شارع الحرية 19

هيثم بن محمد شطورو
2019 / 5 / 18

هاتـفـته غادة في مقر الجريدة بصوت غلب عليه التوتر. قالت:
ـ يجب ان نلتـقي في العشية. ربما سيكون آخر لقاء بينـنا مدى الحياة.
تصاعد تيار من الاضطراب جعله يتساءل بلهفة:
ـ نلتـقي طبعا، ولكن لم أفهم آخر لقاء بيننا مدى الحياة هذه.
ـ ستعرف. أنا متوترة الآن. الحياة نهر دائم السيلان.. الساعة الخامسة في مقهى الأقواس في المنار.
انها النهاية. واضح انها قررت القطيعة. هل علمت بما بيني وما بين سلمى؟ كيف؟ من يكون قد أخبرها؟ هل تحدثت سلمى مع منية فأخبرت هذه الأخيرة غادة؟ وطبعا، فإحساسها بالخديعة أشعلها، وغيرتها القديمة تـيـقـظت. كنت قد قررت ان أتحدث معها في المسألة، ولكن التطورات مع سلمى كلها حدثت أثـناء فـترة غيابها الذي طال بعد احرازها على الاجازة في اللغة الإنكليزية بتـفوق. ولكن لماذا انا مضطرب هكذا؟ إني أحبها ولم أتصور فـقدان غادة العذبة الساحرة المشتعلة كنار دائمة الاشتعال كنار المجوس المقدسة. انها فعلا دائرة النور في حياتي.
وما كان بمستطاع الوجدان ان يختلج بمثل تلك النار التي أوقدتها المكالمة الهاتـفية في حياته، أو هكذا تخيل ان ضياع غادة سيتكرر في حياته بكل عاطفة الحنين اليها التي لن تهدأ أبدا. غادة، تلك الابتسامة المشرقة دوما. غادة ذاك العطر اللـذيذ جدا. غادة ذاك القوام الرشيق جدا. غادة تلك المتوهجة جدا. غادة تلك التي دعته الى الفراش، حين أعلمها انه يسكن في شقة لوحده في شارع الحرية.
ـ الحقيقة انا لست بورجوازيا بمثل ما تـتـصورين لأسكن لوحدي في شقة بشارع الحرية. العمارة كلها ملك لعمي، والشقة كنت أسكن فيها مع ابن عمي الذي رحل الى فرنسا، أما عمي الذي تعود على وضع الشقة كملكية لابنه فانه لم يكلمني عن ثمن ايجارها. حين بادرته انا بالحديث عن الموضوع ليخصص لي مبلغا مناسبا، قال انها شقة وليد فاذا أراد ايجارا فليأخذه منك وان لم يرد فهو حر، أما وليد فـقـد سبق ان قال لي:
ـ أسكن فيها بدون مقابل سوى أن أتمتع بها وقـتما أريد حين عودتي الى تونس.
ابتسمت غادة وقالت:
ـ لا تـقـل لي اذن أنك تدعوني الى شقـتك، لأني سوف لن أتـظاهر بالامتـناع.
ضحك وقال ليخفي تـفاجئه بدعوتها لنفسها:
ـ كنت سأطلب منك ان تأخذي نسخة من باب الشقة لتأتي اليها وقـتما تـشائين.
ضحكت وقالت:
ـ اوكي. اتـفـقـنا.
انها غادة الصاعقة التي تـفاجئه والتي تجعله يقوم بمجهود دائم لتجاوز نفسه ليكون في مستوى تـقبل صواعقها.
ابتسم وقال:
ـ يا للروعة. انت واضحة جدا في تأكيد مقولة "المسعدي" في "أن الدنيا إناث تدعو الذكور".
ـ أنا لا أدعوك بل أدعو نفسي اليك..
وضحكا، برغم انه تـذكر في طريقهما الى الشقة لأول مرة، تلك العاهرة التي اختلى بها في سهرة مع بعض الأصدقاء في سنـته الجامعية الأولى. لم يكن يعلم بوجود عاهرة حين إلتحق بسهرتهم، وانما ما يعلمه هو قضاء جلسة خمرية فقط. كانت سمراء وقصيرة تميل الى الامتلاء قليلا. دفعه أصدقائه الى الاختلاء بها، ورغم ارتباكه الا انه أراد ان يجرب الجنس في تلك السهرة. إلا انه لم يتمكن. احتـقر نفسه حين جذب سرواله. رأى فظاعته وهو يتعرى امام آخر غريب برغم كونها قد تعرت بالكامل واستلقت على الفراش. حاول ان يتجاوز نفسه ورمى بجثـته على جثـتها، وحاول ان يستعين باللمسات لكنه جسد غريب أمامه باهت الملامح وبارد، وعاري بكل وقاحة. لم يتـفاعل معها فـقام بسرعة عنها وأسرع لارتـداء سرواله. أدرك ما في ضنها أنه عنين، بل انه شك في نفسه أنه عنينا، إلا أنه أخبر أصدقائه حين خروجه من عندها "أنها عاهرة غير محترفة.. مبتـدئة."
وفي طريقه مع غادة الى الشقة خاف ان يتكرر نـفس المشهد. خاف ان يكون عنينا. كان يخاف من الجنس. فعلا فـقد كان الجنس مرعبا. غادة بسحرها وعطرها وتهافـتها وفنها وروحها الثورية المشتعلة وأنوثـتها الطاغية وذكائها عرفت كيف تجعله يكتـشف فحولته الجنسية.
وأجل موعد حوار صحفي في الساعة الرابعة عصر ذاك اليوم، مع شاعر ذو مسحة ثورية كتب رواية نالت اعجاب كثيرين من متابعي الأدب، في مقهى "الرونسنس" التي تعني "إعادة الولادة، او الولادة من جديد".
الجميل في مقهى "الاقواس" ردهتها المرتـفعة على الشارع العام، فكأنك جالس في فرندة تملأ ناظريك بالفتيات الجميلات المتعاريات والشباب ذو الأشكال المختـلفة من الشعر المربوط كشعر فتاة، وتـتأمل حركاتهم ودراجاتهم الضخمة، وطرائـق كلامهم بتحررية بورجوازية واضحة في جميع مظاهرهم.
كان في الموعد كعادته في دقة مواعيده، منـتـظرا إياها بوجدان يحترق، وهو على مشارف نهاية الطريق مع غادة. كان يُعد نفسه للتسلح بالأفكار التي سيدافع بها عن نفسه، دون كذب. صحيح ان العقل يقول ان غادة هي امرأة حياته، كما يقول الجسد ذلك، ولكن هذا لا يكـفي. هناك القلب الذي هو الجوهر. صحيح ان القلب يحب غادة، ولكن ليس بداية من نفسه وانما تباعا للعقل والجسد. اما "سلمى" فالقلب هو البدء والجوهر وهو الذي يستـتـبع شيئا فشيئا العقل والجسد..
لكنه الآن واقـف على حد النهاية لواقع غادة. حدود النهايات هي التي تضفي روحانية لامتـناهية للأشياء، التي تطفو قيمتها في الحياة بمجرد ضياعها، حتى انه لا يمكنك تخيل الحياة بدونها لحظة الضياع..
وهكذا كان يفكر في الأمر بمختلف الأوجه، ولكن جوهر القرار لم يتـزحزح، وهو المصداقية، وترك الامر لها وللظروف بعد ذلك. وطبعا فحلمه بأخوية الحرية، يجعله يفكر في ان تكون سلمى في الأخوية، وبذلك يتحقـق التواصل دون قطيعة ودون تعسف في اختيار أحد الأطراف على حساب الآخر، فتلك حرية مغلوطة لأنها تـنطلق من الواحدية في التـفكير وليس التـشاركية. الحرية القائمة على التلاقح بين الذوات هي الحرية الحقيقية. حرية التـنافس وحرية الاختيار لواحد هي ليست حرية، لأن كل إقصاء يتـضمن الفصل بين الذوات وبالتالي التـفكك وموت الاختيار للواحد في النهاية، لأن الواحد الأحد الوحيد هو الله، أما في عالمنا الإنساني فالواحد هو الإنسانية جمعاء، وليس الفرد الإنساني. انها كذبة كبرى تلك الحرية..
وبينما هو غارق في تـفكيره ذاك، انـتـبه لساقين ممشوقـتين واقـفـتين أمامه. غادة بنورها الوضاء. ميكرو جيب أسود اللون ومريلة حمراء اللون وشعرها منساب على كتـفيها كشلال عذب، ووجهها ينير بشفـتيها الحمراوين الصغيرتين ترسمان قبلة دائمة على وجهها البهي. كانت تبتسم. وقـف وقبلها بكامل السعادة للقياها، ولكن بكامل الحيرة، فهي لم تأتي معاتبة وغاضبة ومكشرة بل كحديقة ورود عطرة فواحة لذيذة..
قالت:
ـ غدا سأطير الى لندن حلم حياتي. لقد قبلت الجامعة هناك ترسيمي في المرحلة الثالثة.
تـنـفس الصعداء. قال:
ـ حقا؟ اوه. مبروك. يعني سنـفـترق.
قالت:
ـ حلمي بعد لندن هو أمريكا حيث سأشتغل على الأممية وفق منظوري وظروفي..
ابتسم لذكرها "الأممية" وقال:
ـ لا تحتاجين الى تبرير طموحاتك الكبرى في الحياة على الأقـل بالنسبة لي..
ـ أنا لا أبرر وخاصة لك. انها فعلا كذلك. لو تـتحول أمريكا الى الاشتراكية فالعالم كله سيكون اشتراكيا..
ضحك لسبـبـين. السبب الجوهري هو خلو الأجواء العاطفية بينهما الى الابد من أي منطقة جحيمية يمكن ان تعكر وجودها الى الابد في ذاكرتيهما. الى الابد سيكونان لبعضهما كأروع ذكرى وأروع حياة عاشاها من تـذاوت وتلاقح لذاتين مستـقبليـين الى ما لا نهاية. لقد حقـقا اللانهائية من هذه النهائية الرائعة. أحبا بعظهما حبا مجنونا ولم ينـتهي الحب بذكرى سيئة او بفراق مؤلم فيه انفصال للأرواح والاجساد. سيفـترق جسديهما فقط اما روحيهما فسيكونان دوما في وئام عسلي المذاق الخالي من أي مرارة. السبب الثاني هو أمريكا الاشتراكية.
قال مبتسما:
ـ يعني ستعملين على انشاء أخوية أممية لشارع الحرية.
ابتسمت وقالت:
ـ اوه. لكن لا أعرف كيف سيكون الامر بدونك. على كل سنـتراسل. سأكلمك في الجريدة وسأبعث لك رسالتي الأولى بمجرد تحـقيقي للاستـقرار.. وطبعا سأزور هذا البلد بين الحين والآخر، كما يمكنك التـفكير في السفر الى لندن..
قال:
ـ يمكن. كل شيء ممكن. لكن المؤكد الآن أنـنا سنـفـترق على ايقاعات الأممية مثلما التـقينا أول مرة..
والوقت لم يكن يسمح بمناقـشات نظرية فهما مشدودان الى تغطية الزمن القادم بامتلاء شعوري لكل منهما بالآخر. وهما متـفـقان قبل الآن على نظرة متـقاربة حول مسألة الاشتراكية بالنسبة لهما، بعد مناقـشات عديدة وقراءات موحدة لبعض الكتب ومناقـشة أفكارها. فالاشتراكية متجذرة في قـلب النظرة الكونية العامة للوجود بما هو واحد في عمقه برغم تعدده كظواهر وأشكال متـنوعة. انها فكرة عقلانية بما هو العـقل ارتـفاع عن الغريزة الحيوانية الافتراسية. الانسان من المفـترض فيه كإنسان ان يكون عقلا وروحا وبالتالي ارتـفاعا الى مستوى الروح الكوني. ومن هنا فالمعنى المتخفي الذي بإمكانه الظهور الى العلن كمآل أخير لحركة التطور التاريخي هو بلوغ مرحلة العقل الكوني، وبرغم الدور الكبير الذي ساهمت فيه الرأسمالية في هذا التطور، الا ان التـناقضات الداخلية الضرورية للرأسمالية هي بالضرورة ستـفرز الأممية الإنسانية الاشتراكية بمثل ما حلله "كارل ماركس" في كتابه "راس المال". هذا فقط ما يأخذانه من ماركس، اما مقولة الصراع الطبقي ودكتاتورية البروليتاريا وحكم العمال وانتصارهم على البورجوازية فكل تلك المفاهيم هي مجرد أيديولوجية ثورية لا علاقة لها بالواقع. فروسيا البلشفية لم يحكمها العمال وانما البلاشفة كحزب من المثـقـفين الثوريـين ذوي الإيديولوجية الماركسية المعدلة وفق إرادة القومية الروسية بالظهور بالضرورة كنقيض لأروبا الرأسمالية، لأجل خلق القوة والحداثة. كما ان عمال اوربا كلهم التحقوا بجيوشهم في حروبهم الوطنية وهم يدوسون على الجبهات مقولة "يا عمال العالم اتحدوا" ليحارب بعضهم بعضا كجنود أعداء، لمصالح اوطانهم المتصارعة. وهكذا فالوجود التاريخي للإنسان، الذي أراد ماركس فسخه بجرة قلم، داس على هذا القلم بأقدام البروليتاريا. في النهاية ماركس ينظر لقوى الصراع وبما ان الصراع الذي يتحدث عنه جزئي فهو قد ذاب كليا في حمى الصراعات الكبرى ذات الامتداد التاريخي..
وهكذا فالاشتراكية روحية متصلة بالفردوس القابع في أعماق كل البشر. فردوس التساوي والحرية. الاختلاف الوحيد بين غادة وبين احمد انه يقول ان هذه الاشتراكية ذات البعد الروحي هي امتداد للإيمان بالله الواحد الاحد الذي لا شريك له. هذا الايمان الذي يفـترض عدم الخضوع لغير الله، وبالتالي فهي التحرر من الخضوع لسلطة أي بشر والتحرر من عبادة المال، خاصة وان القرآن هو بشكل واضح ضد الربا وما يمثله اليوم من سلطة البنوك في العالم وضد اكتـناز الأموال وهو العنصر الرئيسي في النظام الرأسمالي. وبالتالي فالاشتراكية هي ينبوع مائدته المائية في الوحي الالاهي، وبالتالي فالوحدة الإنسانية بما هي وحدة روحية هي خلاص في صلب التعبد للاه الواحد الاحد. ومن هنا تكون الروحية العميقة لفكرة الاشتراكية. وهو يقرأ للعرب الدور المحوري في خلق العالم الجديد هذا، أما هي فلا تؤمن بذلك وانما هي ترى ان العالم الجديد سيكون عن طريق انقلاب الرأسمالية الى الاشتراكية في نهاية المطاف بمثل ما قال "ماركس"، وان ما يمكن ان نفعله هو الاشتغال على تهيئة العقول لهذه الثورة العالمية والإسراع أكثر ما يمكن نحوها لنـتـفادى مزيدا من الحروب والآلام والمآسي والمظالم.
وبما ان مقهى "الاقواس" هو بدوره اقواس لعوالم إنسانية تعبر عن نفسها بعفوية، فقد تابعا مختلف التحركات المتماوجة حولهما من الكلمات واشكال اللباس المختـلفة، بل كذلك أصوات بعضهم يغني، وفتاة ما أخذت ترقص رقصة قصيرة معبرة عن تماوج جسدها اللذوي الفاتن وكأنه لوحة فنية متحركة بانسجام تام مع المحيط الوردي من المشاعر المتـفاعلة معها، حتى ان أحد الشباب قام وقبلها وهي تضحك مسرورة مبتهجة..
انها أجمل ما يمكن ان يؤرخ للحظة الوداع الأخير لقصة حبهما الوردي. ولكن في النهاية. الفراق يقـترب. القـلب يحزن شيئا فشيئا لتـذكره ذلك، وفي النهاية عليها ان تذهب..
رافـقها الى العمارة التي ستبـيت فيها ليلتها الأخيرة في هذا البلد. هي شقة لابن خالتها وقد حضرت أمها وأبـيها ليقضيا معها هذه الليلة وليرافـقاها الى المطار في الغد.
وجاءت لحظة الفراق أمام باب العمارة. كل منهما يحاول جاهدا ضبط انفعالاته. يحاولان الكلام ولكن بصعوبة. قالت:
ـ أتمنى ان ترافـقـني في احلامي..
قال:
ـ أريد ان أعترف بأمر هام..
سكت لبرهة ورأت هي محاولته لكبح دموعه، فأدمعت عيناها، فانصهر فيها ضاما مقبلا محاولا عصرها فيه وعصر نفسه فيها..
ولم يُفصح عن اعترافه، فـقد أفصح العناق عن كل شيء. بعد انفصالهما عن بعضهما، كانت تـنسحب شيئا فشيئا وهي تمسح بأصابعها الرقيقة دموعها. قالت:
ـ كم أحبـبتك..
وهو يتابع انسحابها الى فوهة باب العمارة، قال لها وهو يؤشر إشارة الوداع بيده:
ـ انها الحياة. يوم نحب ويوم نبكي. يوم نفرح ويوم نحزن. اليوم بمعنى الوقت. لكن ستبقى أعظم وأروع أيام حياتي هي أنت.. هي غادة..
ابتسمت، وبعثت له بقبلة في الهواء وطارت.. طارت منه هكذا بانسيابـية وكأنها حلم بمثل ما طارت اليه ذات يوم وكأنها حلم.
كان لا يزال واقـفا. لم يكن ينـتـظر عودتها ولم يكن يفكر في أي شيء. لحظة سديمية غريـبة. الحياة كأنها حلم. هكذا تـتـسرب منا الوجوه بمثل ما تسربت الينا..
ثم كمن يستعيد وعيه بالأشياء لاحظ ان غادة قد رحلت. في الواقع ان غادة قد رحلت. تحرك من مكانه وهو يردد هذه الحقيقة بينه وما بين نفسه:
ـ لقد رحلت غادة..
وتابع الوجوه حوله وهو في طريقه الى البحث عن سيارة اجرة، فكانت كأنها دائرات من الأوهام تحوم حوله.
"ولكن ما من شيء قادر على انـتـشالنا من أنفسنا".. هكذا كان يُحدث نفسه..