الصحوةُ من الصحوة … وارتزاقُ الأصفار!

فاطمة ناعوت
2019 / 5 / 19




لسببٍ أو لآخر، قدّمَ أحدُ أعتى غُلاة الُمتشددين الإسلاميين في المملكة السعودية، "د. عائض القرني"، أخطرَ مراجعة فكرية عرفها التاريخُ الحديث، واعتذر على الهواء وعلى الملأ عن سلبيات عديدة في نهج ما أسموه "الصحوة الإسلامية"، التي أورثتِ البشرية سنواتٍ وعقودًا من الويل والتنمّر والتكفير والإرهاب وتشويه وجه الإسلام في عيون العالم.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن ذاك الاعتذارَ سهلٌ رَخْصٌ. مجرد كلمة تخرج من الأفواه يُسرًا كما خرجت ألسنةُ اللهيب من الأفواه يُسرًا فكفّرت وفجّرت وأحرقت. لكنه في الحقيقة ليس كذلك، لأن الُمعتذِرَ، وهو (الرقم الصعبُ) في الفكر السلفي التكفيري المتشدّد، يعلم تمام العلم أنه سيدفعُ فاتورة باهظة من الانتقاد اللاذع تصيبُه سهامُه من (الأرقام الصغيرة) التي ترتزقُ على التشدد والتكفير والرجعية. فهو ببساطة "يُبوِّر" بضاعتهم بهكذا اعتذار!
"الحركة الصحوية" مصطلحٌ نشأ في ثمانينيات القرن الماضي على ألسن بعض الدُّعاة المتشددين مثل "سلمان العودة"، "عائض القرني"، “عوض القرني”، "ناصر البريك"، "سفر الحوالي"، وغيرهم. وهي حركة إخوانية رجعية عمدت إلى إخفاء الوجه السمح للإسلام وإعلاء راية الرجعية والتديّن الشكلي وإهمال جوهر الإيمان. واليوم، يبدأ أحدُ أساطين ذلك التيار في رحلة العودة من طرف الجمود المتزمّت إلى جادة الاعتدال السمح الذي يُبشِّر ولا يُنفِّر؛ كما ينصُّ الحديثُ الحاسم: “يَسِّروا ولا تُعسِّروا، بشِّروا ولا تُنفِّروا".
وهنا، نرجو أن يكون ذلك الاعتذار بدايةً حقيقية لطَيّ صفحة سوداء من تاريخ الإنسانية، دفعت فيها البشريةُ بكاملها أسهمًا فادحة من فاتورة التطرف، مثلما دفع الإسلامُ ذاته سهمًا غاليًا من وجاهته في عيون الإنسانية.
وقد يتساءلُ المرءُ إن كان الاعتذارُ سوف يُصالح ملايين النفوس التي تكدّرت حياتُها بسبب تلك "الصحوة"، كما أسموها على مدى أربعين عامًا؟! أو يداوي الأرواح التي أُزهقت والدماء التي أُهرقت بسبب تكفير الناس للناس؟! أو هل يعيد الثرواتِ الحضاريةَ التي لا تُقدر بمال، تلك التي فُجَّرت وحُطّمت وأُحرقت جرّاءَ نعتها بالأصنام زورًا وجهلاً؟ أو إن كان ذاك الاعتذارُ سوف يُقدّم ترضيةً للبلاد الغربية التي دخلها المتطرفون لاجئين فخربوا حضارتها بدعوى أنها أرضُ كفر وضلال؟! ولا يملكُ الإنسانُ إلا أن يسأل نفسه إن كان ذلك الاعتذار الجميل سوف يرأبُ صدوعَ مصرَ التي ألبستها رياحُ الصحويين الأكفانَ وهي في عز إشراقها وجمالها، وضربت خاصرتَها سهامُهم ففرّقت بين مسلميها ومسيحييها؟!  ثم نتساءل إن كان الرأيُ العام العالمي سوف يصمت، أم يتخذ إجراءً حاسمًا ضد قطر وتركيا بعدما فضحتهما شهادةُ "عائض القرني" وكشفت أنهما على رأس الجهات الداعمة للإرهاب في المنطقة العربية، والممولة لأجندات الإخوان، إلى جانب بوقهم الإعلامي، قناة الجزيرة، لتجميل خطابهم الدموي؟!
جاء ذلك الاعتذارُ المتأخر بعدما "اتسع الخرقُ على الراتق" واستفحل سرطانُ الإرهابُ في أرجاء الأرض، وقررت السعودية التحرر من النفق المظلم الذي حفرته. ولكنْ في كل حال، الاعتذارُ اعتذارٌ؛ وإن تأخّرَ؛ فخيرٌ من ألا يأتي على الإطلاق. ففكرة (الاعتذار) في حدّ ذاتها إدانةٌ صريحة لكل ما جرى في تلك السنوات القاسية الآثمة التي توغّل فيها (الفكر الصحوي) على ألسن الإسلامويين، وهيمن على آذان بسطاء المسلمين في أرجاء الأرض، وسيطر على عقل المجتمع العربي والإسلامي وظلَّ صداه مسموعًا مُدويًّا من الزوايا وعلى منابر المساجد، وجعلنا نحن المستنيريين الرافضين للظلامية والتطرف في مرمى النيران، واضعًا أعناقنا تحت مقصلة التكفير، بزعم أن كل من يُخالف نهج الصحوة، مختلفٌ مع الإسلام ذاته! والعكس هو الصحيحُ دون شك.
وهنا يبرزُ السؤالُ الكبير: “وماذا عن شيوخ التكفير في مصر من تلاميذ "الصحوة السعودية"؟! هل سيعتذرون كما اعتذر عرّابُهم، أم ستأخذهم العزّةُ بالإثم ويُكابرون؟!”
يقول "مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة" التابع لدار الإفتاء المصرية، في بيانه الرسمي إنه يُرحِّب باعتذار الداعية السعودي عن الأفكار المتشددة التي كان يدعو إليها، وإنها خطوة مهمة وجريئة في طريق التخلص من التطرف والتشدد. فالاعتذارُ رجوعٌ إلى الحق وشجاعة أدبية ودينية مُثمّنة.
وهنا، ندعو المرصد المصري أن يوجّه ميكروسكوبَه نحو أرض مصر الطيبة، حتى يتتبّع الدُّعاةَ التكفيريين المصريين الذين يرتزقون على تلك الفتاوى المتشددة التي تملأ جنبات مصر منذ أربعة عقود، وبدأت السعودية في التبرؤ منها الآن.
فذلك الاعتذارُ السعوديُّ الجميل الذي نشكر عليه د. "عائض القرني"، وولي العهد السعودي، لن يكون له أيُّ معنى إن لم ينعكس على مصر بالخير، مثلما انعكست صحوتُهم على مصر بالويل عقودًا.
وكما يقول أبو فراس الحمداني: “إذا مِتُّ ظمآنًا/ فلا نزلَ القَطرُ"، أقولُ: “إن لم يُنقذِ اعتذارُ الصحويين مصرَ، فلا كان الاعتذارُ!
"الدينُ لله والوطنُ لمَن يحبُّ الوطن.”

***