الدورة الثالثة -اللاحضارية- الشرق متوسطية

عبدالامير الركابي
2019 / 5 / 15

الدورةالثالثة "اللاحضارية"الشرق متوسطية
عبدالامير الركابي
من صفات الانسايوان، انه عبد لما اعتاده وماقر عليه، وتلك ستكون احدى اكبر العقبات ومعضلات الانتقال الأكبر الحالي، لن يكون مقبولا على سبيل المثال قراءة التاريخ بحسب المنظور التحولي، باعتبار الدورة الأولى، او "البدء"، قد تبعها طور اول لاحق على الضفة الغربية الاوربية من المتوسط اغريقي وروماني، وان الدورة الثانية الشرق متوسطية، هي التي فتحت الأفق امام اوربا والعالم، باتجاه الدورة الاوربية الراهنة الحداثية الصناعية، بمعنى ان هنالك تبادلية شاملة، بين موضع التحولية البنيوية الشرق متوسطي، وموضع التحولية التقنية الأوربي.
ثمة فارق أساسي طرأ على التبادلية المذكورة أعلاه، جعلها تتحول من تتابعية تفصل بينها فترات تاريخية، الى وحدة تزامنية، هي تلك الراهنة الأخيرة، والتي تبدا من منتصف الالفية الثانية، وعلى وجه التعيين مع القرنين السادس والسابع عشر،يوم حل على العالم مانسمية بالتفارقية الرباعية، عند بدء غروب اخر متبقيات الدورة الشرق متوسطية كما كانت تتمثل بالسلطنة العثمانية، والثورة الصناعية البرجوازية الاوربية، وانبعاث الاليات التاريخية الحضارية مع بدء الدورة الثالثة الحالية في نفس القرنين المنوه عنهما من ارض الرافدين جنوب العراق، او سومر الحديثة "المنتفك"، وأخيرا ورابعا اكتشاف القارة الامريكية.
يؤدي صعود اوربا الى زوال السلطنة العثمانية، والى حلول زمن من الاستعارة والتشبه الحداثي المستحيل، في ارض الرافدين والشرق المتوسطي، من دون ان يتسبب ماحصل في قطع، او إيقاف عملية التشكل التاريخي الراهن في الكيان البؤرة الازدواجي الامبراطوري، التي تستمر في التشكل متجاوزة نطاق الاستلاب والفبركة المفهومية والنموذجية، والايديلوجية الحزبية منها على وجه التعيين، ذهابا الى مابعد مجتمعية و "فك الازدواج"، وهو مايتزامن مع انتهاء زمن الإنتاجية الالية، وظهور وسيلة الإنتاج المطابقة لعملية التحول المجتمعي المنتظرة على مدى الدورات الثلاث التي مر ت بها ارض مابين النهرين.
هكذا تكون ديناميات التحول قد غدت في طورها الأخير، و"حدة"، تنتظم الفعالية الكوكبية لتضعها على أبواب الزمن مابعد المجتمعي، والبدء الثاني، أي الزمن الخارج عن التخيّل، وقبلها عن القبول خارج العادة، بعد مرور الانسايوان بمئات القرون من المجتمعية واحكامها وثوابتها القارة الراسخة، والتي من طبيعتها ومن تكوينها، انها تقيد العقل وتحبسه داخل اشتراطاتها، وضمن ماقد امكن للعقل من بلوغه كحدود وتصورات، هو فيها لاحق على الأشياء، ومفتكر تحت سقفها، وبناء عليها، غير متجاوز لها كما يفترض به ان يتهيأ من هنا فصاعدا، خارقا النطاق الجسدي ومايترتب عليه.
تصور من هذا القبيل، من البديهي ان يتصادم بقوة مع أنماط التفكير المحلوي والمكاني الملازم لزمن المجتمعية، من نوع " مصر ام الدنيا"، وهي بلد الدورة الواحدة، والمنجز السكوني الاجتراري، اذا ما اراد احد ان يظهر ارض مابين النهرين، على انها بؤرة ومحور الانقلاب المصيري المجتمعي البشري، والموقف ذاته يمكن ان يوجد على امتداد المساحة الشرق متوسطية، مابين النيل والفرات، نزولا الى جزيرة العرب. فالعنعنات المحلوية صفة تكوينية في المجتمعية، فكيف سيكون الامر وماالمتوقع، في حال امتد النظر الى ماوراء المتوسط وامريكا؟
مهما يكن فان المجتمعية انتهت، وهي لم تعد قادرة على الفعل، أي ان ماسوف يمنح التحولية القدرة على التحقق، ليس مايعرفه البشر خلال الزمن المجتمعي من صراعيات داخل المرحلة والزمن نفسه، وبوسائله السارية على الجميع، وفقا للتوازنات المتاحة، فالذي ندل عليه هو زمن انتهاء، يعقبها بدء، وكل من يريد اليوم البقاء في الاطار المجتمعي، سيجد نفسه بعد فترة متمسكا بظاهرة انتهى مفعولها، ولم تعد صالحة، ولا قادرة على الاستمرار، هنالك في التاريخ مايمكن تسميته "لحظة انتهاء الصلاحية"، وعنده يصبح التفكير بتوازنات القوى، والإمكانات، واعداد السكان، والاقتصاديات، والجيوش، وأداء الحكومات، خارج البحث، فالمجتمعية كانت قد وجدت في وقتها وساعتها، ونمت، ومرت بمراحل كبرى وصغرى، الى ان فقدت مبررات وجودها.
هاهو ختام الزمن المجتمعي كما كان متاحا وممكنا بحسب منطوياته، والمتاح له تكوينا من طاقة وامد استمرارية، بغض النظر عن بقاء ذيوله، مع معيقات لحظة الانتقال الكبير الفائق للمعتاد والمعروف. وماقد عرفه العالم منذ ستينات القرن المنصرم الى اليوم، هو مسار نهاية وبدء، سيكون القرن الحالي نقطة وثوب الى مابعده، لكن ذلك لن يحدث كالمعتاد في مجرى صراع بين قطبين، فلا احد يصارع شيئا بحكم الميت، هو بذاته صار مهيئا لان يتكفل بإعلان نهايته .
وكل ما يمكن التأكد منه على هذا الصعيد هو اكتشاف الرؤية التحولية، وقانون المجتمعية وزوالها، ووضعه امام العقل الذي سيرفضه بداية وبقوة، الى ان تصير علامات صحته امرا واقعا وحالة معاشة مستقله عن فعل البشر،بمرور الأيام، وتتابع الاحداث واطرادها، وتزايد الحاجة لبديل للزمن المنتهي، بمستوى ماهو حاصل ويحصل من اشكال استحالة الاستمرارية، هكذا يعفي التحول نفسه من الدخول في صراع غير لازم، ولا ضرورة توجبه ضمن لحظة، المطلوب فيها والذي تحتاجه مجرد دلاله على مستوى الرؤية، تبدا بان تكشف للعقل النقاب عن السر الأكبر.
انهار الاتحاد السوفيتي على ضخامة بنائه في العقد الأخير من القرن العشرين، وتبدأ الولايات المتحدة بالانهيار من هنا فصاعدا، بصفتها الإمبراطورية المفقسة خارج رحم التاريخ، والمزدوجة البنية مابين واقع محتل جرى استيطانه، وبين راسمال اوربي، كان مايزال وقتها في عزه، ووجد في الأفق القاري الجديد إمكانية تجديدية لبناه المقاربه على الشيخوخة، لتنشا حالة من التناقض العميق داخل كيان مازال في طور التشكل المفهومي والمجتمعي، ومازال حتى اليوم ابعد من ان يكتشف ذاتهالمستمرة بالتشكل، والتي لن تكون على الاطلاق بعيدة عن اليات فك الازدواج، مع قوة حضور التكنولوجيا، وظهور الرؤية التحولية، بينما الراسمالية تموت داخل ارض المنشأ، وذلك معنى ان تعرف اليوم شخصا مثل ترامب رئيسا، كل مايقوم به يثير الاعتقاد بانه غورباتشوف الولايات المتحدة الامريكية، مثلما ان محمد بن سلمان، ال"محمد" المزور الزائف الثاني، بعد محمد بن عبدالوهاب، هو غوباتشوف المملكة النفطية السعودية.
لن يصدق من يراقبون الاحداث، ويواصلون اسباغ مفاهيم وتصورات ماقبل الموت المجتمعي عليها ماسوف يشهده العالم ببناه الحالية ودوله ومؤسساته، شرقا وغربا، فكانما صرنا على مقربة من " قيام الساعة" في المنظور الابراهيمي الزائل هو الاخر من هنا وصاعدا، بعد ان صارت منطقة الابراهيمة على اعتاب الانتقال من "الحدسية الالهامية النبوية" الى "الادراكية الحدسية" اللاحضارية، فالدورة القادمة إلحالة على المنطقة راهنا وفي المستقبل القريب، هي دورة " لاحضارية"، لانها أصلا "لامجتمعية"، تنتمي لعالم "فك الازدواج" في البؤرة الرافدينية الازدواجية.
الحضارية والمصطلح الحضاري النحوط في قلب الماضي المجتمعي، يناقض جوهر التحولية، تبناه العقل أيام هيمنة الرؤى الأحادية المجتمعية الزائلة اليوم، لن يبني الانسان المقبل والمتولد عن الانسايوان الايل للزوال، حضارات لم يعد لها موجب، ولا طاقة استمرار او مبرر.