك بوقت السحر ،لم أجدك تحت الثلج، بل رأيتُ صبيا لا يشبه غيرك في منطقة العباسية في بغداد..دنوت ُ منه فنهض مبتسما، همسته ُ بوجد الصوفيين : ماذا تفعل ؟ تبسّم وبخفوت ترنم :
(أختصمُ مع الأوتار في الهزيع الأخير من الليل
مع الأوتار الأربعة للروح..
إنني القوسُ
منحنياً ..
أستجيب إلى ما يكررني
أتردد في كل تفصيلة ٍ أو ثنيّة
وكأني أعيد ُ الزمان َ
دوائر َ في جسد الآلة الخشبية
ثم أطلقُها من شباكي إلى الأبدية)
(*)
إلى أين فوزي..؟ أريد ُ الأغتسال بمياه الموسيقى ،فأنا منذ صغري في تلك البساتين أنمو على ظمأ،بوهج الظلام المغامر ..
فوزي ..
فوزي..
إلى أين فوزي...؟ أريد ُ الباب مفتوحا كي أدخل ُ عتمة النخل، أريد ُ أن أنسى... لكي أسلب ُ نجماً يتواطىء مع حسرة العاشقين ..لعلي أختفي ..فخوفي يترّبص بي من ورائي..أختفي كما تتخفى طيورّ شتائية في الأصيل..
(*)
كلما غمرني ظلام أبيض برذاذه، وجدته مقوسا وصارما يحوك لنا من ناعم التراب دهاليزاً،أشار صوبه فوزي ..فهمسته : هو حائك التراب يفصّل الأنفاق ويقسمّها بقدرٍ موزون ،لا يستحي من أي أحد : كائنٌ مِن حصى وصدأ..والآن ماذا تقول يا فوزي ...؟ أقول الذي قلته دائما بكل الفصول (علّمني النرجسُ العذب ُ أن الحياة توابع والأصل في الميت )..ثم صاح بي صائح قبل دوي الانفجارات في رمضان كراّدة (أنت بين الرهينة ِ والفتك ِ سعرٌ زهيد ٌوبين الطفولة ِ والموت وجه ٌ جديد ٌ يموت )