حين تسفح أعوام العمر..غانم الدباغ في عمله الروائي الوحيد (ضجة في الزقاق)

شكيب كاظم
2019 / 5 / 14

حين فوجئنا بالقاص والروائي العراقي فؤاد التكرلي ( ت٢٠٠٨) وهو يدون في نهاية روايته الرائعة ( الرجع البعيد) إنه أمضى المدة من 9/2/1966 وحتى 5/9/1977 في كتابة روايته هذه، والتكرلي معروف بتأنيه ودقته، وإنتاجه القليل، إذا ما قيس بعمره الإبداعي الذي ناف على نصف قرن، فهو يهفو إلى النوع لا الكم، فإنا لنفجع إذ نقرأ أن القاص والروائي العراقي الراحل غانم الدباغ ( ١٩٢٣ أو ١٩٢٥-١٩٩١) قد أمضى عشر سنوات، وهو يكتب الجزء الأول من روايته (ضجة في الزقاق) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة ٢٠٠١،بطبعتها الأولى مع مقدمة كتبها هاتف ( عبد اللطيف) الثلج، وتقع في مئة وستين صفحة؛ أي أنه كان يكتب ست عشرة صفحة في السنة، أي نحو صفحة شهريا؟! فهل يقبل مثل هذا من أديب يريد لنفسه أن يكون مؤثرا ويأخذ مداه في دنيا القراءة والكتابة؟!
رواية ( ضجة في الزقاق) كتبت بأسلوب كتاب الخمسينات من القرن العشرين، وجيل الرواد ولغتهم، وهو على الرغم من إعادة النظر في نتاجه القصصي وتشذيبه وإعادة كتابته، ولاسيما قصصه الأولى التي نشرها في الصحف الموصلية أواخر ثلاثينات القرن العشرين ( ١٩٣٩) وهو يطلع على النتاج القصصي عربياً وعالمياً، فإنه أثر كتابة روايته هذه بالأسلوب ذاته،، وحوادثها تجري في الحارات الشعبية، وإذا كان التكرلي وفرمان يجريان حوادث رواياتهما في الحارات الشعبية البغدادية، فان غانم الدباغ بوصفه موصلياً، يجريها في الحارات الشعبية الموصلية (النبي شيت) و( الشيخ حنش) مثلا.
لقد كتب الروائي غانم الدباغ في نهاية الجزء الأول من روايته هذه، إنه أمضى السنوات من ١٩٥٨ وحتى ١٩٦٨،وهو يكتب صفحات هذا الجزء، الذي يسرد علينا حال أسرة تحيا في أحد الأزقة الموصلية في سنوات العقد الخمسين من القرن العشرين، إذ ترد فيها إشارات إلى حوادث تلك السنوات على لسان ( خليل القولجي)؛ السارد المركزي، ومنها التظاهرات التي انطلقت خريف سنة ١٩٥٦،تأييداً لمصر في تأميمها قناة السويس، وتقديم (خليل) الذي افجعتني فظاظته وعدم احترامه لأمه، وشتمها وسبها لأتفه الأسباب، فكيف يجوز هذا لمدعي التقدمية ومحاربة الاستعمار وعملائه؟! فضلا عن تلصصه على جارته، زوجة الشرطي، ولعلها إشارة خفية إلى الانتقاص من جهاز الشرطة وقتذاك، وارتكاب الفاحشة معها في خلوة، لا تنتهي بهدوء، إذ يضبطهما صبية المحلة وهما يتطارحان الغرام!
(خليل) السياسي المهزوم المنكفىء، الذي يكيل الاتهامات للنظام الملكي، حتى إنه ليكاد يبرأ من عمه الضابط ذي الرتبة العالية، والذي خدم في الجيش العثماني (عبد الفتاح أفندي القولجي).
(خليل) هذا كأنه موكل بارتكاب الفواحش ما ظهر منها و مابطن، فإذ ارتكب الفاحشة مع جارته (ساجدة) زوجة الشرطي معيوف، وما اكتفى بل ارتكبها مع ابنة عمه (صبيحة) البنت الكبرى؛ الذي ائتمنه عمه عليها،كي يتولى تدريسها اللغة الإنكليزية، لكنه يغويها ويفاجؤه عمه بالجرم المشهود، ويظل خليل القولجي ينتقم من أعدائه الطبقيين بالإغواء وفاحش الأعمال!
(خليل) هذا الذي يصدع رؤوسنا بشعاراته السياسية، نموذج للسياسي المهزوز المهزوم، الذي يعتقل إثر تظاهرة تنشب في المدينة هو ما كان مشاركا فيها، بل يلفه الموج البشري الهادر، ليحال إلى المجلس العرفي العسكري، ومن ثم تسحب يده من الوظيفة، ليزيد قطع مورده المالي ممثلا براتبه الوظيفي، في أزماته النفسية والاجتماعية. والسياسية، وإذ يحكم على القصاب ذي اليشماغ بعشر سنوات، وهي إشارة خفية قد لا يعرفها أحد لبعد العهد بها، فإنها إشارة إلى المسؤول الحزبي في مدينة الموصل في تلك السنين، عبد الرحمن القصاب!،ويحكم المجلس ببراءة خليل" "ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيه، وارتعش فمه (...) خارج القاعة احتضنته أمه، وكشفت برقعها أمام الجنود، شبعه لثما (...) هبط الدرجات الرخامية العريضة تحت الأقواس العثمانية، عائدا إلى هناك.. إلى مدينته وبرغم إحساسه الشديد بأنه خرج من الأتون سالما... إلا أن شعوره باندحار الإنسان فيه كان أشد"". تراجع ص١٦٠
وكتب الدباغ، عبارة انتهت، أي أنه يسجل نهاية لهذه الرواية، ولو اكتفى بهذه الصفحات المئة. والستين، لكان أجدى وأفضل، لكنه اثر أن يطيل فيها ويمط في حوادثها، ليوقع نفسه وقراءه في مطبات وافتعالات ما كان أغناه وأغنانا نحن قراءه عنها.
لقد أصدر غانم الدباغ ثلاث مجموعات قصصية هي:( الماء العذب) و(سوناتا في ضوء القمر) و(حكايات المدينة القديمة) لم أطلع عليها لكن أشار إليها الكاتب هاتف الثلج في الذي كتبه بين يدي الرواية، كما قرأت أكثر من مرة التحليل النقدي الذي كتبه الأستاذ محمد جبير في كتابه النقدي المكثف (جوار النص، التشظيات السير ذاتية في النص السردي. غانم الدباغ إنموذجاً) الصادرة طبعته الأولى في بغداد سنة ٢٠١٦، لكنه أثر شأنه شأن أغلب كتاب القصة القصيرة، أن لا يقف عند هذا اللون؛ القصة القصيرة، وعند هذا الوصف؛ القاص، فعمل على اكتساب صفة (الروائي) فكتب عمله هذا.
لقد أفجعني المصير الذي آل إليه غانم الدباغ، وأنا أقرأ ما كتبه عنه الأديب الأنيق جمال حسن العتابي، إذ أودت به هفوة ما كانت لتخطر على بال أحد، وهو يطوي الجسر المعلق، نحو الشارع المؤدي إلى مسكنه في السيدية، بدل أن يتجه يساراً، فانه لساعة نحس وأسى، استدار نحو اليمين، لتخرسه وتقعده صرخة أطلقها جندي الحراسة عند بوابة القصر الرئاسي: قف، ليجد نفسه في المستشفى مشلولاً مقعداً وليغادر الدنيا سنة ١٩٩١،وليكون غانم الدباغ ضحية من ضحايا العصف السياسي الذي عصف بالعراق منذ أوائل عقد الستين من القرن العشرين.
وبعد"" نستطيع أن نستنتج-- كما يقول الناقد محمد جبير في كتابه آنف الذكر-- من عرض شامل للتمظهرات السير ذاتية في النصوص القصصية أو في النص الروائي الوحيد الذي كتبه الدباغ في حياته، ان تشظيات السيرة كان المعين الأساس في كتابة تلك النصوص وتجلت وتجمعت في رواية ( ضجة في الزقاق)(...) وهي من هذا الجانب تعد مثالاً متميزاً لأدب السيرة الذي كتب بطريقة سردية متميزة وكأنه أدب لا علاقة له بسيرة المؤلف، إذ أن المتلقي الخارجي الذي لم يطلع على التفاصيل الذاتية التي اطلعنا عليها، وأخذنا في اعتمادها كوثيقة في كشف مكنونات النص، فإنه سيتعامل مع هذا النص بوصفه نصاً سردياً درامياً يتعامل مع حقبة سياسية من تاريخ العراق..." تراجع ص١٠٢ص١٠٣