جليل كريم العين وأنا وسلطان بروناي

جعفر المظفر
2019 / 5 / 18

جليل كريم العين وأنا وسلطان بروناي
جعفر المظفر

زمن الإبتدائية وفي الصف الخامس كان زميلي على "رحلة الدراسة" صديق إسمه "جليل" وقد كنا نناديه (جليل الأعور) لأن إحدى عينيه كانت "كريمة", وكان مدرس اللغة الإنكليزية قد وصل بتعليمنا إلى قول أسماءنا بهذه اللغة.

في بداية المرحلة, لمرضه, ظل جليل غائبا لأكثر من شهر، لذلك فاته تعلم السؤال والإجابة عليه. وكعادته إفتتح المعلم الدرس بسؤالي عن إسمي إذ صادف أن كنت أول الجالسين فأجبته بسرعة ودون تردد
: (ماي نيم إز جعفر المظفر)
نسي المعلم أن جليل كان غائبا طيلة الفترة لذلك سأله السؤال نفسه : (جليل وإنته واتس يور نيم) فما كان من جليل غير أن يجيب إجابة فورية وسريعة وقاطعة
: ماي نيم إز جعفر المظفر"

قاموس غوغل من الإنكليزية إلى العربية ذكرّني بزميلي السابق "جليل كريم العين".
طلبت من القاموس تفسير جملة من مقالة تتحدث عن "تراجع السلطان بروناي عن القانون الذي شرعه أخيرا, إدعاء تمسكه بالإسلام, والقاضي برجم (المِثليين) من رعاياه بالحجارة حتى الموت .
الجملة الإنكليزية كانت كالتالي ( walked that back) والمعني بها ضمن سياق الموضوع (تراجع عن قراره). وقد تفضل غوغل بترجمتها حرفيا كالتالي : (مشى ذلك الظَهَر).

سلطان ويتراجع عن قراره .. كيف.. ؟!! .. لا يمكن, ربما كان ذلك ما ظنه غوغل.
ولهذا أراد أن لا يقع في المحذور فقام بترجمتها حرفيا بطريقة تعفيه من التبعات وترك للقراء مهمة تفسير الجملة، كلًٌ على طريقته الخاصة.

الفرق بين (جليل) زميلي في الإبتدائية وبين سلطان بروناي هو أن الأول كان (غائبا) أما الثاني فهو في (غيبوبة).

والحال إن خطأ اللغة والتفسيرات لا يرتكبها أشخاص مثل (جليل) وإنما الذين هم من شاكلة السلطان الذي يعيشون غيبوبة حقيقية عن معنى المثل والقيم الحقيقية التي تكمن خلف نصوص الكلمات يوم يذهبون إلى تفسيرها حرفيا ويطبقونها مثلما كانت عليه حينها, فالسارق والسارقة تًقطع أيديهما من خلاف وحتى دون النظر إلى مجموعة الظروف التي قادتهما إلى السرقة, في حين يًعفى من العقوبة كل أولئك الذين كانوا يسرقون اللقمة من أفواه الجياع وفي المقدمة منهم السلاطين وحتى أغلبية الخلفاء الأقدمين, ثم يطلع علينا أبو بكر البغدادي وغيره من (الدونيين) لكي يفسر الحياة وكأننا ما زلنا في زمن (معركة أحد).
لقد كان زميلي (جليل) أعور عين أما سلطان بروناي, وأما أبو بكر البغدادي, ومن هو على شاكلتهما من مسلمي التكفير والتطرف وأدعياء الدين فكل منهم هو أعور عقل وقلب وضمير.

شكرا لغوغل وقبله شكرا لأخي جليل (الأعور) الذي لم يخطأ حينما أجاب (ماي نيم إز جعفر المظفر) إذ كان جليل هو أنا, وكنت أنا هو جليل: أخوة في الدراسة وأخوة في الحياة وأخوة في العقل والضمير والبصيرة, وفي هذا, فهو وأنا, أعداء حقيقيين لكل متطرف على شاكلة أبي بكر البغدادي ولكل مدعٍ على شاكلة سلطان بروناي.