حساسية تركيا

صالح بوزان
2019 / 5 / 15

منذ مدة ليست بقصيرة أسمع مصطلح مراعات "حساسية تركيا" . مستخدمو هذا المصطلح جميعاً يطلبون من الإدارة الذاتية وقوات حماية الشعب الكردية مراعات هذه الحساسية التركية الملتهبة. أول من أطلق هذا المصطلح حكومة أردوغان بالطبع(المخاوف الأمنية). فالعقل التركي الشوفيني هو الذي خلق لنفسه هذه الحساسية تجاه الكرد عامة. ثم سمعتها على لسان شخصيات مهمة في الادارة الأمريكية، ومن الائتلاف السوري المعارض وقادة المجلس الوطني الكردي، وكذلك من حكومة اقليم كردستان العراق. وأخيراً في رسالة عبد الله أوجلان (وسأعتبر أن أوجلان فعلاً قال ذلك وليس من إملاءات الميت التركي على المحامين).
حسب ما فهمت، أن الجميع يقصدون بهذا المصطلح أن يفك حزب الاتحاد الديمقراطي والمقاتلون الكرد السوريون علاقتهم بحزب العمال الكردستاني، ولا أدري إذا كان عبد الله أو جلان يقصد ذلك أيضاً. كلما أقرأ أو أسمع بهذا المصطلح أشعر وكأنه يتضمن استهزاء مبطناً بالعقلية الشوفينية التركية التي تتصرف بردود أفعال طائشة كالأطفال. لكن الغاية من وراء استخدام هذا المصطلح مختلفة. فالحكومة التركية تقصد بالمصطلح عداءها التاريخي والمتجدد ضد حقوق الكرد لديها وفي الأجزاء الأخرى من كردستان. أمريكا تستخدمه لخفض حرارة الأتراك تجاه روجافا، ولإعادتهم إلى حظيرة الغرب، ومنعهم من الانزلاق نحو الحلف الروسي-الايراني. ويستخدمه الائتلاف السوري المعارض لرفض حقوق كرد سوريا ولتبرير ولائه اللاوطني لسياسات أردوغان. أما قادة المجلس الوطني الكردي فهم يستخدمونه لعدائهم المستميت ضد حزب الاتحاد الديمقراطي الذي أصبح بيده مفتاح القضية الكردية السورية. فهؤلاء القادة في المجلس الكردي يرون أن أي حقوق يحصل عليها كرد سوريا لا يتم عن طريقهم أو بالشراكة معهم يجب إفشالها. أما حكومة اقليم كردستان العراق، فهي تستخدم المصطلح أيضاً، لأنها في واقع الأمر تحت الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية التركية(وربما المخابراتية أيضاً)، وبالتالي ليس لديها قرار سياسي مستقل. يبقى أن نسأل ماذا يقصد عبد الله أوجلان بالمصطلح؟ لا أستطيع فهم غرضه تماماً، وربما لإعادة السلطان الطائش إلى المفاوضات، وإبعاد تركيا من صراعات داخلية سياسية واجتماعية بين الأتراك والكرد، ستكون لها نتائج باهظة التكاليف على الطرفين الكردي والتركي.
يعلم هؤلاء جميعاً أن حزب الاتحاد الديمقراطي بعد الثورة السورية غيره لما قبلها. فإذا كان قبل الثورة مجرد فرع لحزب العمال الكردستاني كما صرح أوصمان أوجلان شقيق عبد الله أوجلان عدة مرات، فإنه بعد الثورة أخذ يسلك منهجاً وطنياً سورياً. بل ممكن القول أنه أصبح حزباً مستقلاً عن حزب العمال الكردستاني كأمر واقع وعلى ضوء طبيعة الأهداف والمهمات التي برزت لديه خلال الأزمة السورية والنضال ضد داعش. كما أن هؤلاء جميعاً يدركون، إذا تحققت أهداف الحزب بدولة سورية فدرالية أو بأي صيغة لامركزية يحصل فيها الكرد على حقوقهم في دستور جديد، فلن يكون هناك أي تهديد كردي سوري تجاه تركيا. لأن الحكومة المركزية في دمشق هي التي تحدد السياسة الخارجية ومهمة الدفاع عن حدود سوريا. وبالتالي فإن ظهور أية مشكلة مع تركيا لن تكون مشكلة كردية- تركية، وإنما سورية- تركية. وسيلتزم الكرد بالقرار الوطني المركزي سياسياً وفي الدفاع عن حدود سوريا تجاه تركيا. زد على ذلك فإن أي حزب كردستاني سيرغب فتح مكتب له في روجافا يجب أن يحصل على موافقة الحكومة السورية المركزية حتماً وليس فقط موافقة الادارة الذاتية. الأمر يختلف في سوريا عن العراق. وأعتقد أن مشكلة قادة اقليم كردستان العراق تكمن في أنهم يتصرفون في السياسة الخارجية كدولة مستقلة متجاوزين صلاحيات بغداد. هذه السياسة جلبت لهم نتائج سلبية في الأغلب.
حزب الاتحاد الديمقراطي يعلن أمام الملأ أن ليس لديه علاقة بحزب العمال الكردستاني كالسابق. لكن جماعة مصطلح "حساسية تركيا" يريدون منه أكثر من ذلك. يريدون أن يعلن مثلهم عداءه لحزب العمال الكردستاني واتهامه بالإرهاب. هكذا تصرف يتناقض مع جوهر الفكر القومي بمحتواه الانساني قبل الاثني، ويتناقض مع طبيعة التضامن للشعب الكردي في كل جزء من كردستان مع بقية الأجزاء. إن الشعور القومي ليس شعارات وأناشيد للغناء، بل هو بالدرجة الأولى مواقف عملية. بمعنى موقف ينسجم مع سيرورة اللحظة التاريخية للحركة الوطنية الكردية المعاصرة. وهذا ما يمنع حزب الاتحاد الديمقراطي في الانحدار إلى الهاوية كما انحدرت بعض الأحزاب الكردية.
من ناحية أخرى، ليس من مصلحة حزب الاتحاد الديمقراطي الوقوف ضد حزب العمال الكردستاني الذي يناضل من أجل حقوق الشعب الكردي في كردستان تركيا، بغض النظر عن استراتيجية الأخير وتكتيكه. فهذا الحزب وقف مع مع حزب الاتحاد الديمقراطي في أصعب الظروف التي مر بها. لقد وقف في كوباني الكردي من كردستان تركيا وايران والعراق ومن الشتات إلى جانب المقاتل الكوباني ضد داعش، ورووا بدمائهم معاً تراب هذا الجزء من كردستان. وكان لحزب العمال الكردستاني الدور الريادي في هذا الموقف التاريخي من التضامن الكردي.
باعتقادي أن كل محاولة لدفع حزب الاتحاد الديمقراطي ضد حزب العمال الكردستاني ستبوء بالفشل حتماً. فالتضامن القومي والشعور الجماهيري المشترك الذي فجرته مقاومة كوباني وعفرين له سلطته العليا على ضمير الشعب الكردي، وله حصانته التي لا يمكن للأعداء اختراقها كما كانوا يفعلون في السابق. ومن الضروري أن يتخذ حزب الاتحاد الديمقراطي موقفاً منفتحاً أيضاً تجاه الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في كردستان العراق، بل تجاه أي حزب كردستاني. هذا جوهر التضامن القومي الصحيح مع الأشقاء لمنع تحول الخلافات إلى صخور رسوبية تمنع التقارب والتضامن.
إن كل نصيحة تأتي من أي حزب كردستاني لقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، من أي حزب أو زعيم كردي كان، يجب أن تؤخذ بصدر رحب واعتبارها تأتي من باب الأخوة والنية الصادقة. ولكن..، من حق قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، بل من واجبها القومي والوطني أن يمرر هذه النصيحة بغربال مصلحة الشعب الكردي السوري أولاً ومصلحة سوريا شعباً ووطناً ثانياً. وهكذا تفرز النصائح الايجابية عن السلبية. ويجب أن يكون هذا المبدأ ملزماً لكل الأحزاب الكردستانية وليس لحزب الاتحاد الديمقراطي فقط. لا يوجد حزب أو زعيم كردي فوق القضية الكردية. فعظمة الزعيم الكردي واحترامه وتقديره مرتبط بهذه الحقيقة. لأن هذا هو منطق الشعوب.
أغلب النصائح والمساعدات التي جاءت من حزب العمال الكردستاني لحزب الاتحاد الديمقراطي حتى الآن كانت لصالح قضية الشعب الكردي السوري وتعزيز نضاله ضد الارهاب، ولصالح وحدة سوريا وطناً وشعباً (أقول أغلبها وليس كلها). كما أن أغلب النصائح التي جاءت من الحزب الديمقراطي في كردستان العراق كانت تصب لصالح تركيا والائتلاف السوري المعارض، وعمقت ولاء قادة المجلس الوطني الكردي لسياسات أردوغان والائتلاف السوري المعادية للشعب الكردي في سوريا، وعمقت عداءهم لحزب الاتحاد الديمقراطي والادارة الذاتية، ولا سيما على الصعيد الاقليمي والدولي (كذلك أقول أغلبها وليس كلها).
ومع ذلك لا بد الاقرار بحقيقة أخرى، وهي أن أغلب المساعدات العسكرية وصلت إلى قوات سوريا الديمقراطية من خلال اقليم كردستان العراق وعبر معبر سيمالكا. فلولا هذا المعبر لما استطاع حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية تحقيق الانتصار على داعش، بل لاختنقت روجافا من الناحية الاقتصادية، ولما استطاع قادة الادارة الذاتية ايجاد منفذ لهم للاتصال بالخارج.
في الختام، لا أعتقد أن العلاقة بين الحزب الديمقراطي في كردستان العراق وحزب الاتحاد الديمقراطي ترتقي إلى مستوى العداوة تماماً. وبالتالي من الضروري الاقرار بالواقع، وأن يسعى الطرفان البحث عن تفاهمات مفصلية لتحقيق مصلحة الشعب الكردي والشعب العربي في كل من سوريا والعراق.