العطايا قبل السؤال

مقداد مسعود
2019 / 5 / 15

العطايا قبل السؤال
محاولة تصنيع مقدمة لدراسة
: (دعاء الإعتذار) للإمام زين العابدين – عليه السلام-
مقداد مسعود
أهدي جهدي هذا إلى ولدي مهيار ..
(*)
مَن يستمع لهذه الورقة يستفيد أكثر ممن يقرأها،فالمسطور محض منصات إنطلاق ..
هذا الجنس الأدبي: الدعاء ليس حكراً لطرف معين، فموجهاته النصية مكتنزة بالمعنى ومعنى المعنى، وتشجع القارىء النوعي لأنتاج جهوية جديدة بعيدا عن التعامل النمطي مع هكذا كنوز..
(*)
النغمة قبل الكلمة
يومها كنت في الثاني الأبتدائي ...
أقول الآن وليس آنذاك : ثروتي من الفهم كانت ضئيلة، لكن بعفوية كنت منظويا في الإصغاء العائلي، ما كان يشدني هو صوت القارىء، لا أعرفُ من الدعاء سوة البسملة لكنني أبقى مشدودا إلى ما يتناغم الصوت به، أحس الصوت ولا أفهمه، هل يحق لطالب في الثاني الأبتدائي أن يتجاسر ويقول: كنت ُ اتذوق الدعاء صوتيا فقط ؟!
صوته حنين : هكذا تصف أمي صوت القارىء ..
أبي يضيف :ماهر في إداء المقام الملائم للدعاء وكذلك النقلات بين المقامات المتجاورة: هذا ما كرره عليّ ،أبي حين كبرتُ وسألته : عن غوايات صوت القارىء : جواد ذبيحي وهو يمجّد في تلاوته لدعاء كميل ..
أصوات لايمكنها أن تغيب عن ذاكرتي السمعية : جواد ذبيحي، عبد الزهرة الكعبي وهو يقرأ المقتل .. الأذان بصوت عبد الستار الطيار، وكذلك التواشيح الدينية هو وفرقته.. الصوت الرخيم لحجي شاكر من مأذنة مناوي باشا..أتسعت شبكتي السمعية الآن وأحتوت وليد الأعظمي حين يقرأ سورة يوسف، ومحمد أيوب وهو يتسامى في سورة يس ..أما الشيخ محمود خليل الحصري فبصوته أصغي إلى القرآن الكريم كله ...
(*)
من خلال تكرار قراءتي للأدعية في هذا الجنس الأدبي الرفيع، ومن خلال قراءاتي المنتجة في بعض سور من القرأن الكريم (الضحى)و(الرحمن) و(الملك) (الكهف) وهي منشورة في مواقع النت ودراستين سابقتين لي في دعائيين كريمين (دعاء كميل) و(دعاء البهاء) وهناك دراستي النقدية للمشروع الأسلامي للمفكر محمد أركون، والبحث بأجزائه الثلاثة حول القرآن، وهذا البحث منشور في مواقع النت الثقافية وكذلك دراستي عن تصدي الناقد والمترجم والمفكر جورج طرابيشي، لمشروع المفكر محمد عابد الجابري، ودراستي عن المفكر محمد عابد الجابري، وما أشتغل الآن عليه بخصوص المشروع الفكري التجديدي لدى الباحث والمهندس محمد شحرور.. وقبل كل هذا وذاك : من خلال إصغاءاتي/ إصغاءاتنا العائلية تلمستُ فضاءات روحية وهدأات للنفس الإنسانية تجسدها التناغمات الصوتية في هذه الأدعية الكريمة: التي تسعى تكليميا من أجل تصنيع الإنسان السوي، وهي تعبّد لنا مسالك شتي من الطرق المنيرة توصلنا أجمعين إلى معاينة الحقيقة،حيث التكليف الوحيد في كافة الأديان يتجسد في مجاهدة النفس،وفي هذا السياق فأن العقل الإنساني، لا مصباح لديه سوى الكلام لتجسير علائق مع الناس والأشياء،بين النسبي والمطلق،وهكذا يكون الكلام/ الدعاء منصة الناسوت المنطلق نحو اللاهوت مادام الإنسان تمكنت الكلمة ُ منه وفيه، وهنا علينا أن نخشى على الكلمة من الكلمة التي يصنعهّا التأويل المغالي في أصولياته حد الإنسلاخ..
(*)
لا يمكن تكليم دعاء الاعتذار، دون تكليم الصحيفة السجادية تاريخيا في الأقل .لذا ستكون ورقتي على النحو التالي :
*اقترضت ُ عنوان ورقتي من قوله المبارك(وإعطاء ما يَجب ُ لهم قبل السؤال/ 112- دعاؤه لجيرانه وأوليائه - الصحيفة السجادية)
*ماهو الدعاء
*فاعلية الدعاء
*تاريخية الصحيفة السجادية
*تكليم دعاء الاعتذار


(*)
الدعاء : أجناسية أدبية قائمة بذاتها، وجهويتها ضمن مخطط الصورة من الأسفل إلى الأعلى، من الأرض إلى السماء، من النسبي البشري إلى المطلق الميتافيزيقي.. ويحتوي الدعاء شحنات متنوعة منها المظلمتين التاليتين :
*شكوى (أللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي)
*توسل (أللهم أرحم من لا يملك إلاّ الدعاء)
جنس الدعاء ليس مغلقا، فهو نص منفتح على تعديد قراءات، وذات شحنات جمالية في غاية اللطف .
*الدعاء تصنيع فردي بشري، مرسل إلى مطلق ميتافيزيقي، يحتوى كل دعاء أقفالا تنظر مفتاحا واحدا
*الدعاء : إستقواء الضعيف على القوة الغاشمة والدعاء(معراج المؤمن)
(*)
فاعلية الدعاء مرتهنة بنوع المتلقي،فحين يكون المتلقي عاديا تتوسل قراءته للدعاء حاجة روحية نمطية مألوفة،أوحاجة اقتصادية : يقرأ الأدعية لزيادة الرزق أو حاجة نفسية محاولة الحصول على شحنات موجبة لنظامه الفسلجي . ولهذا المتلقي حريته المطلقة: لسنا حراس عليه .،وأحيانا يعتمد هذا المتلقي على عينيه أو أذنيه : المذياع/ الفضائية.
(*)
القارىء النوعي حين يقرأ الدعاء نفسه فهو يستقرأ وحداته الصغرى ويتفكر فيها ثم يفكرها ويجترح جهوية ً مغايرة ً مميزة ً، فهو يتمعن في إبناء النص وكيفياته وكيفية تكليمه للغوص في طبقاته المتراكبة العميقة الدلالة، فهو قارىء يتلمس النص بتذوق صوفي خالص بحثا عن صفو البال وصفاء السريرة وليس خرقة الصوف ..
(*)
الصحيفة السجادية هي(زبور آل محمد) وهي (إنجيل أهل البيت)
جاء في ويكيبيديا : كلام غير الدقيق (الصحيفة السجادية: هي لدى الشيعة أكثر اعتمادا، بعد القرآن الكريم !! ) هل عميتُ الأبصار عن (دعاء كميل) للإمام علي- عليه السلام- ؟
على مستوى الميراث الديني: الصحيفة السجادية، نقلة معرفية إسلامية من الشّفاهية إلى الكتابة، وسبقها فقط القرآن الكريم، في توحيد المصاحف بتوقيت الخليفة عثمان بن عفان وكلاهما ساهمتا في (إخراج الإسلام من مرحلة الذاكرة الدينية الشفاهية،لمرحلة الدين ذي الذاكرة المدوّنة أو المكتوبة،في أن يصبح الإسلام دينا كتابيا ومنظّما ومؤسسا شأنه في ذلك شأن اليهودية والمسيحية / 381- محمد محمود - نبوة محمد – التاريخ والصناعة : مدخل لقراءة نقدية/ مركز الدراسات النقدية للأديان/ط2/ لندن) لكن الفرق بين الأنتشارين : القرآن الكريم والصحيفة السجادية، هو الفرق بين الهواء الطلق وسرّية حيّز تنقلات الصحيفة ثم انتشارها:وبشهادة يحيى بن زيد بن زين العابدين وهو يسلّم نسخته المختومة إلى شخص يدعى متوكل ليسلمها لأبن عمه جعفر الصادق
(فخِفت ُ أن يقع مِثل ُ هذا العلم إلى بني أميّة فيكتموه ُ ويدّخروه في خزائنهم لأنفسهم /19- مقدمة الصحيفة السجادية الكاملة)
كما لازم َ هذا الانتشار لحد الآن جهوية واسعة جدا على مستوى المذهب الشيعي مع مطالعات شخصية من قبل سواه من باب العلم بشيء .
(*)
تاريخيا من خلال تنقيباتي في الكتب وغوغول: عرفت ُ أن حق كتابتها وتداولها آنذاك مثل حقوق النشر الآن وأن هناك أكثر من مجاز بخصوص حق كتابتها وتدوالها بين الناس، لذا صار لدينا نسخا تحتوي تباينات جزئية، تدفعني للسؤال التالي
*في موسوعة ويكيبيديا نقرأ الكلام التالي( يقول راوي المقدمة أن هذه الادعية كانت أولا (75) دعاءً، فُقِد َ منها (11) دعاء) طبعة بغداد 2010 يوجد فيها(63) إذا أضفنا المفتقد سيكون (74)
وهذه نماذج من الطبعات للصحيفة السجادية :
*الصحيفة السجادية للسيد محسن العاملي تحتوي 183 دعاءً
*الصحيفة السجادية مؤسسة الإمام المهدي تختلف بالفهرس وكذا الحال مع النسخة المتوفرة في موقع (ويكي مصدر)
هذه النسخ الثلاث تنتهي بدعاء (استكشاف الهموم) وهذا الدعاء هو رقم (55) بينما في نسخة الصحيفة السجادية المطبوعة في بغداد من قبل (دار بغداد للمكتبات) 2010 منبجسات الأدعية تصل إلى رقم (62) حيث دعاء الأيام السبعة وسيكون لدينا سبعة أدعياء أما الرقم(63) فيحتوي المناجاة الخمسة عشر.
(*)
جاء في الأثر، كانت الصحيفة السجادية نسختين :
*نسخة بخط زيد بن محمد الباقر، وبشهادة الإمام جعفر الصادق (هذا والله خط ُ عمّي زيد ٍ ودعاء جدي علي بن الحسين عليهما السلام/ 20مقدمة الصحيفة السجادية الكاملة) وهذه النسخة كانت بحيازة يحيى بن زيد بن محمد الباقر، وقد سلمها إلى شخص من أشياع آل البيت اسمه متوكل – تلاقيا في طريق الحج – بعد أن أخبره متوكل بمصيره أي مصير يحيى الذي سيصلب بالوراثة مثل والده زيد، قتلقى النبأ بكل شجاعة وسَلمَ يحيى الصحيفة إلى متوكل ليسلمها لأبن عم يحيى : جعفر الصادق- عليه السلام -
* النسخة الثانية بخط الإمام محمد الباقر وقد أملاها عليه والده زين العابدين وثالثهما أثناء الكتابة هو جعفر الصادق
(*)
الصحيفة السجادية، نص ُ رئيس مسطور،مكوناته نصوص فرعية ذات جهوية ثرة، فالنصوص كلها تنتظم بالشأن الإنساني ولكل كتابة نصية موضوعة تعتني بها :الوقت / الأسبوع/ الشهور/،وينفتح قوس الصحيفة من الذات ..... صعودا إلى (أهل الثغور)..كما هي معنية بذات منتج النص وبعائلته، ومعنية بالصحة والسقام، ومعنية بتأزم الاقتصاد المنزلي.. وتفردُ الصحيفة السجادية فضاءً نصيا مزدهرا للخلوة النورانية يتجسد ذلك في الفصوص الكريمة(المناجاة الخمسة عشر) وكل هذه الثريات النصية مبأرة بجهاز مفهومي متوارث عائليا وصولا إلى منبجسات سيد البلاغة وإمام نهجها علي الحق – عليه السلام –
(*)
إذن الصحيفة السجادية: نص على مثال مرسلها، وقد أثل هذا النص كينونة ً مكثفة ً لنفسه، وقد حافظت هذه الكينونة على كائنيتها كصحيفة مسطورة،مقارنة بخطب ومرسلات الإمام علي(عليه السلام) التي تكفل بجمعها وتحقيقها واعدادها، بعد استشهاده بفترة ليست قصيرة، بعد قرابة أربعة قرون الشريفين المرتضى والرضي، وهناك رأي يؤكد أنه منسوب لعلي، لمافي الكتاب من مصطلحات المعتزلة مثل الأين والكيفيات
(*)
من خلال تاريخية ما جرى أمويا، فأن الصحيفة السجادية ثمرة معرفية كبرى بعد فاجعة الحسين بن علي – عليهما السلام- وأنصاره الميامين، وهكذا ستكون آلام زين العابدين :محبرة السطور لكن الألم هنا يكتب بالمحذوف المستور،ويمرعلى ذلك وامضا في (دعاؤه لجيرانه وأوليائه)
(أللهُمّ صَلّ على محمد ٍ وآله ِ، وتولّني في جيراني ومواليّ،والعارفين بحقنا،والمنابذين لأعدائنا بأفضل ولايتك112)
(*)
تحاول قراءتي أن تطمئن القارىء،أنها ستتحرز من الأشتراك الدلالي ذي الطيف المتداخل بين اللغة والمصدر واللغة والهدف، إضافة إلى الأشتراك الدلالي الكامن في اللغة الواحدة 11- شانتورك)
(*)
أن الأمام علي بن الحسين – عليهما السلام: يهبنا في هذا الدعاء كعادته مستويين من القراءة
*مخاطبة النفس، من خلال ضمير المتكلم
*مخاطبة الإنسان من خلال مخاطبة الأنا
وهكذا يتحول المنولوج إلى ديالوج ،وتتجاور موضوعة دعاء الأعتذار مع (دعاؤه لجيرانه وأوليائه/112) وكذلك مع (دعاؤه في طلب العفو/149)
(*)
يدخل الأمام زين العابدين مباشرة لتجسير صلة لسانية بين النسبي والمطلق، والملاحظ بفعل تكرار قراءة النص، أن الأنا هي النحن أكثر مما هي أنا، وهكذا يكون الخاص ليس خاصا بل هو عاما لنا أجمعين.. ولنتأمل عميقا في التجسير اللساني سنرى أولا هناك (وجودا قبل الوجود)
سورة هود/ 7( وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء) في ص24 في كتاب عمر فروخ(تاريخ الفكر العربي: 670)
(*)
يرى أبن رشد(إن الوجود طرفان وواسطة بين الطرفين) فما هما ؟ وماهي الواسطة؟ يرى العقل الرشدي أن الكل أتفقوا حول الوجودين واختلفوا حول الواسطة .
*الطرف الرئيس : موجود من شيء غيره، أي موجود عن سبب فاعل ومن مادة، والزمان هنا متقدم على الطرف الأول،أي على وجوده، والطرف الأول يشمل العناصر الاربعة : الماء والنار والهواء والتراب..هنا ينحسم الخلاف بين المتكلمين والفلاسفة المسلمين: حول المحدث والقديم، ويتبين أن الخلاف يتطوق بالمصطلح فقط، فالحدوث والإبداع والقدم :لها عند الفلاسفة معنى معيّن،أما المتكلمون ف يهفمون المعنى مبأرا بالكلمات التي يتعاطونها .وهكذا سيكون الأختلاف هو بين المقدمات والنتائج
*الطرف الأساس :فهو موجود لم يكن من شيء ولا عن شيء ولا تقدمه زمان، وهو فاعل الكلية وموجوديتها
*الواسطة التي بين الطرفين فهي: موجود لم يكن من شيء،ولا تقدمه زمان ولكنه موجود عن شيء،أعني عن فاعل وهذا هو العالم بأسره
(*)
في هذا الدعاء نكون مع ثقافة الأعتذار،ويمكن إعتبار الإمام زين العابدين في موضع الريادية فيه، وله قصب السبق، وهو هنا يهبنا درسا عظيما على ضرورة التواضع، وممارسة نقد الذات لذاتها، ولدينها نوعين من الأعتذار
* تعديد الاعتذار
* تكثيف الأعتذار
ويمكن تنضيد الأول بالطريقة الإحصائية التالي :
(1) أعتذر إليك من مظلوم ٍ ظُلِم بحضرتي فلم أنصرُه ُ
(2) ومِن معروف أُسدي َ إلي فلم أشكرهُ
(3) ومِن مسيء أعتذرَ فلم أعذره ُ
(4) ومن ذي فاقة ٍ سألني فلم أُثِره ُ
(5) ومن حق َ ذي حق ً لزمني لمؤمن فلم أوفّره
(6) ومن عيب مؤمن ظهر لي فلم أستره

ثم ينتقل الأعتذار من المفرد إلى الجمع
(1) ومن كل أثم ٍ عرض لي فلم أهجر
ثم ينتقل الأعتذار إلى تكرار الاعتذار بالجملة عن المعدد السالف ذكره ويضاف إليه المتجاور معه:
(3)أعتذر إليك يا إلهي منهن، ومن نظائرهّن أعتذار ندامة ٍ،يكون واعظا لِما بين يديّ من أشباههن .
(*)
الغائية من الاعتذار هي الجعالة التي من خلالها يتم تجسير المحبة بين النسبي والمطلق،وهذا يعني أن القوة الدافعة للأعتذار هي العروج نحو محبة محب التوابين :
أجعل ندامتي على ماوقعت ُ فيه من الزلات
وعزمي على ترك ما يعرض لي من السيئات
توبة توجب لي محبتك يا محب التوابين


(*)
تعتبر أجناسية الدعاء، جزءاً ثمينا من رأس مالنا الأدبي، وهذا الرأسمال هو بحق من مصادر هويتنا وهنا علينا هذا الإقرار المعرفي (كل فاعل أجتماعي هو راوٍ وكل تنظيم أجتماعي هو شبكة خطاب /14 شانتورك)..للأسف أن الغالبية العظمى، تكتفي بقراءة هذا الدعاء،وهذه القراءة العاطلة من المؤكد لا تنسج شبكات :(بنية خطاب الجيل الواحد والعابر للأجيال المستعملة في مسار تشكل الهوية والسلطة /10- رجب شانتورك).. ولا تعمل بتحويل القول إلى أفعال حيوية تمنحنا أجمعين جهوية صحية في التطهر من أعوجاج السلوك اليومي..في هذا الدعاء شحنات ساخنة من التوجيه التربوي لنا أجمعين .

(*)
تنزهاتي في جنائنها حرضتني على إعلان مفاتنها نقديا، عل سواي يتذوقها بصمت الصوفي وصفوه باله، وليس بخرقة الصوف.إذن قراءتي هذه تنضوي ضمن قراءتيّ لدعاء كميل ودعاء البهاء وكلتا القراءتين منشورتين في المواقع الثقافية منها (مركز النور – الناقد العراقي – بصرياثا – كتابات..) وهي قراءة تدخل إلى النص بجهازي المفهومي الذي صنعته لي خبرتي مع آليات الدعاء ومديات قوسه : نلاحظ في الأدعية مستويين، ولكل مستوى قراءه: بالنسبة لعلماء الاجتماع ستكون قراءتهم بين العمل الاجتماعي والخطاب. وستكون الأولوية للمجتمعي. أما بالنسبة للسانيين فهم سينشغلون بالأقوال موضوعا ..
(*)
قراءتي تحاول أن تغترف من الوعائين بقدر موزون.ربما تحاول قراءتي ردم الفجوة بين القراءتين .وعلينا أن نتوقف عند ما قبل النص وتحديدا لماذا انتج الأمام هذه الثريا البلاغية التي تحتوي ثريات فرعية في داخلها؟ نتوقف عند الفيلسوف الشهيد محمد باقر الصدر وهو يشخص سببين لتصنيع هذه الصحيفة :
*(الخطر الذي نجم عن أنفتاح المسلمين على ثقافات متنوعة وأعراف تشريعية وأوضاع اجتماعية مختلفة بحكم تفاعلهم مع الشعوب التي دخلت في دين الله أفواجا /10)..إذن نحن آنذاك في لحظة صراع حضارات،خصوصا وأن الإسلام دخل تلك البلدان غازيا، وستقوم تلك الأمم بالحفاظ على نسيجها الخاص ولو سريا، وسيتضح ذلك الأمر في نكبة البرامكة في عهد الرشيد، وكذلك سيطرة النفوذ التركي في عهد الخليفة المعتصم، ثم النفوذ البويهي والسلاجقة
*خطر الرفاهية ( موجة الرخاء التي سادت المجتمع الاسلامي في أعقاب ذلك الامتداد الهائل/11).. لذا سيقوم الدعاء،بتصنيع (جوا روحيا في المجتمع الإسلامي يساهم في تثبيت الإنسان في تثبيت الإنسان المسلم عندما تعصف به المغريات /12):إذن للدعاء وظيفة تربوية أصلاحية
لاحظت ُثمة فعل إستباقي وهو كالتالي أن القول بالصحيفة السجادية ستعرضه التداولية الشفاهية إلى شيء من المتغيرات التي ستضر بحياة النص، كما سيجرى مع الحديث النبوي الشريف، حيث تزاحمت الاحاديث المجروحةومنها أحاديث إستقوائية يتم تصنيعها للتعزيز الطائفي، أو تعزيزا للطريقة الصوفية: أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي المعروف بغزارة التأليف الصوفي، في كتاب (طبقات السبكي/ ج3/ ص60) يقول عنه الذهبي (وافر الجلالة) ويقول عنه الحافظ بن عبد الغفار يقول عن السلمي (شيخ الصوفية في وقته،الموفق في جميع علوم الحقائق ومعرفة طريق التصوف،وصاحب التصانيف المشهورة العجيبة في علم القوم،) لكن السلمي في كتابه (حقائق التفسير) أضرم َ الخلافات المعرفية حوله
حيث اتهمه محمد بن يوسف النيسابوري(السلمي غير ثقة في الحديث وكان يضع للصوفية/ 79- الملامتية والصوفية وأهل الفتوة)
هنا للأسف قام الزاهد أبو عبد الرحمن السلمي،وبسبب (حرصه الشديد على تأييد تعاليم الصوفية بالأدلة النقلية من الكتاب والسنة دفع به إلى تلمس الأحاديث التي يمكنه أن يستعين بها على تحقيق مأربه مهما كان المصدر،ولا أستبعد أنه وضع الكثير منها79- أبو العلا عفيفي) وما وضعه السلمي سيتداوله كبار الصوفية على لسان شقيق البلخي الحارث والمحاسبي وذي النون المصري وأبي يزيد البسطامي...وهي أحاديث تتسق مع سياق الصوفية ..
قبل أن تضرم هذه الفوضى، كان قوة الاستبصار،لدى الإمام زين العابدين قد قررت ضرورة تدوين الأدعية تكلمها لسانه وعقل وروحه، هنا سينتقل الشفاهي من زين العابدين إلى سمع ولده الباقر ومن سمعه إلى كفه لتسطر الأدعية الكريمة.. لأن الشفاهية ليس فقط عرضة للخروج عن النص.بل لشيء آخر يشير إليه الباحث التركي رجب شانتورك في كتابه الضروري لمكتباتنا الشخصية (البنية الاجتماعية السّردية/ تشريح شبكة الحديث النبوي (610- 1505م). ط1/ 2018/ جسور للترجمة والتوزيع/ بيروت والكتاب من ترجمة الأستاذ صابر الحباشة :
(لم يعد الحفّاظ يشكلون طبقة بعد القرن السادس عشر..أقتصرت جماعة علماء الحديث الأجلاء المعروفين بوصفهم حفّاظا على بضعة علماء أستثنائيين في كل قرن/ 33)..
قبل القرن السادس عشر وتحديدا في (موقعة الحرة) في 63 للهجرة على المدينة المنوّرة في مجزرة موقعة الحرة أنقتل جمع غفير من الذين يحفظون القرآن وكذلك لم توجه الجيش نفسه نحو مكة في لمقاتلة عبد الله بن الزبير كانت من ضمن الخسائر المقاتلين الذين يحفظون القرآن
هذه الأحوال كان الإمام يراها بعينيه وقلبه وقبل هذا وذاك رأى الخسائر الفادحة في مجزرة كربلاء..
والعجيب أنه العلاقة عكسية بين أنتشار الإسلام و(زوال طبقة مثقفة بعد أن أطلعت بدور قيّادي طوال قرون من الزمان؟.. أنحدار لا رجعة فيها
شبكة الحفاظ تنكمش على الرغم من استمرار الإسلام في التوسع ومن أزدياد عدد المسلمين. فلم تقلصت شبكة الحفّاظ على الرغم من أتساع جغرافية الإسلام؟ 33- رجب شانتورك) شانتورك يسأل نفسه هذا السؤال المعرفي ويجعلنا نتساءل معه، ثم يصنّع جوابا لنا..(هذه مرحلة تعرف بفترة،،التدوين،، فمع انتشارالتعليم وانتظامه مؤسيسا حُسم َ
،،التوتر بين الذاكرة والمخطوطة لصالح هذه الأخيرة/ 34)
(مسك)
أقترض ُ من أبي الحيّان التوحيدي وأقول (طوبى لمن عرفك فوصفك أو وصفك فعرفك / 340- الإشارت الإلهية)