إشكاليات التاريخ كردياً- الجزء الأول

محمود عباس
2019 / 5 / 17

بلغت سويات تشويه وتحريف تاريخ جنوب غربي كردستان مراحلَ خطيره، إلى درجة أصبح يسقط فيها البعض من الباحثين الكردي في مستنقع الأخطاء، دون أن يشعروا به، علما أن تلك الأساليب هي نفسها التي تستخدمها السلطات الغاصبة لكردستان. هل من المعقول أن تخدم هذه الأساليب تاريخنا الكردي؟ بغض النظر عما أسلفنا توجد هناك شريحة من الكتاب والمؤرخين المعنيين بالشأن الكردي، لهم باع طويل في مواجهة هذا التاريخ المحرف من قبل مقتسمي كردستان.
ولكن ما يؤسف له أن معظم المصادر المستخدمة لدى البعض من مؤرخينا هي ذاتها مصادر الغاصبين لكردستان، ولا يخفى عن القاصي والداني أن هذه المصادر تنفي حق الكرد في أرضخه التاريخية. ومن المستغرب أن هؤلاء لا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن مصادر محايدة بخصوص التاريخ الكردي في المنطقة.
1- أعداؤنا حصروا تاريخ جنوب غربي كردستان، ضمن مجالات بقعة جغرافية ضيقة، تحدد بين مدن ثلاث، الحسكة وعاموده والقامشلي، دون أن يتم التنويه إلى أنهم يكتبون عن هذه البقعة دون غيرها من مناطق جنوب غربي كردستان، فمعظمهم يعنونون دراساتهم وكتبهم، تحت منطق جغرافية جنوب غربي كردستان أو الجزيرة كما روج لها العديد من الباحثين العروبيين، لكن البحث في النص لا تتجاوز المنطقة المذكورة، وينسى أو يتناسى كتابنا أن جغرافية جنوب غربي كردستان تمتد ما بين منطقة الكوجرا إلى حيث لواء اسكندرونه ماراً بعفرين، وهناك حيث جبل الكرد.
2- والأغرب أن معظمهم يحددونها ضمن الفترة الزمنية الضيقة، ما بين نهاية ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925م وهي السنة التي سماها الكتاب العروبيون ومن بينهم محمد جمال باروت وغيره بسنوات الهجرة الكردية الأولى إلى سوريا، ومنتصف الثلاثينات، أي عام 1936م حيث الصراع على المقعد البرلماني بين المسيحيين والكرد والقبائل العربية الحديثة العهد في المنطقة، ويتناسون أن التاريخ الكردي هنا تمتد في العمق الماضي إلى ما قبل ظهور الغزوات العربية الإسلامية الأولى، وهذا ما حاول العروبيون بقيادة البعث سابقا واليوم تحت إدارة قطر، جعلها منطقة لعشائر عربية لا وجود لها في تاريخ هذه المنطقة، وذُكِرت مجازاً لإلغاء الصفة الكردستانية عنها.
3- يعتمون على القامات الكردية التاريخية، والتي كانت له ثقلها ومكانتها العشائرية السياسية والثقافية والتاريخية، وتغييب القيادات التي كانت لها معرفة ودور ما في العلاقات الدولية، ولهم خلفيات نضالية وثقل في الوعي والمفاهيم القومية، وجلها لإضعاف القوة الكردية في المنطقة، وتشكيل قوة مسيحية مكانها كشبه قومية موازية للقومية الكردية، أمثال القيادات الكبرى كالأميرين جلادت وكاميران بدرخان، اللذان كانا على سوية ثقافية وسياسية عالية حتى بمقاييس عصرنا الحالي، ولا نستبعد أن الأمير جلادت تم اغتياله في ظروف غامضة بحجة ردم البئر عليه، وذلك لدوره البارز في تدوير الحركة الكردية من أجل الحرية والاستقلال، وتم نفي أخيه إلى بيروت ومن ثم إلى باريس وظل هناك إلى أن وافاه الأجل .
فما درسونا في المدارس والمعاهد والجامعات، كان تاريخا مشوها فيما يخص جانب أمتنا الكردية، فكانت تصدر منا الآهات بين كل صفحة وأخرى، ويصيبنا الأسى والأسف ونحن نشاهد ركام التزوير والتشويه، دون أن نملك الإمكانيات، في تعديله أو تصحيحه، والأسباب كانت عديدة، معظمها كانت تتجاوز قدراتنا من حيث الكتابة ناهيكم عن الملاحقة الأمنية، ومن ثم النشر، ونحن هنا لا نتحدث عن توفر المراجع والمصادر التي كانت عليها حجر ومراقبة أمنية شديدة، وجل هذا لوجودنا تحت هيمنة سلطات دكتاتورية، المعدمة أمامنا جميع الإمكانيات في زمن الحظر الثقافي، إلى جانب حصرها في مجاري معينة وتحت مراقبة المربعات الأمنية المغروزة عيونها في كل زاوية من زوايا وطننا.
رافقتها وساندتها العامل الذاتي، منها ضحالة الوعي المعرفي، المفروض علينا من نفس الأنظمة، أو لنقل المستأصلة فينا كل القدرات والإمكانيات، وبالتالي ورغم ظهور محاولات من قبل بعض المثقفين الكرد، كانت معظم النتائج أو الردود أو التصحيحات دون السوية العلمية لتعرية فضاحة ما نشر وما كان ينشرمن قبل مراكز بحوث القوى الإقليمية والمخصصة لها ميزانيات هائلة، وبالتالي ظهرت ردود الحراك الكردي الثقافي أمامها هزيلة أو شبه منعدمة.
واليوم وللأسف فحتى بعدما زالت الحواجز وتنامت المدارك، وتكونت لدى شريحة واسعة من الكرد تراكم معرفي لا يستهان به، وأصبح من السهل النشر، نقرأ الكثير من صفحات تاريخنا المعاد كتابته وبأقلام كردية، أو الذي يقال أنه صحح أو تم أحيائه من بين ركام التعتيم، بهشاشة لا تقل عن التحريفات المقصودة الماضية، ونلاحظ سذاجة فاضحة ما بين صفحة وأخرى، وكتب تتبع أخرى، دون أن يتصفحها ناقد تاريخي، أو أن نقادنا لا يتناولونها لأسباب ذاتية، فالعديد ما تم كتابته حتى اللحظة ليست بأكثر من تشويهات حديثة وبلمسات كردية أضيفت على التشويهات السابقة، وبأساليب لا تقل ضحالة عن الماضي.
فمعظم ما يتم، ومن بينها النابع من الغموض الفكري، أو المقتصد فيه، والذي يخلق الشكوك في المصداقية الوطنية، يؤدي بنا أن نسأل:
1- هنا نسأل ما كتب في التاريخ الكردي من قبل هؤلاء هل هي سذاجة أم تقاعس؟
2- أيهما التي تعكس خلفيات ماضينا وحاضرنا وضبابية مستقبلنا، وأوصلتنا إلى حدود تقديم كتابات تصل إلى حدود الطعن في الوطنية، إن كان عن وعي أو بدونه، أو لغاية، لتمجيد حدث على حساب تاريخ الأمة؟
3- هذه المصادر تدفعنا أن نصبح وجه لوجه أمام عروبية منطقتنا، أو في أفضل حالاتها مستعمرة للقبائل العربية، وأن الكرد كما كنا في السابق من الموالي، واليوم أو غداً أشباه الموالي.

يتبع...

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
3-12-2018م